المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
•:• •:• [ الفتــــــــــاوي - سؤال وجواب ] •:• •:•
Estadak Forum > المنتدي الدينى > الفتاوي والاحكام
1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9, 10, 11, 12
ابو تميـــــم


قـــالوا.....!

يقول الأديب والمؤرخ الإسلامى عباس محمود العقاد

فى كتابه مطلع النور: لا تتوقف فريضة من فرائض الاسلام الخمس على وساطة بين الخالق والمخلوق فحينما وجد المسلم ففى وسعه أن يؤدى صلاته
وإذا وجبت صلاة الجماعة، فكل مسلم يحسن الصلاة يجوز له أن يؤم المصلين ولا يشترط إجتماعهم فى مسجد معلوم ، وإذا حج المسلم الى بيت الله تعالى فليس
فى بيت الله كاهن يقـدم له قربانه أو يملى عليه شعائرة، وإنما يقوم بشعائره لنفسه ، ولا يحتاج فى قبوله الى وساطة من وسيط ،
ويصح للمسلم أن يؤدى زكاته كما يصح له أن يسلمها إلى أقربائه الفقراء أو أى فرد طبقا لما جاء فى القرآن ،
وليس لرئيس الدين فى الاسلام من فضيلة غير فضيلة العلم والموعظة الحسنة وتنبيه الغافلين

و يقول إمام الدعوة الشيخ محمد الغزالى :

هذا"التورم" الذي يصيب جانبًا دينيًا معينًا هو السر وراء فقهاء لهم فكر ثاقب، وليست لهم قلوب العابدين،
ومتصوفين لهم مشاعر ملتاعة، وليست لهم عقول الفقهاء.

ويقو ل الغزالى :

رأيت بين أشباه المتعلمين ناسا يتصورون الإسلام يحد من جهاته الأربع بلحية في وجه الرجل، ونقاب على وجه المرأة، ورفض للتصوير
ولو على ورقة، ورفض للغناء والموسيقى ولو في مناسبات شريفة وبكلمات لطيفة!
إن الفتوى الجاهلة، والبدعة المحدَثة، والحديث الموضوع، والخرافة المقدسة، كل ذلك لون من تزوير الوحى،
وتحريف الكَلمْ عن مواضعة ، والشهادة على الله بما لم يقل.
ويقول ستسقط بعض الفتاوى التى جاءت من غير أهلها . بينما تكون بعض الفتاوى من أهلها الذين ليس لهم سلطان سياسى وإنما سلطان علمى
يتمتعون بمؤهلات تجعلهم أهلاً للنظر والفتوى ، وفتواهم عند الجماهير ذات أثر كبير

ان اضمحلال العقل الاسلامي واضح في أغلب ميادين الفقه وعدد كبير من المشتغلين بفقه العبادات
أو المعاملات يحسن النقل التقليدي أكثر مما يحسن الوعي والاجتهاد
ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم مالايلزم !!

ويقول ابن القيم:

إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها،
ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور،
وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل،
فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه
وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها".والله أعلم

قال الإمام الغزالي :

العبادات أدوية للقلب الإنساني، تشفيه من مرض الغفلة والغرور والنسيان لحق الله تبارك وتعالى . ومن حق الله سبحانه أن يستأثر بسر
تركيب هذه الأدوية الروحية، وقد يتفضل فيطلعنا على شيء منها . وحسب المؤمن أن يعلم أنه تعالى لا يصف لنا إلا ما فيه خيرنا وصلاحنا .
(والله يعلم المفسد من المصلح). (البقرة: 220)
(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟). (الملك: 14)

ويقول الشيخ د. يوسف القرضاوى :

كم من أمور تَعَبَّدَنا لله بها لم نكن نعرف سرها، ثم تقدمت عجلة الزمن وكشف العلم عما في أمر الله ونهيه من حكم ومنافع.

ويقول:

إن الأصل في العبادات أن تؤدي امتثالاً لأمر الله وشكرًا لنعمته، سواً عرف الإنسان كل الحكمة منها أم لم يعرف فالعبد عبد،
والرب رب. للرب أن يأمر وينهى وعلى العبد أن يسمع ويطيع .
لو كان الإنسان لا يطيع الله إلا فيما اقتنع به عقله المحدود لكان في هذه الحالة مطيعًا لعقله لا مطيعًا لربه.

إن العقل نعمة بغير شك، ولكن الوحي نعمة أعظم وأكبر وإذا كان المجتهد المخطئ مأجورًا، فشرط ذلك أن يكون أولاً من أهل الاجتهاد
وأن يكون قد استفرغ الوسع ولا يكون للهوى الخفي إلى نفسه سبيل، ولا يعيب المجتهد أن ينظر في تراث السلف وإن كان ذلك لا يلزم الخلف باجتهاداتهم.


من محاسن عصرنا الذي نعيش فيه، أن وجد من هم على شاكلة الشيخ محمد الغزالي - رحمة الله عليه -
والشيخ يوسف القرضاوي، زاد الله لنا النفع بعلمه وفقهه، هؤلاء الرجال هم قلة، وهذا أمر طبيعي؛ فمتى كان أمثالهم كثرة في أي زمان ومكان؟
إن الواحد منهم صنعته مرحلة تاريخية، هي هذه المرحلة التي نشأ فيها وعاش وتفاعل مع مشاكلها وقضاياها وتحدياتها .
وعلى أيديهما أرتاب الصدع الذي عانى منه فقه الإسلام وفكره على مدى قرن سابق، وعلى مدى القرن الرابع عشر الهجري
(الذي بدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر الميلادي نحو 1883م) عانى الفكر الإسلامي نوعًا من الانفصام بين حركة التجديد وحركة المحافظة،
وكانت حركة التجديد تنشر وجوهًا لاستجابة الفكر الإسلامي لأنواع معاملات جديدة وأوضاع نظم اجتماعية وسياسية حادثة،
وتفتق حلولاً لمشاكل طرأت لا تجد لها في فكر السابقين حلولاً جاهزة .


وللشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ، مكانه الثابت على جذوع شجرة المفكرين الإسلاميين ويكمل صنيع سابقيه،
وهو في الوقت ذاته ينشغل بفتاوى الأحكام وقضايا فقه المعاملات؛ تأليفًا للكتب، وإصدارًا للفتاوى في مسائل الفروع،
عبادات، ومعاملات، ويكمل هنا شجرة تضم محمود شلتوت، وأحمد إبراهيم، وعبد الوهاب خلاف،
وعلي الخفيف، ومن على شاكلتهم سابق ولاحق.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :

الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الاسلام في شيء ، وقد انتمت الى الاسلام أمم فاقدة الوعي عوجاء الخطى قد يحسبها البعض أمما حية ولكنها مغمي عليها ...
والحياة الاسلامية تقوم على فكر ناضر ... اذ الغباء في ديننا معصية

والفشل في شؤون الدنيا فأمره مخجل حتى أن ما نأكله من طعام أو ما نأخذه من دواء أو ما نرتديه من لباس يصنعه لنا غيرنا !!
وأما صناعات السلاح وما يحمي الشرف ويصون الايمان فشيء لاناقة لنا فيه ولاجمل ...

ويقول الشيخ محمد الغزالي :

أكره أصحاب الغلظة والشراسة ، لو كان أحدهم تاجرا واحتجت الى سلعة عنده ما ذهبت الى دكانه ولو كان موظفا ولي عنده مصلحة ما ذهبت الى ديوانه ،
لكن البلية العظمى أن يكون امام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلا بالدعوة ، انه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء .
اذا لم يكن الدين خلقا دميثا ووجها طليقا وروحا سمحة وجوارا رحبا وسيرة جذابة فما يكون ؟!

وقبل ذلك ، اذا لم يكن الدين افتقارا الى الله ، وانكسارا في حضوره الدائم ، ورجاء في رحمته الواسعة ، وتطلعا الى أن يعم خيره البلاد والعباد فما يكون ؟!
ان القلب القاسي والغرور الغالب هما أدل شيء على غضب الله ، والبعد عن صراطه المستقيم ..
ومن السهل أن يرتدي الانسان لباس الطاعات الظاهرة على كيان ملوث وباطن معيب .


تحت شعار الاسلام تجد ناس ليس لهم فقه وليست لديهم تربية ، يغترون بقراءات وشقشقات واعتراضات على بعض الاوضاع ،

ويرون أن الدين كله لديهم وأن الكفر كله عند معارضيهم ، فيستبيحون دماءهم وأموالهم وكراماتهم .

ما هذا باسلام وما يخدم بهذا الاسلوب دين من الأديان .

ولست ألوم أحدا استهان بنا أو ساء ظنه بديننا ما دمنا المسوؤلين الأوائل عن هذا البلاء

ان القطيع السائب لابد أن تفترسه الذئاب .
ابو تميـــــم

[ 1 ]

الفتوى و المفتى

والمستفتى
ابو تميـــــم

مزالق المتصدين للفتوى في العصر الحديث


سئل فضيلة الشيخ :د. يوسف القرضاوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،نسمع كثيرا في الوقت الحاضر عن مزالق كثيرة يقع فيها من يتعرضون للإفتاء
دون أن يستكملوا العدة الشرعية لذلك فنريد من فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
أن يحدثنا عن هذه المزالق وتأثيرها على الفتوى في العصر الحاضر0

فقال فضيلته :

لقد شهد عصرنا نهضة علمية واسعة في مجال الدراسات الإسلامية، وقامت جامعات ومعاهد ومؤسسات لتدريس العلوم الدينية الإسلامية
في مناطق كثيرة من بلاد العرب والإسلام، وذاب جليد الركود الذي ساد الفكر الإسلامي طول عصور التخلف تحت حرارة المواجهة مع العصر والواقع،
وبرز صراع مرير بين القديم والجديد، تمخض عن فئات ثلاث من الناس:
ـ فئة تشبثت بالقديم كله، على ما فيه من شوائب وانحرافات.
ـ وفئة تبنت الجديد كله، بما فيه من نقائص وسيئات.
ـ وفئة وقفت موقف الوسط، وقالت: نتمسك بكل قديم نافع، ونرحب بكل جديد صالح.

وفي وسط هذه الدوامة من صراع الأفكار، وتدافع التيارات، كان لابد من أن تتأثر الفتوى والمتصدون لها بهذا الواقع.
فالإنسان ـ شاء أم أبى ـ لا يستطيع أن ينفصل عن مكانه وزمانه، وبعبارة أخرى: عن بيئته وعصره،
والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

والمفتون في أي عصر معرضون للخطأ بحكم بشريتهم، وعدم ضمان العصمة لهم،
ولكن المؤثرات الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية في عصرنا أشد منها في أي عصر مضى.

وبهذا كان لزاما علينا أن ننبه على المزالق الخطرة، أو الأسباب البارزة، التي تفضي بالمتصدين للفتوى، والمتحدثين باسم الشريعة،

إلى أخطاء مؤكدة، وانحرافات جسيمة، ربما يترتب عليها تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو إسقاط ما أوجب الله أو إلزام ما لم يلزم به كله،

أو تشريع ما لم يأذن به الله، أو تكذيب ما أخبر به الله.



يتبع .....
ابو تميـــــم

فما هي تلك المزالق أو الأسباب؟

1ـ الجهل بالنصوص أو الغفلة عنها

ومما يعرض المفتي للخطأ: الغفلة عن النصوص الشرعية أو الجهل بها، وعدم الإحاطة بها وتقديرها حق قدرها،
وخصوصا إذا كان من يتعرض للفتوى من الجرآء المتعجلين، كالذين يريدون أن يملئوا أنهار الصحف أو المجلات بأي شيء،
دون أن يجشم نفسه عناء الرجوع إلى المصادر، والبحث عن الأدلة في مظانها، ومراجعة الثقات من أهل العلم.
وأكثر ما تقع الغفلة عنه هنا هو: نصوص السنة، فقد فشا الجهل بها في هذا العصر فشوا مخيفا، حتى أن بعضهم ليفتي بما يناقض
أحاديث الصحيحين أو أحدهما مناقضة صريحة بينة، لأن حضرته لم يقرأ هذه الأحاديث ولم يسمعها فجعل جهله حجة على دين الله.

2ـ سوء التأويل

وقد لا يأتي الخطأ من عدم استحضار النص، ولكن من سوء تأويله، وفهمه على غير وجهه، اتباعا لشهوة،
أو إرضاء لنزوة، أو حبا لدنيا، أو تقليدا أعمى للآخرين.
وسوء الفهم أو سوء التأويل، آفة قديمة منيت بها النصوص الدينية، والكتب المقدسة، وهو أحد الوجهين
فيما وصم به القرآن أهل الكتاب من "تحريف الكلم عن مواضعه".
فليس المقصود بالتحريف تبديل لفظ مكان لفظ فحسب، بل يشمل تفسير اللفظ بغير المراد منه،
فهذا هو التحريف المعنوي، والأول هو التحريف اللفظي.

ومن أمثلة سوء التأويل ما قاله بعضهم حول الآيات التي وردت في سورة المائدة في شأن من لم يحكم بما أنزل الله،
وهو قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون).
قال هذا القائل: إن هذه الآيات لم تنزل فينا ـ معشر المسلمين ـ وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة.
ومقتضى هذا ـ في زعمه ـ أن من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والنصارى فهو كافر أو ظالم أو فاسق.
وأما من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين فليس كافرا ولا ظالما ولا فاسقا!
وهذا والله مما لا ينقضي منه العجب!

3ـ عدم فهم الواقع على حقيقته

ومن أسباب الخطأ في الفتوى عدم فهم الواقع الذي يسأل عنه السائل فهما صحيحا،
ويترتب على ذلك الخطأ في "التكييف"، أعني في تطبيق النص الشرعي على الواقعة العملية.
ومن الناس من يجازف بالفتوى في أمور المعاملات الحديثة، مثل التأمين بأنواعه، وأعمال البنوك، والأسهم والسندات،
وأصناف الشركات، فيحرم أو يحلل، دون أن يحيط بهذه الأشياء خبرا، ويدرسها جيدا.
ومهما يكن علمه بالنصوص، ومعرفته بالأدلة، فإن هذا لا يغني ما لم يؤيد ذلك بمعرفة الواقع المسئول عنه، وفهمه على حقيقته.

4ـ الخضوع للأهواء

ومن أشد المزالق خطرا على المفتي أن يتبع الهوى في فتواه، سواء هوى نفسه أو هوى غيره، وبخاصة أهواء الرؤساء وأصحاب السلطة،
الذين ترجى عطاياهم، وتخشى رزاياهم، فيتقرب إليهم الطامعون والخائفون، بتزييف الحقائق، وتبديل الأحكام، وتحريف الكلم عن مواضعه،
اتباعا لأهوائهم، وإرضاء لنزواتهم، أو مسايرة لشطحاتهم ونطحاتهم.
ومثل ذلك اتباع أهواء العامة، والجري وراء إرضائهم، بالتساهل أو بالتشدد، وكله من اتباع الهوى المضل عن الحق.
هذا مع تحذير الله تعالى أشد التحذير من اتباع الهوى، يقول الله تعالى لرسوله في سورة الجاثية من القرآن المكي:
(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا،
وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين، هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون).

وفي سورة المائدة وهي من أواخر ما نزل من القرآن المدني ـ يخاطب رسوله أيضا بقوله سبحانه
(وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك).

كما خاطب الله نبيه داود فقال: (يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق،
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).

5ـ الخضوع للواقع المنحرف

ومن المزالق التي تزل فيها أقدام المفتين في عصرنا: الخضوع لضغط الواقع الماثل بما فيه من انحراف عن الإسلام، وتحد لأحكامه وتعاليمه.
ومن المعلوم أن هذا الواقع إنما صنعه الاستعمار الغربي أيام سطوته وسيطرته على بلاد المسلمين
ومقدراتهم الثقافية والاجتماعية وغيرها، ثم استمر بل نما، على أيدي عملائه وتلامذته من بعده، ممن تخرجوا على يديه، وصنعوا على عينيه.
ولا ريب أن كثيرا من الناس، ممن يتصدون للحديث عن الإسلام وأحكامه يعانون هزيمة روحية أمام هذا الواقع،
ويشعرون بالضعف البالغ أمام ضغطه القوي المتتابع.
فلا عجب أن تأتي أحاديثهم وفتاويهم "تبريرا" لهذا الواقع المنحرف،
وتسويغا لأباطيله، بأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها من برهان.

6. تقليد الفكر الغربي

ومن الأسباب الجوهرية وراء انحراف الكثير من الفتاوى في عصرنا: التقليد أو التبعية ـ وإن شئت قلت: العبودية ـ للفكر الغربي، وللحضارة الغربية.
إن نفرا من قومنا يعانون ما يسمونه "عقدة النقص" تجاه الغرب وحضارته وفكره، ويعتبرون الغرب إماما يجب أن يتبع،
ومثالا يجب أن يحتذى، وما كان من أفكارنا وقيمنا وتقاليدنا ونظمنا مخالفا للغرب، اعتبروا ذلك عيبا في حضارتنا،
ونقصا في شريعتنا، ما عليه الغرب إذن هو الصواب، وما يخالفه هو الخطأ!

7. الجمود على الفتاوى القديمة دون مراعاة الأحوال المتغيرة

ومن مزالق الفتوى: الجمود على ما سطر في كتب الفقه، أو كتب الفتاوى منذ عدة قرون، والإفتاء بها لكل سائل دون
مراعاة لظروف الزمان والمكان والعرف والحال، مع أن هذه كلها تتغير وتتطور، ولا تبقى جامدة ثابتة أبد الدهر.
وهذا من أهم الملاحظات التي يغفل عنها الكثيرون، مع أن المحققين من علمائنا رحمهم الله ـ نبهوا عليها، وأكدوا أهميتها.




ولعل أبرزهم في هذا المجال هو الإمام المحقق ابن القيم الجوزية، الذي أفرد لذلك فصلا ممتعا في كتابه الفريد "إعلام الموقعين عن رب العالمين"
ويقصد بالموقعين عن رب العالمين، أهل الفتوى، لأنهم إذا قصدوا لبيان حكم شرعي في قضية، فكأنهم يوقعون
عن الله تعالى في شأنها، كالموكل بالتوقيع نيابة عن الأمير أو السلطان.
وقد أصبحت كلمات ابن القيم في مطلع هذا الفصل من كتابه، منارا يهتدي به السائرون، ونوه بها المصلحون المعاصرون،
وكل من حاول الإسهام في تجديد الفقه الإسلامي، وإحياء العمل بالشريعة الإسلامية.

يقول العلامة ابن القيم:

"هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة
التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها،
ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة،
وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه،
وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها".
ابو تميـــــم

من أخلاق المستفتين

ما الأخلاق التي يجب على المستفتين أن يتخلقوا بها حيث إن كثيرا من المفتين يتحايلون
كي يحصلوا على الفتوى التي يريدونها بصرف النظر
عن قوة الدليل أو ضعفه فهل هذا يعفيهم من المسؤلية أمام الله تعالى؟


يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:

هذا التحايل أو البحث عن المفتي الذي يتساهل فيحلل الحرام أو إخفاء بعض الحقائق عن المفتى حتى تخرج الفتوى حسب هوى المستفتي
هذا كله لايجوز بحال ويتحمل المستفتي الوزر كاملا لأن المستفتي الذي يريد أن يعرف الحق لابد
وأن يتحلى بجملة آداب يذكر لنا فضيلة الشيخ الأستاذ القرضاوي بعضها فيقول :
إذا كان على المفتي واجبات يجب أن يقوم بها، وآداب يحسن أن يراعيها،
فإن على المستفتي مثل ذلك أيضا ، ومن هذه الواجبات

أولا :السؤال عما ينفع

وأول ما يجب عليه أن يحسن السؤال، فحسن السؤال نصف العلم، كما هو مأثور، وتطبيقا لهذا المعنى يجب أن يكون سؤاله عما ينفع،
أي يسأل في واقعة يعانيها هو أو غيره ويريد الحكم فيها، ولا يسأل فيما هو مفترض بعيد الوقوع.
فهذا من: "أغاليط المسائل" التي جاء الحديث بالنهي عنها (رواه أبو داود).

وقد سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة لا ثمرة لها، فغضب لذلك غضبا شديدا،
كسؤال عبدالله بن حذافة له: من أبي؟ لأن مثل هذا السؤال لا نفع له قط، لأنه إن كان له أب غير الذي ينسب إليه بين الناس،
لم يكسب من ذلك إلا أن يفضح أمه، ويزري نفسه.

وقد عاقب عمر رجلا جعل كل همه أن يسأل عن المتشابهات، التي لا يتعلق بها حكم عملي، وقد يثير الجري وراءها مراء
وجدلا لا طائل تحته، إلا إضاعة الأوقات، وبلبلة الأفكار، وإيغار الصدور.

ولما سئل الإمام مالك عن معنى "الاستواء" في قوله تعالى (استوى على العرش) غضب
وقال للسائل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة!
وقد روي في التفسير أن بعض المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا،
ثم ينقص حتى يصير كما كان، فأنزل الله قوله: (يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج)
فعدل عن الجواب عن عين سؤالهم إلى الجواب عن منافع الأهلة في الدين والحياة،
فهذا ما يقدرون على فهمه في ذلك الوقت، وهو كذلك أجدى عليهم وأنفع لهم.

وسائر الأسئلة التي سجلها القرآن للمسلمين في عصر النبوة كانت أسئلة واقعية تتصل بصميم حياتهم، لا بأخيلة وافتراضات وأغلوطات
يدفع إليها حب التسلية وتزجية الفراغ، أو التعالم الأجوف، أو التعنت وتعجيز الغير،
أو نحو ذلك من البواعث الرخيصة التي لا وزن لها في دين ولا أخلاق.

ومن أسئلتهم التي خلدها القرآن (يسألونك عن الخمر والميسر) (يسألونك ماذا ينفقون)
(يسألونك عن اليتامى) (يسألونك عن المحيض) (يسألونك ماذا أحل لهم) الخ.

وقد ظل المسلمون في عصور ازدهارهم يسألون عما يفيدهم في دينهم ومعاشهم ومعادهم، وإذا جمح بأحدهم جواد خياله رده علماؤهم إلى جادة الصواب،
وأفهموه أن الإسلام يريد المسلم إيجابيا منتجا، يعرض عن اللغو، ويشغل نفسه ووقته بالنافع من القول والعمل والفكر.
ولما تخلف المسلمون ـ حضاريا وفكريا ـ أكثروا من الأسئلة التي لا يصلح بها دين، ولا ترتقي بها دنيا،
ولا يزكو عليها فرد، ولا تنهض بها جماعة، وشغل عوام المسلمين بمسائل وتفصيلات لم تخطر ببال أحد من سلف الأمة.

وكان للمتأخرين من علمائهم المقلدين دور كبير في إذكاء هذه الروح، ودعم هذا الاتجاه، لأنهم ضيعوا اللباب، وشغلوا بالقشور،
وشغلوا الناس معهم بها، حتى أن تدريس الوضوء والطهارة ليستغرق دروس شهر كامل كشهر رمضان.

ثانيا : استفتاء القلب

وعلى المستفتي أن يتقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنه غير جائز شرعا،
وإنما لبس على المفتي، وغره بزخرف القول، أو بإخفاء عنصر له تأثير في تكييف القضية المسئول عنها، فيجيب المفتي بما يظهر له،
غير متفطن إلى خبايا الموضوع وخلفياته. ولو عرضت عليه القضية بوضوح، لا تلبيس فيه ولا تمويه، وظهر له من خباياها ما أخفى عنه، لغير فتواه.

فلا يخدعن المستفتي نفسه، ويحلل لها ما يوقن ـ بينه وبين نفسه ـ أنه حرام، لمجرد أنه
حصل في يديه فتوى من هذا الشيخ أو ذاك، هي ـ في واقع الأمر ـ في غير موضوعه، أو في غير حالته.

والمفتي هنا كالقاضي الذي يحكم بحسب الظاهر، تاركا إلى الله أمر الخفايا والسرائر، وقضاؤه بحسب الظاهر، لا يجعل الحرام في الباطن حلالا،
قال تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).

وفي الحديث الصحيح: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع،
فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار".
وإذا كان هذا في قضاء الرسول المصطفى بحسب ما يظهر له، فكيف بقضاء غيره؟!

ولا خلاف أن المفتي في هذا الأمر كالقاضي ولا فرق.
وكل فتوى تحوك في صدر المستفتي، ولا تطمئن إليها نفسه، ولا يستريح إليها ضميره، لسبب من الأسباب المعتبرة، يجب أن يتوقف عن العمل بها،
حتى تتضح له الرؤية، ويصل إلى مرحلة الاطمئنان النفسي، بأن يسأل أكثر من مفت، أو يعاود المفتي الأول مرة بعد أخرى،
حتى يزول التردد بالتثبت، وينقطع الشك باليقين، ما وجد إلى ذلك سبيل. فالقلب ـ أو الضمير بتعبير عصرنا ـ
هو المفتي الأول في هذه الأحوال، كما في الحديث المعروف.

يقول العلامة ابن القيم: "لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي، إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله،
وتردد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك".
فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي بذلك.

ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره،
لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله فيه، أو لعلمه جهل المفتي، أو محاباته في فتواه، أو عدم تقييده بالكتاب والسنة،
أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها.
فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي، يسأل ثانيا وثالثا حتى تحصل له الطمأنينة،
فإن لم يجد، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.

ثالثا :تبين الفتوى بكل قيودها

وعلى المستفتي بعد ذلك أن يتفحص فتوى مفتيه تمام التفحص، ويتبين ما فيها من قيود وشروط تمام التبين، ثم يطبق ذلك على نفسه وحاله.
فلا يخطف الجواب خطفا، قبل أن يتأمل أوائله وأواخره، وما يحمل في طيه من قيود أو أوصاف قد لا تنطبق على قضيته عند التطبيق،
وقد يجيب المفتي بكلام عام، ثم ينبه في أثناء فتواه أو على آخرها على قيد أو شرط، أو يستدرك كلامه الأول، فيقيد مطلقه،
أو يخصص عمومه، أو يفصل مجمله.

فلابد للمستفتي أن يراعي هذا كله، ولا يأخذ ببعض الجواب دون بعض،
إذا أراد أن يتخلص من التبعة، ويلقى الله تعالى سليما من الإثم.

رابعا: طلب العلم

ثم إن على المسلم أن يتفقه في دينه، ويتعلم من أحكامه ما ينفعه، وما يسير به في طريق سوي،
حتى لا تختلط عليه الأمور، ويلتبس عليه الحق بالباطل والحلال بالحرام.
ولهذا جاء في الحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" والمراد: كل إنسان مسلم، ذكرا كان أو أنثى،
فالمسلمة كالمسلم في طلب العلم بالإجماع، وإن لم يرد في الحديث بلفظ "مسلمة".
إذا لم يتعلم المسلم، تكون النتيجة أنه يسير في طريق، ولكن غير الطريق السليم، يبتدع في الدين ما ليس منه، ويعبد الله على غير ما شرع،
والله تعالى لا يريد من عباده أن يبتدعوا، لأن الله تعالى هو الشارع، وليس لهم أن يشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".

إذا لم يتعلم الإنسان دينه، فقد يحلل الحرام، ويحرم الحلال. يحرم على نفسه ما لم يحرم الله، ويبيح لنفسه أو لغيره ما حرمه الله.
قد يرد الصحيح ويقبل الباطل، ويصوب الخطأ، ويخطئ الصواب، وقد رأيت هذا كثيرا وعانيته، فمن الناس من يرد حديثا ورد في البخاري
بحديث لا أصل له، بعضهم رد الحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهو ثابت في صحيح البخاري،
من أجل حديث "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء" يعني عائشة، وهذا الحديث باطل كما حقق العلماء.

وهذا إنما جاء من الجهل بالدين، فلابد أن يتعلم الإنسان دينه، فإذا تعلم دينه استطاع أن يسير على هدى،
ويمضي على بينة من ربه، ولكن، من أين يعرف المسلم أحكام دينه وتعاليمه؟ والله أعلم
ابو تميـــــم

ما معنى أن الفتوى تتغير بتغير
الحال والزمان والمكان؟



يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:

ينبغي علينا ضرورة الاعتراف بالتغير الذي يطرأ على الناس سواء أكان سببه فساد الزمان كما يعبر الفقهاء، أو تطور المجتمع، أو نزول ضرورات به،
ومن ثم أجاز فقهاء الشريعة تغيير الفتوى بتغير الأزمان والأمكنة والأعراف والأحوال، مستدلين في ذلك بهدي الصحابة وعمل الخلفاء الراشدين الذين
أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نهتدي بسنتهم ونعض عليها بالنواجذ. بل هو ما دلت عليه السنة النبوية، وقبلها القرآن الكريم.

وهذا ما يوجب علينا في هذا العصر أن نعيد النظر في أقوال قيلت، وآراء اتخذت في أعصار سابقة، ربما كانت ملائمة لتلك الأزمنة وتلك الأوضاع،
ولكنها لم تعد ملائمة لهذا العصر بما فيه من مستجدات هائلة، لم تكن لتخطر للسابقين على بال. والقول بها اليوم يسيء إلى الإسلام وإلى أمته، ويشوه وجه دعوته.

من ذلك: تقسيم العالم إلى دار إسلام، ودار حرب، واعتبار أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب،
وأن الجهاد فرض كفاية على الأمة إلى آخر تلك الأقوال.
والواقع أن هذه الأقوال لم تعد تصلح لزماننا، ولا يوجد من نصوص الإسلام المحكمة ما يؤيدها، بل في هذه النصوص ما يناقضها.
فالإسلام ينشد التعارف بين البشر جميعا: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
ويعتبر السلام والكف عن الحرب نعمة. ولقد عقب على غزوة الخندق بقوله:
(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال).
ويعتبر صلح الحديبية فتحًا مبينًا يمتن به على رسوله، وينزل فيه سورة الفتح: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا).
ويمتن على رسوله وعلى المؤمنين في هذه السورة أنه كف أيدي الفريقين بعضهما عن بعض، فيقول سبحانه:
(وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم).

والرسول صلى الله عليه وسلم ينفر من كلمة "حرب" حتى إنه يقول: "أصدق الأسماء حارث وهمام، وأقبح الأسماء حرب ومرة".
والجهاد الذي شرعه الإسلام في الأزمان الماضية، كان له هدف واضح، وهو إزالة العوائق المادية من طريق الدعوة. وقد كان الأباطرة
والملوك في تلك الأزمنة يقفون حائلا دون وصول دعوة الإسلام إلى شعوبهم، ولهذا بعث الرسول إليهم برسائله يدعوهم فيها إلى الإسلام،
ويحملهم إثم ضلال أممهم، التي عزلوها عن الاستماع إلى أي صوت خارجي، خشية أن يوقظهم من سباتهم، ويشعرهم بذاتيتهم،
فيهبوا من رقدتهم، ويتمردوا على طواغيتهم. ولهذا نجدهم قتلوا الدعاة حينا، أو بادروا المسلمين بالقتال حينا،
أو أعدوا العدة لغزوهم وهددوهم في عقر دارهم.

أما اليوم، فلا عوائق أمام الدعوة، وخصوصا في البلاد المفتوحة التي تقبل التعددية، ويستطيع المسلمون أن يبلغوا دعوتهم بالكلمة المقروءة،
والكلمة المسموعة، والكلمة المشاهدة. ويستطيعون بالإذاعات الموجهة أن يبلغوا العالم كله بلغاته المختلفة،
وأن يتكلموا مع كل قوم بلسانهم ليبينوا لهم.

ولكنهم في الواقع مقصرون كل التقصير، وهم مسؤولون أمام الله تعالى عن جهل أمم الأرض بالإسلام.
ومن مزالق الفتوى: الجمود على ما سطر في كتب الفقه، أو كتب الفتاوى منذ عدة قرون، والإفتاء بها لكل سائل دون مراعاة لظروف
الزمان والمكان والعرف والحال، مع أن هذه كلها تتغير وتتطور، ولا تبقى جامدة ثابتة أبد الدهر.

من ذلك ما يذكره بعض أهل الفتوى مما نصت عليه كتب الفقه: أن حليق اللحية لا تقبل شهادته.
ومهما يكن رأينا في حلق اللحية وتأثيم فاعلها ـ وهو أمر اختلف فيه المعاصرون ـ فنحن لا نستطيع رد شهادة الحليق،
لعموم البلوى به، وعموم البلوى من أسباب التخفيف والرخص كما هو معلوم.
ولو أخذنا بالرأي المدون في الكتب لأوشكنا أن نعطل المحاكم في أداء وظيفتها
في الفصل في الخصومات والقضاء بين الناس والعدل.

وأكثر من ذلك ما ذكره الفقهاء من أن الأكل في الطريق يسقط المروءة، وبالتالي يسقط الشهادة.
ولا يخفى أن عصرنا يعرف بأنه "عصر السرعة" وهي سرعة في كل جانب، حتى في الأكل، ولهذا يسمونه: عصر "الساندوتش"
ولهذا نرى كثيرًا من الناس يأكلون في الشوارع، وأمام المحلات، ونحوها، ولم يعد هذا السلوك منافيًا للمروءة لدى جمهور الناس كما كان من قبل.

ومن ذلك ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في مختلف المذاهب المتبوعة من منع المرأة من الذهاب إلى المسجد للصلاة
وبخاصة الشابة، سدًا للذريعة، وخوفًا من الفتنة: أي خشية أن نفتن أو تفتن.
فمثل هذا إذا كان له ما يبرره في العصور الماضية لم يعد له ما يبرره اليوم،

فقد خرجت المرأة بالفعل إلى المدرسة، وإلى الجامعة وإلى العمل وإلى السوق وإلى غيرها، فلا يجوز أن يبقى المسجد وحده
هو المكان المحظور عليها، في حين أن الحديث الصحيح يقول "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" رواه مسلم.
ولا سيما أن المرأة لا تستفيد من المسجد الصلاة فقط، بل تستفيد معها حضور المواعظ والدروس الدينية،
وتتعرف على غيرها من صالحات النساء، فيتعارفن على الخير ويتعاون على البر والتقوى.
والواقع أن كل نساء الملل والأديان في الشرق والغرب يذهبن إلى معابدهن ما عدا المرأة المسلمة.
وقد لمست بالتجربة أن ذهاب المرأة إلى المسجد لصلاة التراويح والجمعة ونحوها،
يؤثر في نفسيتها واتجاهها، ويحفزها إلى خير كثير.

ومما يذكر هنا ما نرى بعض أهل الفتوى يصرون عليه إلى اليوم وهو ما يتعلق بثبوت الهلال برؤية العين المجردة،
والإعراض عن استخدام المراصد والأجهزة الحديثة، وإهمال ما يقطع به علماء الفلك الثقات الذين يجمعون على عدم إمكان رؤية الهلال
في ليلة معينة، لعدم ولادته فلكيا في أي مكان في العالم شرقه أو غربه، هذا مع تقدم علم الفلك
في عصرنا تقدما مذهلا، تم على أساس الصعود إلى القمر.
وقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، بل جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ما يشهد برعاية هذا الأصل.
روى ابن أبي شيبة يسنده: أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا،
إلى النار! فلما ذهب قال له جلساؤه: ما هكذا كنت تفتينا، فما بال هذا اليوم؟ قال:
إني أحسبه مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا، فبعثوا في أثره، فوجدوه كذلك".

رأى حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما ـ في عيني هذا الرجل الحقد والغضب، والتوثب للقتل، وإنما يريد الفتوى تفتح له باب التوبة
بعد أن يرتكب جريمته، فقمعه وسد عليه الطريق، حتى لا يتورط في هذه الكبيرة الموبقة،
ولو رأى في عينيه صورة امرئ نادم على ما فعل، لفتح له باب الأمل.

وقد روى سعيد بن منصور عن سفيان قال: كان أهل العلم إذا سئلوا عن القاتل
قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلى رجل (أي قتل بالفعل) قالوا له: تب.

وفي المعنى ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم،
فرخص له، وأتاه آخر فسأله، فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب".
وأشهر من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة،
وذلك لاختلاف أحوال السائلين.
فهو يجيب كل واحد بما يناسب حاله، ويعالج قصوره أو تقصيره،
فقد وجدنا من يسأله عن وصية جامعة، فيقول له: لا تغضب، وآخر يقول له: قل: آمنت بالله، ثم استقم.
وآخر يقول له: كف عليك لسانك.
وهكذا يعطي كل إنسان من الدواء ما يرى أنه أشفى لمرضه، وأصلح لأمره، فهذا ـ
وما سبق ـ أصل في تغير الجواب أن الفتوى بتغير أحوال السائلين.

ولهذا يجب أن يلاحظ المفتي في فتواه الظروف الشخصية للمستفتي ـ نفسية واجتماعية ـ والظروف العامة للعصر والبيئة.

فرب فتوى تصلح لعصر ولا تصلح لآخر، وتصلح لبيئة ولا تصلح لأخرى،
وتصلح لشخص ولا تصلح لغيره، وقد تصلح لشخص في حال، ولا تصلح له نفسه في حال أخرى.
ابو تميـــــم

ثقافة الموقعين عن رب العالمين


ما الصفات والثقافات التي يجب على من يتصدى للفتوى أن يتعرض لها ؟

يقول الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي:

إن المفتي أو الفقيه الذي يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم بل يوقع عن الله جل شأنه، جدير بأن يكون على قدر كبير من العلم بالإسلام،
والإحاطة بأدلة الأحكام، والدراية بعلوم العربية، مع البصيرة والمعرفة بالحياة وبالناس أيضا بالإضافة إلى ملكة الفقه والاستنباط.
لا يجوز أن يفتي الناس في دينهم من ليس له صلة وثيقة وخبرة عميقة بمصدريه الأساسيين: الكتاب والسنة.
ولا يجوز أن يفتي الناس من لم تكن له ملكة في فهم لغة العرب وتذوقها، ومعرفة علومها وآدابها حتى يقدر على فهم القرآن والحديث.
ولا يجوز أن يفتي الناس من لم يتمرس بأقوال الفقهاء، ليعرف منها مدارك الأحكام، وطرائق الاستنباط،
ويعرف منها كذلك مواضع الإجماع ومواقع الخلاف.
ولا يجوز أن يفتي الناس من لم يتمرس بعلم أحوال الفقه، ومعرفة القياس والعلة، ومتى يستعمل القياس،
ومتى لا يجوز. كما لا يجوز أن يفتي من لم يعايش الفقهاء في كتبهم وأقوالهم، ويطلع على اختلافهم، وتعدد مداركهم،
وتنوع مشاربهم، ولهذا قالوا: من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه!

ولا يجوز أن يفتي الناس من يعيش في صومعة حسية أو معنوية، لا يعي واقع الناس، ولا يحس بمشكلاتهم.
يروي الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقه" عن الإمام الشافعي قوله:

"لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه،
وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيم أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرا
بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن،
ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر، وبما يحتاج إليه العلم والقرآن، ويستعمل ـ مع هذا ـ الإنصات وقلة الكلام،
ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأفكار، وتكون له قريحة (أي ملكة وموهبة) بعد هذا فإن كان هكذا فله
أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي".

وسئل الإمام أحمد: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث، وليس بعالم بالفتيا؟
قال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا، أن يكون عارفا بالسنن، عالما بوجوه الكتاب، عالما بالأسانيد الصحيحة،
وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها.
ولم يكتف الإمام أحمد بمعرفة المفتي للسنن، فاشترط له المعرفة بأقوال الفقهاء والمجتهدين،
قال: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي،
وقال أيضا: أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس.

وسأله بعضهم: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا قال: فمائتي ألف؟
قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا وحركها.
وقد خفف علماء الأصول بعد ذلك ـ نزولا على الأمر الواقع في أزمانهم وقالوا: المهم أن يعرف من الأحاديث ما يتعلق بالأحكام،
ولا يلزم حفظها عن ظهر قلبه،
كفي أن يكون ممارسا لها، عارفا بمظانها متونا وشروحا، خبيرا بنقدها، تعديلا وتجريحا،
قادرا على مراجعتها عند الحاجة إلى الفتوى، ومهما قدر على الحفظ فهو أحسن وأكمل.

على أن الحفظ وحده لا يجعل الحافظ فقيها، ما لم تكن لديه المقدرة على تمييز المقبول والمردود، والصحيح والمعلول،
وكذلك على الاستنباط والترجيح، أو التوفيق بين النصوص بعضها وبعض، وبينها وبين المقاصد الشرعية والقواعد الكلية.
قيل للإمام عبدالله بن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالما بالأثر، بصيرا بالرأي.
وبهذا لا يكفي الأثر دون الرأي، ولا الرأي دون الأثر. ولابد للمفتي من ثقافة عامة، تصله بالحياة والكون، وتطلعه على سير التاريخ،
وسنن الله في الاجتماع الإنساني، حتى لا يعيش في الحياة هو بعيد عنها، جاهل بأوضاعها.
يقول الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" "اعلم أن العلوم كلها أبازير للفقه،
وليس دون الفقه علم إلا وصاحبه يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفقيه، لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء
من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والخلاف والضد، والنفع والضر، وأمور الناس الجارية بينهم، والعادات المعروفة
منهم، فمن شرط المفتي النظر في جميع ما ذكرناه، ولن يدرك ذلك إلا بملاقاة الرجال، والاجتماع مع أهل النحل والمقالات المختلفة،
ومساءلتهم وكثرة المذاكرة لهم، وجمع الكتب ومدارستها، ودوام مطالعتها".
ولا يريد الخطيب من المفتي أو الفقيه أن يجمع الكتب في خزائنه من هنا وهناك
دون أن يعيها، وتفهم ما فيها، فهذا كمثل الحمار يحمل أسفارا.

ونقل عن بعض الحكماء أنه قيل له: إن فلانا جمع كتبا كثيرة،
فقال: هل فهمه على قدر كتبه؟ قيل: لا. قال: فما صنع شيئا! ما تصنع البهيمة بالعلم؟!
وقال رجل لرجل كتب، ولا يعلم شيئا مما كتب: مالك من كتبك إلا فضل تعبك وطول أرقك، وتسويد ورقك!
إن من أسوأ الأشياء خطرا على المفتي أن يعيش في الكتب، وينفصل عن الواقع،
ولهذا أحسن الخطيب رضي الله عنه حين طلب إلى المفتي أن يعرف الجد والهزل،
والنفع والضر في أمور الحياة.
ابو تميـــــم
ومما قاله الإمام أحمد:

لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:

الأولــى : أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية، لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.
والثانية : أن يكون له حلم ووقار وسكينة.
والثالثة : أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته.
والرابعة : الكفاية (أي من العيش) وإلا مضغه الناس.
والخامسة : معرفة الناس.


إن المفتي البصير يجب أن يكون واعيا للواقع، غير غافل عنه، حتى يربط فتواه بحياة الناس، فهو لا يكتب نظريات،
ولا يلقي فتواه في فراغ، ومراعاة الواقع تجعل المفتي يراعي أمورا معينة، ويضع قيودا خاصة، وينبه على اعتبارات مهمة.

وأستطيع أن أذكر هنا مثلا لفتوى صدرت من الإمام الشهيد حسن البنا حول (تحديد النسل) ذكر فيها النصوص الشرعية
التي رغبت في كثرة النسل، والنصوص التي رخصت في العزل، ثم قال:
"إذا تقرر هذا، ولاحظنا معه أن الإسلام لم يغفل ناحية القوة في الأبناء، والصحة في الإنتاج، بل أوصى بذلك، ونبه إليه،
فعن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "لا تقتلوا أولادكم سرا، فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة عن فرسه". أخرجه أبو داود.

والغيل أن يقرب الرجل امرأته وهي ترضع، فتضعف لذلك قوى الرضيع، فإذا بلغ مبلغ الرجال ظهر فيه
أثر هذا الضعف؛ نقول إذا تقررهذا علمنا أن الإسلام مع وصيته بالإكثار من النسل وإرشاده
إلى أسباب القوة فيه، قد يجعل رخصة تستخدم إذا توافرت الأسباب والدواعي التي تدعو إليها.

وعلينا إذا أردنا أن نستخدم هذه الرخصة أن نسأل أنفسنا الأسئلة الآتية:

1. أليست هناك أسباب تدعو إلى الإكثار من النسل لا إلى تحديده؟
2. هل ثبت بأدلة قوية، وقرائن صادقة أن هناك من الأسباب ما يدعو إلى التحديد، وهل تأكدنا أن كثرة النسل هي السبب في الضائقة الاجتماعية؟
3. هل يمكن استخدام علاج اجتماعي آخر؟
4ـ للتحديد أضرار خطيرة؟ هل وثقنا من أنه سوف لا تنجم عن هذا
5. هل اتخذت الاحتياطات الكافية لمنع هذه الأضرار؟
6. ما الوسائل التي ستتخذ، وهل يبيحها الإسلام؟
7. هل وثقنا من أن هذه الرخصة ستستخدم بالقدر الضروري فقط، وأنه سيستخدمها الذين يراد منهم استخدامها،
وأن العود إلى القاعدة الكلية ـ وهي ترك التحديد ـ سيكون ممكنا إذا ما دعت الحاجة إليه؟
8. وأخيرا، هل الأفضل من ذلك أن يعالج بصورة عامة أو بصورة فردية خاصة؟
9. أليس من الجائز أن تسفر هذه التجربة عن عجز عن معالجة الأضرار المزعومة،
كوفيات الأطفال مثلا فتظل هذه الدواعي كما هي، ويضاف إليها الأضرار التي ستنجم عن التحديد؟
10. وملاحظة أخرى قد تكون بعيدة عن تفكيرنا المحدود بالواقع والبيئة الخاصة وإن كانت صحيحة في ذاتها:
هي أن الإسلام لا يتقيد بهذا التقسيم السياسي في الوطن الإسلامي العام، فهو: عقيدة ووطن وجنسية،
وأرض المسلمين في نظره وطن واحد، فالزيادة في جزء منه قد تسد نقصا في جزء آخر.


وعلى ضوء البيانات التي سمعتها في هذه الدار الكريمة من حضرات الباحثين الفضلاء أستطيع أن أستخلص النتيجة التالية:

إن نجاح التشريع غير مضمون في القرى بتاتا فإن أولاد الفلاح هم رأس ماله وثروته، والفلاحون في أشد الحاجة إلى الإكثار من الذرية.
وإن المشاهد أن الطبقة التي تستخدم التحديد هي الطبقة المتعلمة التي ينتظر منها الإكثار،
وذلك ضار بالأمة، فإن القادرين على التربية هم الذين يفرون من كثرة الأبناء، ولهذا نحن في الواقع نخشى إن استمر
هذا الحال أن نجد أنفسنا في المستقبل أمام مشكلة هي كيف نكثر من النسل لخدمة الوطن المحتاج إلى كثرة الأبناء.
ومعنى هذا أن استخدام رخصة التحديد التي أباحها الإسلام لظروفها لا تجوز بصورة عامة ولا يصح أن
تحمل عليها الأمة بل تستخدم بصورة خاصة فردية بحتة مع الذين تتوفر عندهم دواعيها فقط.
إن هناك من ظروف الأمة الخاصة في نهضتها الجديدة ما يدعو إلى تكثير النسل،
فأمامنا الجيش، وأمامنا الأرض البور وغير ذلك.

والآن أسباب الأضرار المشكو منها اقتصاديا، وصحيا، واجتماعيا لا ترجع إلى كثرة النسل بل إلى ارتفاع
مستوى المعيشة من جهة وجهل الأمهات من جهة أخرى، والمزاحمة من جهة ثالثة،
وأسباب أخرى نعجز عن حصرها، وسردها.

وذلك ما استبان لي وفوق كل ذي علم عليم0
وهكذا ينبغي أن تكون الفتوى: يزدوج فيها فقه الدين وفقه الحياة.
وبدون معرفة الناس ومعايشتهم في واقع حياتهم ومشكلات عيشهم، يقع المفتي في متاهات، أو يهوم في خيالات،
ويظل في واد والناس في واد، فهو لا يعرف إلا ما يجب أن يكون، دون ما هو كائن، مع أن الواجب شيء، والواقع شيء آخر.

يقول ابن القيم: الفقيه من يطبق بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.

ذكر هذا في معرض جواز استفتاء مستور الحال، بل الفاسق إذا لم يكن معلنا بفسقه، داعيا إلى بدعته.
قال: وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض، فلو منعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم،
لعطلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح.
ابو تميـــــم

خطوات نموذجية في عرض الفتوى

لقد ذكر الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي

الخطوات التي يجب على المفتي أن يتبعها من أجل أن تكون فتواه نافعة للمستفتي ومقنعة له فقال :

[1] أن الفتوى لا معنى لها إذا لم يذكر معها دليلها، بل جمال الفتوى وروحها الدليل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية،
وقد يحوج الأمر إلى مناقشة أدلة المخالفين عند اللزوم في المسائل الهامة ليسلم ذهن السائل من تشويش المعارضات.

[2] ثم إن ذكر الحكمة والعلة أمر لا يستغنى عنه، وخصوصا في عصرنا، كما بينا ذلك من قبل، وإلقاء الفتوى ساذجة
مجردة من حكمة التشريع، وسر التحليل والتحريم يجعلها جافة، غير مستساغة لدى كثير من العقول،
بخلاف ما إذا عرف سرها وعلة حكمها، وقد قيل: إذا عرف السبب بطل العجب.

[3] ومما أجده نافعا في أحوال كثيرة: المقارنة أو الموازنة بين موقف الإسلام في القضية المسئول عنها،
وموقف غيره من الأديان أو المذاهب والفلسفات، فقديما قال الشاعر : والضد يظهر حسنه الضد
وقال آخر: وبضدها تتميز الأشــياء والذي أؤكده وأنا منشرح الصدر، مطمئن القلب:
أن الذي يدرس الإسلام دراسة عميقة، ثم يدرس غيره من الأديان السماوية المنسوخة، أو الفلسفات الأرضية الممسوخة،
يتبين له أن الإسلام لا يمكن إلا أن يكون منهج الله الخالد، ونظامه الكامل، فلا وجه للمقارنة بين وبين مناهج البشر وأنظمتهم،
التي ينضح عليها قصورهم وأهواؤهم ونزعاتهم ونقصهم الذاتي.
وأين ما يصنع الإنسان مما يخلق الله؟
ألم تر أن السيف يزري بقدره إذا قيل: هذا السيف أمضى من العصا؟!

[4] ومما ينبغي للمفتي كذلك: التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولا لدى السائلين وقد ذكر ابن القيم
أن الحكم إذا كان مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنا به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه.
وهذه هي سنة الله تعالى في كتابه العزيز، ولهذا نقرأ فيه قصة مريم في سورة آل عمران،
وكيف كان رزقها يأتيها في غير وقته، وغير إبانه، حتى عجب زكريا وقال: (يا مريم أنى لك هذا؟
قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب)، وكان هذا تمهيدا لقصة زكريا وزوجه،
وكيف رزقهما الله يحيى، وهو شيخ كبير وامرأته عاقر.

[5] ومن الفتاوى ما يحرم على المستفتي أمرا كان يظن إباحته، أو يريده ويتمناه لحاجة إليه، أو تعلقه به،
فينبغي هنا أن يدله على البديل الحلال، ما دمنا قد سددنا في وجهه طريق الحرام،
وما من شيء حرمه الله إلا وفيما أحله ما يغني عنه.

فمن سألنا عن إيداع المال في المصارف (البنوك) بالفوائد الربوية منعناه منها حتى لا يأذن بحرب من الله ورسوله،
ودللناه على المضاربة المشروعة، وهي أن يشترك اثنان أو جماعة في تجارة أو صناعة، بعضهم بالمال،
وبعضهم بالخبرة والجهد، ويتقاسمون الربح أو الخسارة على حسب ما يتفقون وهو ما تقوم به الآن المصارف الإسلامية.

ومن سأل عن الاستخارة بفتح الكتاب، أو الخط على الرمل، أو نحو ذلك، بينا له حرمته،
ودللناه على الاستخارة الشرعية، وهي صلاة ركعتين، يعقبها بالدعاء المأثور المعروف.

ومن سأل عن صيام يوم الجمعة بينا له كراهة إفراده، ودللناه على استحباب صوم
يومي الاثنين والخميس، أو الثلاثة أيام البيض من كل شهر.

ومن سأل عن صرف الزكاة في بناء مسجد في بلاد عامرة بالمساجد، بينا له الحكم ودللناه على مصارف
أهم منه للأمة مثل: نشر الدعوة الإسلامية، والوعي الإسلامي ومقاومة المخططات الصليبية واليهودية والشيوعية لطرد الإسلام من الحياة،
فهذا هو مصرف "في سبيل الله" في عصرنا كما بينت ذلك في كتابي "فقه الزكاة".

وهكذا حين نحرم شيئا أو نمنع من شيء، ندل على بديل مثله أو خير منه.
وما حرم الله شيئا يضطر الناس إليه، أو يحتاجون إليه حاجة حقيقية، بل لو اضطروا إلى الحرام لعاد حلالا، فإنما أحل الله الطيبات وحرم الخبائث.
ولهذا لا يوجد حرام ممنوع، إلا وله في الواقع بديل مباح بيقين.

[6] ومما يحتاج إليه المفتي كثيرا ربط الحكم المسئول عنه بغيره من أحكام الإسلام، حتى تتضح عدالته، وتتبين روعته،
فإن أخذ الحكم منفصلا عن غيره قد لا يعطي الصورة المضيئة لعدل الإسلام، ومحاسن شرعه.

أذكر من أمثلة ذلك: إعطاء البنت نصف نصيب أخيها الذكر من ميراث أبيها، فمن أخذ هذا الحكم وحده،
ربما ظن في ذلك إجحافا بالبنت لأول وهلة، ولكن إذا نظر نظرة شاملة للأعباء العائلية، والالتزامات المالية المنوطة
بكل من الابن والبنت، رأى في هذا التشريع العدل كل العدل، لأن العدل ليس هو المساواة دائما،
بل هو التكافؤ بين الحقوق والواجبات.

ومثل ذلك: قطع يد السارق، فربما نظر ناظر إلى هذه العقوبة مجردة، فاعتبرها جد قاسية،
ولكن إذا علم أن الإسلام يضمن لأبنائه العيش الكريم، والكفاية التامة أولا، لهذا فرض التكافل الاجتماعي من الزكاة وغيرها من موارد بيت المال،
وعلم أن العلم في الإسلام فريضة، وحسن التربية واجب، وأن السارق لا تقطع يده إلا بشروط وقيود كثيرة منها:
أن تنتفي كل شبهة في ثبوت الجريمة، وإلا فإن الحدود تدرأ بالشبهات، ومن الشبهات أن يسرق في أيام المجاعة،
أو يسرق بدافع الحاجة، أو يسرق من مال له فيه شبهة ملك، أو غير ذلك مما يدرأ عنه العقوبة.

على أن الشفاعة في الحدود ممكنة ما لم تصل إلى القضاء، ودرؤها ممكن ولو بعد الوصول إلى القضاء، إذا بدت على السارق دلائل التوبة،
كما دلت على ذلك نصوص ثابتة، وهو ما اختاره الشيخان: ابن تيمية وابن القيم، وهو ما أرجحه أيضا.
ومهما يكن في هذه العقوبة من شدة، فإن أشد منها ترويع السارق لأمن المجتمع كله،
وقسوته على ضحاياه إلى حد قتل البرآء في عقر دارهم.
من نظر هذه النظرة الشاملة آمن بأن شرع الله هو الدواء الناجع والعقاب العادل (نكالا من الله، والله عزيز حكيم).

[7] وقد يحتاج المفتي في بعض الأحيان إلى ترك الإجابة عن سؤال السائل، لعدم أهميته،
مثل سؤال بعضهم عن القرآن: أهو مخلوق أم غير مخلوق؟
فهذا سؤال لا وزن له في هذا العصر، ولا حاجة إلى إثارته، وقد مضى زمن أصاب المسلمين من ورائه شر مستطير،
ومحنة عظيمة أوذي فيها علماء المسلمين وخيارهم وعلى رأسهم إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
فإحياء هذه المشكلة التاريخية لا معنى له، ولا جدوى منه، إلا إهدار الطاقات الفكرية للأمة في جدل بيزنطي كما يقولون.
فكان الأولى بالسائل عن هذا أن يسأل عن وجه إعجاز القرآن ـ مثلا ـ ليقنع غير المسلمين بأنه من عند الله، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
أو يسأل عن بعض قصص القرآن، ليأخذ منها العظة، ويلتمس العبرة والذكرى له، ولكل من كان له قلب، أو لقي السمع وهو شهيد.
أو يسأل عن شيء من أحكام القرآن وتشريعه، ليرى فيه عدل الله بين عباده، ورحمته في خلقه
(ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)
ابو تميـــــم

العمل عند اختلاف الفتوى

إذا اختلف أهل الفتوى في قضية معينة فالمفروض هو يأخذ بما يطمئن إليه قلبه، كما إذا اختلف أهل الطب على المريض
أو على أهل المريض، فمثلاً شخص ابنه مريض وعرضه على عدة أطباء هذا يقول مرضه كذا، والآخر يقول لا مرضه كذا،
وهذا يقول يحتاج لعملية والآخر يقول لا يحتاج لعملية، فماذا يفعل الإنسان في هذه الحالة لابد أن يرجِّح، إما يأخذ برأي الأكثرية،
فلو طبيب واحد خالف والبقية قالوا بنفس الشيء، أو يأخذ برأي الأعلم فمثلاً يقول هؤلاء ليسوا متخصصين وهذا رجل متخصص
وطبيب معروف ومشهور، فهناك مرجحات تجعل الإنسان يطمئن إلى هذا الرأي، وأنا كما قلت الشخص الذي يطمئن إلى سعة علمه
ومتانة دينه ووسطيته واعتداله هو هذا الذي يأخذ به ويكون أيضاً يعرف الواقع، فبعض الفقهاء أو العلماء لا يعيشون في الواقع للأسف
فهو عائش في صومعة منعزلة ولا يدري ماذا يدور في الحياة فهذا أحياناً يكون عالما جيدا في الكتب ولكنه إذا نزل إلى الواقع يخطئ لأنه
لا يعرف مشاكل الناس، فمن يرى فيه هذا يأخذ برأيه ويطمئن إليه وكل واحد يجتهد، وقالوا: الفقهاء يجتهدون في الترجيح بين الأدلة
والعوام يجتهدون في الترجيح بين العلماء، اجتهاد العامي في أن يرجح بين العالم هذا وذاك، ولكن أنا كعالم ترجيحي بين هذا الدليل وذاك.

....
.....


الأخذ بأخف الآراء الفقهية

هل يجوز الأخذ باخف الآراء الفقهية؟

الأخذ بالأخف لغة: الأخذ خلاف العطاء ، وهو أيضًا التناول ، أخذت الشيء آخُذُه أخذًا: تناولته ،والأخف خلاف الأثقل.
واصطلاحا: يقصد به الأخذ باًخف الأقوال حتى يدل الدليل على الأخذ بالأثقل.
ويعتبرالأخذ بالأخف تعبيرا واصطلاحا قريبا من قولهم الأخذ بأقل ما قيل ، وإن لم يكن هو عينه فإن بينهما خلافا؛
وذلك لأن الأخذ بأقل ما قيل يشترط فيه أن يكون المختلفون فى المسألة متفقين على الأقل حتى يقال به ، وهذا لا يشترط فيه هذا .
والقول بالأخذ بأخف القولين من جملة طرق الاستدلال ، و ذهب البعض إلى أنه واجب على المكلف أن ياًخذ بالأخف ،
كما عبروا هناك بقولهم: يجب الأخذ بأقل ما قيل ؛ لقوله تعالى {يريد الله بكم اليسر}[البقرة:85 ] ،
وقوله تعالى {وما جعل عليكم فى الدين من حرج}[الحج 78] , واعلم أن الأخذ بالأخف قد يكون بين المذاهب ،
وقد يكون بين الاحتمالات المتعارضة أماراتها، وقد يكون بين أقوال الرواة.

والأخذ بالأخف ليس متفقًا على القول به ، فقد ذهب البعض إلى القول بوجوب الأخذ بالأشق ،
وهذا الدليل يرجع حاصله إلى أن الأصل فى الملاذ الإذن ، وفى المضار المنع ، والأخف فيهما هو ذلك .

وكما استدل من قال بوجوب الأخذ بالأخف بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على اليسر والتخفيف ،
وأن هذه الشريعة مبنية على رفع الحرج عن العباد ، فقد استدل من قال بوجوب الأخذ بالأشق والأثقل من القولين ،
بأنه أكثر ثوابا ، فكان المصير إليه واجبا لقوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات}البقرة:148.

وهناك فريق ثالت لم يوجب الأخذ بشىء منهما ، وحجته مبنية على أنهما قولان متعارضان فيسقطان ،
وأنه لا معنى لهذا الخلاف فى مثل هذا؛ لأن الدين كله يسر ، والشريعة جميعها سمحة سهلة ، والذى يجب الأخذ به
ويتعين العمل عليه هو ما صح دليله ، فإن تعارضت الأدلة لم يصلح أن يكون الأخف مما دلت عليه أو الأشق مرجحا ،
بل يجب المصير إلى المرجحات المعتبرة عند الأصوليين وعلماء الخلاف .
ابو تميـــــم

استفتاء القلب فى الأحكام وإن أفتوك

هل عبارة "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك" هل هي من قول الرسول -صلي الله عليه وسلم - أم من قول الإمام علي ؟
وهل معني هذا أن نتجاهل فتاوى العلماء00 ونتبع ما نشعر أنه حلال ؟

عن وابصة بن معبد رضي اللّه عنه؛ أنه أتى رسولَ اللّه صلى اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال:
"جِئْتَ تَسألُ عَنِ البِرّ وَالإِثْمِ؟ قال: نعم، فقال: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ: البِرُّ ما اطْمأنَّت إِلَيْهِ النَّفْس وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ،
وَالإِثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتاكَ النَّاسُ وَأفْتَوْكَ"
قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن رويناه في مسندَيْ أحمد والدارمي وغيرهما.

هاجم الحافظ ابن حجر في فتح البارى من يرفض أوامر الشرع اعتمادا على
قلبه ، فقال: ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة .

وقال القرطبي : وهذا القول(يعني أخذ الأحكام من القلب دون اعتبار لماجاء به الأنبياء والعلماء) زندقة وكفر ;
لأنه إنكار لما علم من الشرائع , فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء
بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه , كما قال الله تعالى : ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس )
وقال : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به , وحث على طاعتهم والتمسك
بما أمروا به فإن فيه الهدى . وقد يعرف بها أمره ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغني بها عن الرسول فهو كافر يقتل ولا يستتاب .
قال : وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا ; لأن من قال إنه يأخذ عن ‏‏ قلبه ؛‏
لأن الذي يقع فيه هو حكم الله وأنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة
كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم : " إن روح القدس نفث في روعي " . قال : وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال :
أنا لا آخذ عن الموتى , وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت .

وكذا قال آخر : أنا آخذ عن ‏‏ قلبي ‏ عن ربي . وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع ,

ويقول الدكتور يوسف القرضاوى فى موضوع مزالق المتصدين للفتوى :

على المستفتي أن يتقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنه غير جائز شرعا،
وإنما لبس على المفتي، وغره بزخرف القول، أو بإخفاء عنصر له تأثير في تكييف القضية المسئول عنها،
فيجيب المفتي بما يظهر له، غير متفطن إلى خبايا الموضوع وخلفياته. ولو عرضت عليه القضية بوضوح،
لا تلبيس فيه ولا تمويه، وظهر له من خباياها ما أخفى عنه، لغير فتواه.
فلا يخدعن المستفتي نفسه، ويحلل لها ما يوقن ـ بينه وبين نفسه ـ أنه حرام، لمجرد أنه حصل في يديه فتوى
من هذا الشيخ أو ذاك، هي ـ في واقع الأمر ـ في غير موضوعه، أو في غير حالته.
والمفتي هنا كالقاضي الذي يحكم بحسب الظاهر، تاركا إلى الله أمر الخفايا والسرائر، وقضاؤه بحسب الظاهر، لا يجعل الحرام في الباطن حلالا،
قال تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).
وفي الحديث الصحيح: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع،
فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار".
وإذا كان هذا في قضاء الرسول المصطفى بحسب ما يظهر له، فكيف بقضاء غيره؟!

ولا خلاف أن المفتي في هذا الأمر كالقاضي ولا فرق.

وكل فتوى تحوك في صدر المستفتي، ولا تطمئن إليها نفسه، ولا يستريح إليها ضميره، لسبب من الأسباب المعتبرة،
يجب أن يتوقف عن العمل بها، حتى تتضح له الرؤية، ويصل إلى مرحلة الاطمئنان النفسي، بأن يسأل أكثر من مفت،
أو يعاود المفتي الأول مرة بعد أخرى، حتى يزول التردد بالتثبت، وينقطع الشك باليقين، ما وجد إلى ذلك سبيل. فالقلب ـ
أو الضمير بتعبير عصرنا ـ هو المفتي الأول في هذه الأحوال، كما في الحديث المعروف.

ويقول العلامة ابن القيم: "لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي، إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله،
وتردد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك".

فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم الأمر
في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي بذلك.
ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم
أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره
ابو تميـــــم

استفتاء القلوب أم استفتاء الفقهاء؟

هناك عدة أحاديث تبين أن ما يميل إليه القلب، وتسكن إليه النفس ، وتطمئن به مقدم على فتوى المفتي،
وقد يحدث هذا كثيرا، فقد يسأل السائل سؤالا فيفاجأ بجواب المفتي بحكم يتنافى مع ما يحسه بقلبه، فبأي الداعيين يأخذ؟
وهذه الأحاديث مشهورة ، منها حديث sad.gif استفت قلبك).

يقول الدكتور يوسف القرضاوي :

هذه الأحاديث صحيحة ، ولكنها لا تقتضي تقديم فتوى القلب على فتوى الفقيه، كيف وقد أمر الله تعالى المؤمنين
فقال : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل : 43 )
ولكن المأخوذ من مجموع هذه الأحاديث أن فتوى القلب إنما يؤخذ بها عند انعدام النص،
أو عندما يعلم المستفتي أنه ضلل المفتي فأفتاه على ظاهر قوله، وهو يعلم أنه زيف عليه، أو عندما يعلم أن
هذا المفتي يفتي بهذه الفتوى رغبا في مطمع، أو رهبا من مغرم.
ثم إن هذا ليس لكل قلب، ولكن لمن كان يملك قلبا مثل قلب وابصة الذي أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه ( موقف الإسلام من الإلهام والرؤى )
حديث وابصة: "اسْتَفْتِ قَلبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ" (رواه الإمام أحمد ، وغيره، وحسَّنَه النووي في "رياض الصالحين"،
وتَبِعَه السيوطي فرمَز له بالحُسْن في جامعه الصغير، وحَسَّنَه الألباني في صحيح الجامع).
وما في معناه ( مثل حديث أبى ثعلبة الخشني: قلتُ يا رسول الله، أخْبِرْنِي ما يَحِلُّ لي، وما يُحَرَّم عليَّ؟ فقال:
"البِرُّ ما سَكَنَتْ إليه النفس، واطْمَأَنَّ إليه القَلْب. والإثْمُ: ما لَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ النفس، ولم يَطْمَئِنَّ إليه القلب، وإِنْ أفْتَاكَ الْمُفْتُونَ"،
رواه الإمام أحمد "4/194"، وجوَّد إسناده ابن رجب في الجامع"2/95".

ومثل حديث أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإثْم؟ قال: "إذا حاكَ في صَدْرِك شيء فدَعْهُ"
قال ابن رجب: خرَّجَه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وإسناده جيد على شرْط مسلم.
وأقوى من ذلك كله: حديث النواس بن سمعان عند مسلم "2553"، وفيه:" والإثم: ما حاكَ في نَفْسِك، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليه الناس).
والاستدلال به على أن فتوى القَلْب مُقَدَّمَة على فتوى المُفْتِي بحُكْم الشرْع، استدلال مردود، وتحريف للكَلِم عن مواضعه للآتي
أولاً: لأن الحديث ـ كما نقل المناوي عن حُجَّة الإسلام ـ لم يَرُدَّ كل أحد لفتوى نفسه،
وإنما ذلك لوابصة في واقعة تَخُصُّه. (فيض القدير: 1/495)
أي: أن الحديث لم يَجِئ بلفظ عام، بحيث تُؤْخَذ منه قاعدة عامَّة، بل جاء
في واقعة مُعَيَّنة لشخص مُعَيَّن، ووقائع الأعيان لا عموم لها، كما هو مُقَرَّر في الأصول.

ثانيًا: على فَرْض العُموم، فموضع هذا فيما لا نَصَّ فيه، ولا حُجَّة شرعية،
وإلَّا وجبَ اتِّباع الشرع، قال ـ تعالى ـ: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) (الأعراف: 3)،
وقال ـ سبحانه ـ: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل:43)،
فكيف يُوجِبُ الله ـ تعالى ـ سؤالهم ثم نَتْرُك أَجْوِبَتَهُمْ وفَتَاوَاهُمْ إلى فَتاوَى قُلُوبِنا؟
وقال ـ تعالى ـ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسولِ) (النساء :59)،
ولم يقل: رُدُّوهُ إلى خَوَاطِرِكُمْ وأحاديث قُلُوبِكُمْ.
ثالثًا: أنَّ المُفْتِي يَبْنِي فَتْواهُ علَى ظاهر الحال، كما يَعْرِضُه له السائل، وقد يكون هناك أمور خَفِيَّة لا يَطَّلِع عليها ،
لعلَّه لوْ عَرَفَها لغَيَّر فَتْواه. والمُسْتَفْتِي هو الذي يَعْرِفُها، ولذلكَ تَظَلُّ نَفسُه قَلِقَةً غير مُطْمَئِنَّةً بما أُلْقِي إليه من فَتْوَى،
ففَتْوَى المُفْتِي ـ هنا ـ مثل قضاء القاضي، الذي يحْكُم بالظاهر، ويَقْضِي على نَحْوِ ما يَسْمَع، ولكنه
لا يَجْعَل الحرامَ حلالاً لمَنِ اسْتَقْضَاه إذا كان ألْحَنَ بحُجَّتِه من خَصْمِه صاحب الحق.
وبهذا يكون الاستدلال بالحديث على حُجِّيَّة الخواطر والإلهامات في مُواجَهة أدِلَّة الشرْع، استدلالاً باطلاً.

يقول العلامة ابن رجب الحنبلي في شرح حديث وابصة:

"اسْتَفْتِ قَلْبَكَ": فَدَلَّ حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه،
فمَا سكَن إليه القَلْب، وانْشَرَح إليه الصدر، فهو البِرُّ والحَلال، وما كان خِلاف ذلك فهو الإثم والحرام،
وقوله في حديث النَّوَّاس بن سَمْعَان: "الإثْمُ ما حاكَ في الصدْر، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِع عليه الناسُ" إشارة إلى أن الإثم ما أَثَّر في الصدر
حَرَجًا وضِيقًا وقَلَقًا واضطرابًا، فلم يَنْشَرِح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مُسْتَنْكَر بحيث يُنْكِرُونَه عند اطِّلاعِهِم عليه،
وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما اسْتَنْكَرُه الناس على فاعِلِه وغير فاعله. ومن هذا المعنى قول ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:
ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حَسَن، وما رآه المؤمنون قَبِيحًا فهو عند الله قبيح.(أورده الهيثمي في الحج "1/177، 178"
وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله مُوَثَّقُون. وصحَّحه الحاكم "3/78، 79" ووافَقَه الذهبي).

وقوله في حديث وابصة وأبى ثعلبة: وإنْ أفْتَاكَ الْمُفْتُونَ": يَعْنِي أن ما حاكَ في صدر الإنسان فهو إثم، وإنْ أفتاه غيرُه
بأنه ليس بإثم، فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مُستنكَرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله ـ أيضًا ـ إثمًا،
وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممَّن شُرِح صدرُه للإيمان، وكان المُفْتِي يُفْتِي له بمُجَرَّد ظَنٍّ، أو مَيْل إلى هَوًى، من غير دليل شرعي،
فأما ما كان مع المُفْتَى به دليل شرعي، فالواجب على المُسْتَفْتِي الرجوع إليه، وإن لم ينشرِحْ له صدره، وهذا كالرُّخَص الشرعية مثل الفِطْر
في السفَر والمرَض، وقصْر الصلاة في السفر ونحو ذلك، ممَّا لا يَنْشَرِح به صدور كثير من الجُهَّال، فهذا لا عِبرَة به.

وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحيانًا يأمر أصحابه بما لا تَنْشَرِح به صدور بعضهم فيَمْتَنِعُون من فِعْلِه، فيغْضَب
من ذلك، كما أمَرَهم بفَسْخ الحَجِّ إلى العمرة (رَوَى ذلك عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أربعة عشر من أصحابه، ذكرهم
في "زاد المعاد" وخرَّج أحاديثَهم مُحَقِّقه ـ حفظه الله ـ فانظره." 2/178،186"، ط الرسالة، بيروت)،
فكَرِهَه من كَرِه منهم، وكما أمرهم بنَحْر هَدْيهِم والتَّحَلُّل من عُمْرة الحُدَيْبِية فكَرِهُوه، وكَرِهوا مُفاوضَتَه لقريش ع
لى أن يَرْجِع من عامِه، وعلى مَن أتاهُ منهم يَرُدُّه إليهم. (انظر الخبر مُطَوَّلاً في صحيح البخاري مع الفتح "2731، 2732").

وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله، كما قال ـ تعالى ـ
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (سورة الأحزاب: 36).
وينبغي أن يَتَلَقَّى ذلك بانشِراح الصدر والرضا؛ فإن ما شرَعَه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال ـ تعالى ـ:
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (سورة النساء: 65).

وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمَّن يَقْتَدَى بقوله من الصحابة وسلَف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المُطْمَئِن قلبُه بالإيمان،
والمنشرح صدرُه بنور المعرفة واليقين منه شيء وحَكَّ في صدره بشُبْهة موجودة، ولم يجد مَنْ يُفْتِي فيه بالرُّخصة إلا مَنْ يُخْبِر عن رأيه
وهو ممَّن لا يُوثَق بعِلمه وبدينه، بل هو معروف باتِّباع الهوى، فهنا يَرْجِع المؤمن إلى ما حَاكَ في صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون،
وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا ـ أيضا. (جامع العلوم والحكم جـ 2 / 101 ـ 103ط الرسالة). أ.هـ.

والخلاصة: أن استفتاء القلب إنما يُطْلَب حيث لا يُوجَد مُفْتٍ ثِقَة يَسْتَنِد إلى دليل شرعي
مُعْتَبَر يَثِقُ المسلم بعِلْمِه ودينه معًا.
وأضاف العلامة الشوكاني معنى آخر في حديث "استفت قلبك"،
وهو: أن ذلك في الواقعة التي تتعارَض فيها الأدلَّة (إرشاد الفحول ص 249).

ومعنى هذا أن الأدِلَّة حين تَتَعارَض، ولا يُوجَد مُرَجِّح واضح يُرَجِّح أحدها على الآخر.
يكون قلب المؤمن وما يُفْتِي به مُرَجِّحًا من المرجحات.
أقول: ومثله تَعارُض أَجْوِبَة أهل الفتوى بالنسبة للعامي المُقَلِّد،
ولم يكن لديه مُرَجِّح لأحدهم على الآخر أو الآخرين فينبغي أن يَرْجِع إلى مَنْ يَطْمَئِنُّ إليه قلبه.
ولكن متى يُؤْخَذ فَتْوَى القلب؟ في الإباحة أم التحريم أو فيهما معًا؟
هنا يقول الإمام الغزالي: واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح المُفْتِي، أما حيث حرَّم فيجب الامتناع.
وهذا مقبول إذا كان تحريم المُفْتِي بدليل مُقْنِع.
ولكن أي قلب يُعْتَمد عليه في الفتوى؟
هنا يَذْكُر الغزالي أنه لا يُعَوَّل على كل قلب، فرُبَّ قلب مُوَسْوِس يَنْفِي كلَّ شيء،
ورُبَّ مُتَساهِلٍ يَطِيرُ إلى كُلِّ شيء، فلا اعتبار بهَذَيْنِ القَلْبَيْنِ، وإنما الاعْتِبار بقلب العالِم المُوَفَّق لدقائق الأحوال،
فهو المَحَكُّ الذي يَمْتَحِن به حقائق الأمور، وما أعَزَّ هذا القلب. (إرشاد الفحول ص 249) .
ابو تميـــــم

ليس كل جديد بدعة

ليست البدعة كل ما استحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق، فقد استحدث المسلمون أشياء كثيرة لم تكن
في عهده صلى الله عليه وسلم، ولم تُعَدّ بدعة، مثل استحداث عثمان أذانًا آخر يوم الجمعة بالزوراء لما كثر الناس، واتسعت المدينة.

ومثل استحداثهم العلوم المختلفة وتدريسها في المساجد، مثل: علم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم النحو والصرف،
وعلوم اللغة والبلاغة، وكلها علوم لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما اقتضاها التطور، وفرضتها الحاجة،
ولم تخرج عن مقاصد الشريعة، بل هي لخدمتها وتدور حول محورها .
فما كان من الأعمال في إطار مقاصد الشريعة، لا يعد في البدعة المذمومة، وإن كانت صورته الجزئية
لم تعهد في عهد النبوة، إذ لم تكن الحاجة إليه قائمة.

ومن ذلك: إلقاء بيان أو بلاغ للناس في قضية تهمهم بعد الفراغ من صلاة الجمعة، كما كان يفعل الإخوة
في مساجد غزة وغيرها من مدن فلسطين في بداية حركة الانتفاضة الإسلامية، حيث كانت بلاغاتهم وبياناتهم ونداءاتهم
تنطلق من بيوت الله، وتنادي بها المآذن، ولهذا سميت في أول الأمر: ثورة المساجد.

والمسجد هو محور النشاط في الحياة الإسلامية، وقد كان في عهد النبوة دار الدعوة ومركز الدولة،
كما بينت ذلك في كتابي" العبادة في الإسلام ". فيه تلقى الدروس والمواعظ، ومنه تنطلق كتائب الجهاد،
وفيه يَلقى الرسول صلى الله عليه وسلم الوفود والسفراء، وفيه يعلن النكاح، بل فيه يلعب الحبشة بحرابهم ويؤدون رقصاتهم
المعروفة في يوم من أيام الأعياد، والرسول يشجعهم، ويساعد زوجه عائشة حتى تنظر إليهم.

فلم لا يكون المسجد موضوعًا لإلقاء البلاغات الإسلامية، التي لا ينكر الأخ السائل شيئًا من مضمونها،
بل يقول: إنه مع المضمون مائة في المائة (100%)؟
وما المانع من إلقاء درس في المسجد بعد الجمعة، لشرح بعض ما جاء في الخطبة مما لم يتسع له وقتها وهو محدود،
أو للإجابة عن بعض الأسئلة التي تعن لبعض المصلين في أمور الدين والحياة؟
وأنا شخصيًا ممن أتخذ هذا المنهج من قديم، منذ كنت أخطب الجمعة في جامع الزمالك بالقاهرة في الخمسينيات.
فبعد صلاة الجمعة وركعتي السنة، أعقد حلقة للإجابة عن الأسئلة حول الخطبة أو غيرها
وكانت حلقة نافعة، شعر الناس بالاستفادة منه، وحرصوا عليها.
ولا زلت أفعل ذلك ما بين حين وآخر في المسجد الذي أصلى فيه بالدوحة، كلما اتسع لي الوقت، وساعدت الصحة والظروف .
وقوله تعالى: (فإذا قُـضِيَت الصـلاة فانتشـروا في الأرض وابتغـوا من فـضــل اللـه) (الجمعة :10)،
يدل على أن الانتشار وابتغاء الكسب بعد الصلاة أمر جائز ومباح، وليس واجبا، إذ الرأي الصحيح أن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة
ولا يقتضي الوجوب، كما في قوله تعالى: (وإذا حَلَلْتُمْ فاصطادوا) (المائدة :2) . وقوله عن النساء في المحيض :
(فإذا تَطَهَّرْن فأتوهن من حيث أمركم الله). (البقرة: 222).

وهنا كذلك، فقد حرم الله البيع وما في حكمه من ابتغاء الكسب عند النداء ليوم الجمعة،
فإذا قضيت الصلاة رفع الحظر، وعاد الأمر كما كان .
والحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن تناشد الأشعار في المساجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة" وحسنه الترمذي،
ذكروا فيه أن التقييد بـ " قبل الصلاة " يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر.
وكذلك الدرس قبل الجمعة، قد تدعو إليه الحاجة، أو توجبـه المصلحــة المتوخــاة من ورائه.

ومن ذلك: أن كثيرًا من البلاد غير العربية يخطبون الجمعة فيها باللغة العربية، وجمهور الحاضرين ــ
وإن لم يكن كلهم ــ لا يعرفون العربية، فلا يستفيدون من الخطبة شيئًا يذكر، ولهذا تكون في العادة قصيرة موجزة .
ومن ثم يكملون هذا النقص بدرس باللغة المحلية، قبل الجمعة، يحضره من لا عذر لديه ممن يريد أن يتفقه في دينه .
وقريب من هذا ما يحدث في الجزائر وبعض البلاد في المغرب وإفريقيا، حيث كثير من الخطباء الرسميين
لا ينقعون اللغة بخطبهم، ولا ينتظر الناس بعد الصلاة فكان درس الجمعة عوضًا عن ضعف الخطبة،
وخصوصًا إذا كان من يلقي الدرس ممن لا يستطيع أن يؤدي الخطبة؛ لأنه غير مستوطن أو نحو ذلك .

طبيعي أن هذا ليس هو الوضع الأمثل، والواجب أن تكون الخطبة كافية شافية، ولكن هذا هو الواقع،
وكثيرًا ما نضطر عن النزول من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى، والإسلام يجيز ذلك وفقا لقاعدة الضرورات وأحكامها.
بقي الحديث الذي ذكرناه عن عمرو بن شعيب، والخلاف فيه معروف، ومع تسليمنا بحسنه كما ذكر الترمذي،
فهو لا يدل على أكثر من الكراهة، والكراهة تزول بأدنى حاجة أو مصلحة.
قال الترمذي: وقد كـره قوم من أهـل العـلم البيع والشراء في المسجد، وبه يقول أحمد وإسحاق.
وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين الرخصة في البيع والشراء في المسجد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
في غير حديث رخصة إنشاد الشعر في المسجد. (الترمذي ـ كتاب الصلاة، حديث رقم 322).
على أنهم بينوا العلة في النهي عن التحلق قبل الصلاة، فذكر صاحب " تحفة الأحـوذي
" أنه ربما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف، ا
لأول فالأول، ولأنه يخالف هيئة اجتماع المصلين. (تحفة الأحوذي 2/272 ط . المدني بالقاهرة).
وكذلك ذكر الإمام ابن العربي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " : أنه إنما نهى عن التحلق يوم الجمعة؛
لأنهم ينبغي لهم أن يكونوا صفوفا يستقبلون الإمام في الخطبة، ويعتدلون خلفه في الصلاة ا.هـ (انظر عارضة الأحوذي 2/119 ط .
دار العلوم للجميع بيروت الصورة عن الطبعة المصرية) أي والتحلق
ينافي هذا لأنهم يكونون دوائر متعددة، غير متجهة إلى القبلة، ولا متراصة تراص صفوف الصلاة،
وهذا غير وضع المصلين، وهم مصطفون مستقبلو القبلة، متهيئون للصلاة عندما يحين وقتها.
وأخذ العلماء من النهي عن التحلق قبل الجمعة، أن التحلق بعدها مشروع ولا حرج فيه،
كما نبه على ذلك الإمام الخطابي في " معالم السنن :.
والله الموفق والهادي إلى الصواب.
ابو تميـــــم

هل البدعة أشد خطرا من المعصية؟

هل البدع نوع من الذنوب؟ أم أنها شيء آخر مستقل بنفسه؟ وهل البدع نوع واحد لها حكم واحد؟ أم أنها مختلفة الأنواع؟

يجيب الدكتور القرضاوي :

تنقسم الذنوب فيما تنقسم إلى معاص وبدع، وكل منهما ارتكاب لما يسخط الله
عالى، وشرود عن صراطه المستقيم.
وقد جاء في الحديث الشريف الذي رَواهُ العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة))
(رَواهُ أحمدُ وأبو داود والتّرمذيُّ وقال:حسن صحيح، وهو من أحاديث الأربعين النووية).

وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أحدث في أمرنا (أي في ديننا) ما ليس منه فهو رد)) (متفق عليه عن عائشة)
أي مردود عليه، غير مقبول منه، لأنه تقرب إلى الله بما لم يأمر به، وشرع في الدين ما لم يأذن به الله .

فالتعبد في الإسلام يقوم على دعامتين أساسيتين:

الأولى: ألا يعبد إلا الله.
والثانية: ألا يعبد الله إلا بما شرعه.

والمبتدع عبد الله تعالى بما لم يشرعه.
والتوبة من البدع واجبة، كالتوبة من جميع المعاصي.


وقد قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن مرتكب المعصية
يشعر أنه اقترف ذنبًا ومخالفة لأمر الله، بخلاف فاعل البدعة.
بل الحقيقة أن البدع نوع من المعاصي، ولكنها معاص لها صفة خاصة،
إن مرتكبيها يتقربون إلى الله بفعلها، ويعتقدون في أنفسهم أنهم بهذه البدع أقرب إلى الله تعالى ممن ينكرونها عليهم.
وهذا هو خطر البدعة حقًا؛ فإن صاحبها ينطبق عليه قوله الله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) (فاطر: 8).
وقوله تعالى: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف: 104).
ولهذا كانت خشية السلف من البدعة أكبر من خشيتهم من المعصية، وكان تحذيرهم من البدعة أشد، لأن صاحب المعصية
سرعان ما يتوب من معصيته، فهو يعلم أنها معصية، وهي تؤرقه وتعذب ضميره، ويظل هذا الألم النفسي،
وهذا التعذيب الوجداني يصاحبه، حتى يتحول إلى ثورة على حياته، وهذه الثورة هي التوبة.
أما صاحب البدعة، فهو مستريح إلى سلوكه، راض عن نفسه، لا يشعر بألم الذنب، لأنه في نظر نفسه غير مذنب،
ولا مخالف، بل هو متعبد، وربما مبالغ في العبادة، بل ربما كانت عبادته الظاهرة أكثر وأعظم من عبادات الكثيرين من المتدينين،
كما جاء في الحديث عن الخوارج: ((يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم)) (متفق عليه).

أما عن أنواع البدعة - كما هو معلوم - بدعتان، أو نوعان:-

بدعة قولية أو اعتقادية، أو بتعبير عصرنا: فكرية، تمثل انحرافًا في الاعتقاد أو في الفكر عن المنهج السوي الذي جاء به القرآن والسنة،
واستقر عليه سلف الأمة، وخير قرونها، وهي شر النوعين وأخطرهما.
وذلك مثل بدع الفرق الإسلامية المنحرفة عن السنة والجماعة، مثل الخوارج والشيعة - وخصوصًا الغلاة منهم -
والجبرية والقدرية والمرجئة، وغيرهم، على تفاوت بينهم في مدى التقرب أو البعد من حقيقة الإسلام، ونهجه القويم في العقيدة والسلوك،
ومثل الدعوة إلى العلمانية في عصرنا، والقول بأن لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، والدعوة إلى إلغاء الطلاق،
وتعدد الزوجات، أو إلى التسوية بين الابن والبنت في الميراث.

وبعض هذه البدع قط يغلظ ويكبر، حتى ينتهي إلى درجة الكفر، والعياذ بالله.

فالقول بأن البعث في الآخر روحاني لا جسماني، وإنه لا توجد جنة حسية، ولا نار حسية، ولا نعيم مادي، ولا عذاب مادي.
أو القول بأن الله لا يعلم جزئيات ما يجرى في الكون. أو القول بحلول الله في بعض خلقه، أو بعدم الثنائية في الوجود،
بمعنى أنه لا يوجد خالق ومخلوق، ورب ومربوب، وعابد ومعبود، إنما هو وجود واحد. وهو ظاهر ما ذهب إليه الحلاج في نظرية الحلول،
وابن عربي في نظرية وحدة الوجود.
وقول بعض الناس في عصرنا: إن القرآن بمجرد نزوله انتقل من الإلهية إلى البشرية،
وأصبح نصًا بشريًا ! وقول بعضهم بالتسوية بين الأولاد في الميراث لا فرق بين ذكر وأنثى.

والنوع الثاني هو: البدعة العملية كأن يخترع عبادة من عنده لم يشرعها الله ولا رسوله، أو يضيف إلى العبادة المشروعة
ما ليس منها مثل (صلاة الرغائب) التي ابتدعها بعض الناس في أول كل شهر رجب. :
ومثل الصيام عن الكلام تعبدًا، أو الصيام عن أكل اللحوم أو كل ما كان من ذي روح، تعبدًا وتقربًا إلى الله،
مثل أكل البيض وشرب اللبن، وتناول منتجات الألبان.
ومثل الصيام أو الإمساك عن الطعام والشراب قبل الفجر بثلث ساعة أو عشر دقائق، أو نحو ذلك احتياطًا،
أو الإمساك عن المبادرة إلى الإفطار بعد المغرب مبالغة في الاحتياط.
والبدعة العملية قسمان أيضًا: إيجابية وسلبية، وبعبارة أخرى: فعلية وتركية،
والفعلية هي التي تتناول عملاً بالفعل، مثل الصلاة والصيام أو الذكر، وغير ذلك مما يقترب به إلى الله، وهو غير مشروع،
ويدخل فيما شرع من الدين مما لم يأذن به الله سبحانه.
والبدعةالتركية: ما كانت تركًا لعمل مشروع، واجب أو مستحب أو مباح، وذلك مثل ترك الزواج أو ترك النوم بالليل،
أو ترك الإفطار في بعض الأيام - مثل الثلاثة الذين أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الذين قال أحدهم: أنا أقوم الليل فلا أنام،
وقال الثاني: أنا أصوم الدهر فلا أفطر، وقال الثالث: أنا أعتزل الناس فلا أتزوج...
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم مقالتهم، فخطبهم قائلاً: إنما أنا أخشاكم لله وأتقاكم له،
ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
متفق عليه عن أنس.
ابو تميـــــم

التيسير ورفع الحرج


ما معنى أن من خصائص الشرع الإسلامي التيسير ورفع الحرج؟

من خصائص التشريع في الإسلام: التيسير ورفع الحرج عن المكلفين. وهذا التيسير روح يسري في جسم الشريعة كلها،
كما تسري العصارة في أغصان الشجرة الحية. وهذا التيسير مبني على رعاية ضعف الإنسان، وكثرة أعبائه، وتعدد مشاغله،
وضغط الحياة ومتطلباتها عليه. وشارع هذا الدين رؤوف رحيم، لا يريد بعباده عنتًا ولا رهقًا، إنما يريد لهم الخير والسعادة
وصلاح الحال والمآل. في المعاش والمعاد.

كما أن هذا الدين لم يجئ لطبقة خاصة، أو لإقليم محدود، أو لعصر معين، بل جاء عامًا لكل الناس، في كل الأرض، وفي كل الأزمان والأجيال،
وإن نظاما يتسم بهذا التعميم وهذه السعة، لا بد أن يتجه إلى التيسير والتخفيف، ليتسع لكل الناس، وإن اختلف بهم المكان والزمان والحال.
وهذا ما يحسه ويلمسه كل من عرف هذا الدين.
فالقرآن ميسر للذكر، والعقيدة ميسرة للفهم، كما أن الشريعة ميسرة للتنفيذ والتطبيق. ليس فيها تكليف واحد يتجاوز طاقة المكلفين،
كيف وقد أعلن القرآن هذه الحقيقة في أكثر من آية، فقال: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، (لا تكلف نفس إلا وسعها)،
(لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها)، كما علم المؤمنين أن يدعوا ربهم فيقولون:

(ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، وقد ورد في الصحيح: أن الله استجاب لهم.

وقد نفي القرآن كل حرج عن هذه الشريعة، كما نفي عنها العنت والعسر، وأثبت لها التخفيف واليسر. قال تعالى وهو يحدثنا عن رخص الصيام،
من الفطر للمريض والمسافر: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

وجاءت الأحاديث النبوية تؤكد هذا الاتجاه القرآني إلى التيسير نقرأ فيها: "بعثت بحنيفية سمحة". "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".
وقد كانت سمة الرسول المميزة له في كتب أهل الكتاب هي سمة الميسر، ورافع الآصار، والأغلال التي أرهقت أهل الأديان السابقة،
كما قال تعالى: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات و
يحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).
ومن أدعية القرآن التي علمها للمؤمنين: (ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا).

ولا غرو أن شرع الإسلام الرخص عند وجود أسبابها. وذلك كالترخيص في التيمم لمن خاف التضرر باستعمال الماء لجرح أو لبرد شديد،
ونحو ذلك، لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا)، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).
وكذلك الترخيص في الصلاة قاعدًا لمن تضرر الصلاة قائمًا، والصلاة بالإيماء مضطجعًا، أو مستلقيًا لمن تؤذيه الصلاة قاعدًا.
ومثل ذلك الترخيص في الإفطار للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، وكذلك لمن كان مريضًا أو على سفر،
ومثله الترخيص للمسافر في القصر والجمع في الصلاة.
وجاء في الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".

وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من شدد على نفسه، وصام في السفر، مع شعوره بشدة المشقة،
وحاجته إلى الفطر، فقال في مثله: "ليس من البر الصيام في السفر".
ومن هنا أصبح من القواعد الفقهية الأساسية المقررة لدى المذاهب الإسلامية كافة، هذه القاعدة الجليلة:
"المشقة تجلب التيسير". وهي أصل له فروع كثيرة وفيرة في شتى أبواب الفقه. وقد ذكرها العلامة ابن نجيم الحنفي،
تفريعًا على هذه القاعدة، أو تأكيدًا لها، لا يتسع المجال هنا لإثباتها، فليرجع إليها من شاء التوسع والتفصيل.

وهناك أشياء متعددة اعتبرتها الشريعة من أسباب التيسير والتخفيف، منها: المرض، والسفر، والإكراه، والخطأ والنسيان،
وعموم البلوى، ولكل منها أحكام فصلتها كتب الشريعة.
ابو تميـــــم

ضوابط التيسير في الإفتاء

نسمع أن كثيرا من الناس يفتي بما هو أيسر من الآراء الفقهية ، فهل هناك سند شرعي وهل يكون التيسير دائما؟

يجيب الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي :

فمن المعلوم عند الفقهاء أن الأخذ بالتخفيف والتيسير أولى من الأخذ بالتشديد والتعسير في الإفتاء ، وخاصة لو كان هذا التيسير في محله ،
من حيث يرى المفتي حاجة الناس إليه ، نظرا لظروفهم ، وهناك من الأدلة الشرعية في الكتاب والسنة ، وإفتاء علماء السلف والخلف
ما يؤيد هذا المنهج التيسيري على عباد الله تعالى في الإفتاء .
يقول الشيخ القرضاوي :

ومن الأولويات المطلوبة في مجال الإفتاء والدعوة: تقديم التخفيف والتيسير على التشديد والتعسير
.
فقد دلَّتْ النصوص من الكتاب والسُّنَّة أن التيسير والتخفيف أَحَبُّ إلى الله ـ تعالى ـ وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول الله ـ تعالى ـ: (يُرِيدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ ولا يُريدُ بِكُم العُسْرَ) (البقرة: 185).
ويقول سبحانه: (يُريدُ الُله أن يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء: 28).
ويقول عز وجل: (ما يُريدُ اللهُ لِيَجعلَ عَليْكُم مِّنْ حَرَجٍ) (المائدة: 6).
ويقول الرسول الكريم: "خَيرُ دينِكم أَيْسرُه" (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والطبراني عن محجن بن الأدرع، والطبراني أيضًا
عن عمران بن حصين، والطبراني في الأوسط، وابن عدي والضياء عن أنس "صحيح الجامع الصغير: 3309")، "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السَّمْحة"
(رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والطبراني عن ابن عباس "المصدر السابق: 160").

وتقول عائشة: ما خُيِّرَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين، إلاَّ أَخَذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا،
فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس عنه (مُتَّ‍فَقٌ عليه، كما في اللؤلؤ والمرجان"1502").
ويقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن الله يُحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما يَكره أن تُؤْتَى معصيته"
(رواه أحمد وابن حِبَّان والبيهقي في الشُّعَب عن ابن عمر "صحيح الجامع الصغير: 1886").
ويتأكد ترجيح الرُّخْصة واختيار التيسير، إذا ظهرت الحاجة إليها، لضعف أو مرض أو شيخوخة أو لشدَّة مَشَقَّة، أو غير ذلك من المُرَجِّحات.
روى جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفر، فرأى زحامًا ورجلاً قد ظُلِّل عليه،
فقال: "ما هذا؟" فقالوا: صائم، فقال: "ليس من البِرِّ الصيام في السَّفَر" (مُتَّفَقٌ عليه ـ اللؤلؤ والمرجان "681").
أما إذا لم يكن في السفر مثل هذه المشقة فيجوز له أن يصوم، بدليل ما رَوَتْه عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: "إن شئتَ فصُمْ، وإن شِئْتَ فأفطِرْ" (مُتَّفَقٌ عليه ـ المصدر نفسه "684").
وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول بشأن الصوم والفِطْر للمسافر، واختلاف الفقهاء: أيهما أفضل،
كان يقول: أفضلهما أيسرهما عليه وهذا قول مقبول، فمِنَ الناس مَن يكون الصوم مع الناس أهون عليه
من أن يَقضي بعد ذلك والناس مُفطِرون، وغيره بعكسه، فما كان أيسر عليه فهو الأفضل في حَقِّه.

ودعا ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى تعجيل الفُطور وتأخير السحور، تيسيرًا على الصائم.
ونجد كثيرًا من الفقهاء في بعض الأحكام التي تختلف فيها الأنظار يُرَجِّحون منها ما يكون أيسر على الناس،
وخصوصًا في أبواب المعاملات، وقد اشتهرتْ عنهم هذه العبارة: هذا القول أرفق بالناس!!
هذا ومما أحمد الله ـ تعالى ـ عليه أَنِّي تبيَّنْتُ منهج "التيسير" في الفتوى، و"التبشير" في الدعوة، اتباعًا للمنهج النبوي الكريم،
فقد بعث أبا موسى ومعاذ إلى اليمن وأوصاهما بقوله: "يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا وبَشِّرَا ولا تُنفِّرَا، وتطاوعَا" "مُتَّفَقٌ عليه عن أبي بردة ـ المصدر نفسه (1130)"
ورَوَى عنه أنس أنه قال: "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا" "مُتَّفَقٌ عليه ـ المصدر نفسه(1131)".
قلت مرة في إجابتي عن الأسئلة بعد إحدى المحاضرات: إنني إذا وجدتُ أمامي قولَيْنِ متكافئَيْنِ أو متقاربين
في مسألة شرعية، وكان أحدهما أحوط، والآخر أيسر، فإني أُفْتِي لعموم الناس بالأيسر، وأُرجِّحه على الأحوط.

فقال لي بعض الإخوة الحاضرين: وما دليلك على ترجيح الأيسر على الأحوط؟

قُلْتُ: دليلي هَدْي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما وأمره للأئمة
في صلاة الجماعة أن يُخفِّفوا عن المأمومين؛ لأن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة.
قد يُفتِي العالِم بالأحوط لبعض أهل العزائم والمُتورِّعين من المتدينين، أما العموم فالأَوْلى بهم الأيسر.
وعصرنا أكثر من غيره حاجة إلى إشاعة التيسير على الناس بدل التعسير، والتبشير بدل التنفير،
ولا سيما مَن كان حديث عهد بإسلام، أو كان حديث عهد بتوبة.
وهذا واضح تمام الوضوح في هَدْي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعليمه الإسلام لِمَن يدخل فيه، فهو لا يُكثِّر عليه الواجبات،
ولا يُثقله بكثرة الأوامر والنواهي، وإذا سأله عما يطلبه الإسلام منه، اكتفى بتعريفه بالفرائض الأساسية، ولم يُغرقه بالنوافل،
فإذا قال له الرجل: لا أَزِيد على هذا ولا أَنْقُص منه، قال: "أفلح إنْ صدق"، أو "دخل الجنة إن صدق".

بل رأيناه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُشدِّد النكير على مَن يُشدِّد على الناس، ولا يُراعِي ظروفهم المختلفة، كما فعل مع بعض الصحابة
الذين كانوا يَؤُمُّون الناس، ويُطيلون في الصلاة، طُولاً اشتكى منه بعض مأموميهم. فقد أنكر على معاذ بن جبل تطويله،
وقال له: "أَفتَّان أنتَ يا معاذ؟ أَفتَّان أنتَ يا معاذ؟ أفتَّان أنتَ يا معاذ" "رواه البخاري".

وعن أبي مسعود الأنصاري: أنَّ رجلاً قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة (الصبح) من أجل فلان، مما يُطيل بنا!
فما رأيتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ! ثم قال: "إن منكم مُنفِّرين،
فأيُّكم ما صلَّى بالناس، فليتجوَّز (يخفف) فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة" "مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (267)".
وقد ذَكَرَتْ بعض الروايات أن هذا الذي طوَّل بالناس كان أبيَّ بن كعب، وهو مَن هو عِلْمًا وفضلاً، وأحد الذين جمعوا القرآن
ولكن هذا لم يمنع أن يُنكر النبي عليه، كما أنكر على معاذ، برغم حُبِّه له وثنائه عليه.
ويقول خادمه وصاحبه أنس: ما صليْتُ وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتمّ صلاة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وإن كان ليسمع بكاء الصبي، فيُخفِّف، مخافة أن تُفتَن أُمه "مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (270)" .
وعنه أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إني لأدخل في الصلاة، وأنا أُريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، ف
أتجوَّز في صلاتي، مما أعلم من شدّة وَجْد أمه من بُكائه" "مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (168)".
ويَروِي عنه أبو هريرة قوله: "إذا صلَّى أحدكم للناس فليُخَفِّف، فإن فيهم السقيم، والضعيف والكبير، وإذا صلَّى أحدكم لنفسه
فليطوِّل ما شاء" "مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (271)".
وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشد ما يكون إنكارًا للتشديد إذا كوَّن اتجاهًا، وتَبَنَّاه جماعة، ولم يكن مجرد نزعة فردية عارضة،
وهذا ما نُلاحظه في إنكاره على الثلاثة الذين اتخذوا خطًّا في التعبُّد غير خَطِّه، وإن كانوا لا يريدون إلا الخير ومزيدًا من التقرُّب إلى الله تعالى.
عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: "جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألون عن عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
فلما أُخْبِرُوا كأنهم تقالُّوها وقالوا: أين نحن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا،
وقال آخر: وأنا أصوم ولا أُفطِر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا. فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم فقال:
"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمَنْ رَغِبَ عن
سُنَّتِي فليس منِّي" "مُتَّفَقٌ عليه: اللؤلؤ والمرجان (885)".
وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "هلك المُتنطِّعون"!
قالها ثلاثًا "رواه مسلم برقم(2670)، وأبو داود أيضًا(4608)".

المُتنطِّعون: المُتعَمِّقون المُشدِّدون في غير موضع التشديد
.
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غلبه، فسَدِّدوا
وقارِبوا، وأبشرُوا، واستعينوا بالغُدْوَة والرَّوْحة، وشيءٍ من الدُّلْجة" "رواه البخاري والنسائي(صحيح الجامع الصغير: 1611)"،

\\وفي رواية للبخاري: "سدِّدوا وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحوا، وشيء من الدُّلجة، القَصْدَ القَصْدَ تَبلغوا".
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إلاَّ غَلَبَه": أي غلبه الدينُ وعجز ذلك المُشادُّ عن مقاومة الدِّين لكثرة طرقه. "
الغُدْوة": سير أول النهار و"الرَّوحة": آخر النهار و"الدُّلجة": آخر الليل وهذا استعارة وتمثيل،
ومعناه: استعينوا على طاعة الله ـ عز وجل ـ بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم،
بحيث تستلذُّون العبادةَ ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات،

ويستريح هو ودابته في غيرها فيَصل المقصودَ بغير تعب. والله أعلم
ابو تميـــــم

شروط الاجتهاد في العصر الحديث

إذا عرفنا أن الاجتهاد ضرورة إسلامية في هذا العصر، وأنه من فروض الكفايات المحتمة على أمتنا،
فهل يتيسر لنا إذا أردناه؟ وهل يسهل على العالم في عصرنا أن يحصل شروط الاجتهاد التاريخية المعروفة؟



أحب أن أذكر هنا: أن الشروط التي اشترطها الأصوليون للمجتهد في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية ـ
ليس تحصيلها متعذرًا ولا متعسرًا، كما يوهم بعض الناس، الذين يريدون أن يضيقوا ما وسع الله،
ويغلقوا بابًا فتحه رحمة بعباده، وهو الاجتهاد.
وهذا ما نبه عليه المحققون من علماء العصر. يقول العلامة السيد رشيد رضا رحمه الله
في تفسير المنار بعد نقله بعض كلام الأصوليين عن شروط الاجتهاد:
"ليس تحصيل هذا الاجتهاد الذي ذكروه بالأمر العسير، ولا بالذي يحتاج فيه إلى اشتغال أشق من اشتغال
الذين يحصلون درجات العلوم العالية عند علماء هذا العصر في الأمم الحية، كالحقوق والطب والفلسفة،
ومع ذلك نرى جماهير علماء التقليد منعوه، فلا تتوجه نفوس الطلاب إلى تحصيله".

وقال العلامة الحجوي الفاسي في كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" ـ
بعد أن نقل عن ابن عبد السلام قوله: ومواد الاجتهاد في زماننا أيسر منه في زمن المتقدمين لو أراد الله الهداية. ومثله عن ابن عرفة، كما نقله الأبي في شرح مسلم ـ
قال: واعلم أن الاجتهاد اليوم في القرن الرابع عشر أيسر مما كان في زمن الأبي وابن عرفة ومن قبلهما،
بسبب أهل الفضل الذين اعتنوا بالمطابع، وطبعوا الكتب المعينة على الاجتهاد. وأن ظهور الطباعة نقل العلم من طور إلى طور.
وقد كان المتقدمون يعانون مشاق عظيمة في كتب الكتب، ويحتاجون لمادة مالية وزمن طويل. أما بعد ظهور الطباعة عندنا في أواسط القرن الماضي
(الثالث عشر الهجري) فقد تيسر ما كان عسيرا.. إلا أنها وجدت الأمة في التأخر، والفقه في الاضمحلال،
والهمم في جمود، فكأننا لم نستفد منها شيئا! فإذا قسنا ما استنفدناه منها، ودرجة الرقي التي حصلت لفقهائنا،
بالنسبة لما حصل في زمن المأمون العباسي من النشاط العلمي بسبب ظهور الكاغد (الورق) حكمنا بأننا لم نتقدم خطوة تعتبر،
وتناسب ما تقدمه غيرنا من الأمم. ورغما عن ذلك فقد وجدت كتب كانت أعز من بعض الأنوق، وانتشرت ولاسيما كتب الحديث.
وقال العلامة الأستاذ أحمد إبراهيم بك أستاذ الشريعة في كلية الحقوق في كتابه في "علم أصول الفقه":
"وليعلم أن بين أيدينا الآن كنوزا ثمينة من المصنفات القيمة في التفسير وموسوعات السنة وشروح الحديث مما لم يكن ميسورا وجوده
كله مجموعا عند سلفنا الصالح الذين كان يرحل أحدهم إلى البلاد النائية لطلب الحديث الواحد أو الحديثين، كذلك وضعت معاجم قيمة لغريب
الكتاب ولغريب السنة، وكتب جمعت آيات الأحكام، وأخرى لأحاديث الأحكام مع تفسير وشرح بالاختصار تارة وبالتطويل أخرى،
حتى إنه ليستطيع أن يجلس أحدنا الآن على مكتبه وأمامه من كل ما أسلفنا نسخ متعددة من كل نوع منها. وبالجملة فالاجتهاد ميسور
الآن لتكامل عدته تكاملا أكثر مما كان عليه الحال من قبل لمن شمله الله تعالى بهدايته وتوفيقه فجعل عمله خالصا لله ومحضه للنفع العام".

وقال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق في كتابه "بحوث في التشريع الإسلامي" الذي كتبه ردا
على المضيقين والمتشددين من علماء الأزهر، الذين رفضوا أي اجتهاد في قوانين الأحوال الشخصية:
"وليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها أن ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول
لا يكفي لفهم خطاب العرب ولا لمعرفة الأدلة وشروطها. وإذا صح هذا فيالضيعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها!".

ليس الاجتهاد ممكنا عقلا فقط، بل هو ممكن عادة. وطرقه أيسر مما كانت في الأزمنة الماضية أيام كان يرحل المحدث إلى قطر آخر لرواية حديث،
وأيام كان يرحل الرواة لرواية بيت من الشعر، أو كلمة من كلم اللغة، وقد توافرت مواد البحث في كل فرع من فروع العلوم: في التفسير والحديث والفقه،
واللغة والنحو، والمنطق، وجمع الحديث كله، وميز صحيحه من فاسده، وفرغ الناس من تدوين سير الرواة، وأصبحت
كتب هذه الفنون تضعها مكاتب الأفراد والحكومات في كل قطر من الأقطار الإسلامية، وهذا لم يكن ميسورا لأحد في العصور الأولى،
ومذاهب الفقهاء جميعهم مدونة، وأدلتها معروفة.

والواقع أنه في أكثر المسائل التي عرضت للبحث، وأفتى الفقهاء فيها، لم يبق للمجتهد إلا اختيار رأي من آرائهم فيها، أما الحوادث التي تجد فيها
التي تحتاج إلى آراء محدثة، وأن حفظ آيات الأحكام جميعها وأحاديث الأحكام جميعها وفهمها فهما صحيحا، ومعرفة الناسخ والمنسوخ،
وحفظ مواقع الإجماع، لا يحتاج إلى المجهود الذي يبذل لفهم مرامي كتاب من كتب الأزهر المعقدة.

إن الزمن لم يغير خلقة الإنسان، والعقول لم تضمر، والطبيعة باقية في الإنسان كما كانت في العصور الماضية، وهاهم علماء الأمم يحدوهم الأمل
إلى بلوغ أقصى ما يتصوره العقل البشري ويصلون إليه بجدهم واجتهادهم، وقد كان أسلافهم في عماية وجهل، وكان أسلافنا في نور العلم وضياء المدنية،
لم يقل أحد منهم بقصور العزائم، ولا بتراخي الهمم عن البحث والتنقيب، بل كلما مر عليهم الزمن كلما جدوا في البحث والتنقيب،
وكثرت وسائط البحث والتنقيب.

وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد، أخالفهم في رأيهم، وأقول:
إن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط الاجتهاد ويحرم عليهم التقليد.

هذا ما قاله شيوخنا وشيوخ شيوخنا في القرن الرابع عشر، ونستطيع أن نقول الآن في مطالع القرن الخامس عشر:
أن كتب العلم ومصادره قد تيسرت للباحثين أكثر مما كانت في زمنهم وظهر كثير مما كان خافيا من كتب التراث،
وحقق كثير مما لم يكن محققا من كتب الحديث والتفسير والفقه المذهبي والفقه المقارن والأصول وغيرها.
وظهرت أدوات مساعدة مثل أجهزة النسخ والتصوير وأهم منها الخازن أو المنظم أو الحافظ العجيب "الكمبيوتر"
الذي يسعى أهل العلم اليوم إلى استخدامه في جمع السنة النبوية وتصنيفها.
فلا غرو أن يوجد في علماء العصر من يبلغ درجة الاجتهاد المطلق. ولا حرج على فضل الله تعالى،
وكم ترك الأول للآخر. وقد يفضل اللاحق السابق. وقديما قال الشاعر:

قل لمن لا يرى للمعاصر شيئا ويرى للأوائل التقديما!
إن هذا القديم كان حديثا وسيغدو هذا الحديث قديما!

وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل أمتي مثل المطر، لا يدري: أوله خير أم آخره".
ولقد أفرزت أمتنا في العصر الحديث عباقرة وأفذاذا في العلوم والآداب والفنون المختلفة،
فلماذا تعقم أن تبرز مثل هؤلاء النوابغ في مجال الفقه والاجتهاد الإسلامي؟!!
ومن ذا الذي ينكر نبوغ محمد عبده، ورشيد رضا، وعبد المجيد سليم، ومحمود شلتوت، ومحمد الخضر حسين،
والطاهر بن عاشور، وفرج السنهوري، وأحمد إبراهيم، وعبدالوهاب خلاف ومحمد أبو زهرة وعلي الخفيف.. رحمهم الله جميعا،
وفي المعاصرين الأحياء من لا يقل عنهم علما وفضلا، ولكن المعاصرة حجاب كما قالوا.

وإذا قلنا بتجزؤ الاجتهاد كما هو رأي الأكثرين، فالأمر أسهل وأسهل.

فهناك من العلماء من عكفوا على فقه الأسرة أو الأحوال الشخصية وتفرغوا له، وأتقنوه، ونفذوا إلى أعماق مسائله،
فالاجتهاد في هذا المجال ميسور لهم بلا نزاع.
وآخرون تفرغوا لفقه المعاملات المالية أو الجانب الاقتصادي في التشريع الإسلامي،
وعنوا بكل ما يتعلق به أو بجانب معين منه، فهم أقدر على الاجتهاد فيه.
وغيرهم اهتم بالفقه الجنائي أو الإداري أو الدستوري، فهم مجتهدون فيما تخصصوا فيه.
وهذا مشروط ـ بالطبع ـ بوجود المؤهلات العلمية العامة التي تمكنهم
من فهم ما تخصصوا فيه، وإتقانه وهضمه.
ابو تميـــــم

الضرورات : معناها وضوابطها

قاعدة : (الضرورات تبيح المحظورات ) فما هي الحدود لهذه الضرورات التي تجيز المحظورات ؟ .

يقول الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي:

إن الشريعة الإسلامية راعت الضرورات والحاجات والأعذار التي تنزل بالناس فقدرتها حق قدرها، وشرعت لها أحكامًا استثنائية تناسبها،
وفقًا لاتجاهها العام في التيسير على الخلق، ورفع الآصار والأغلال التي كانت عليهم في بعض الشرائع السابقة، كما قال تعالى في الأدعية
التي ختمت بها سورة البقرة - وجاء في الصحيح أن الله استجاب لها (ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا). (البقرة: 286).

كما أخبر تعالى عن وصف رسوله في كتب أهل الكتاب بأنه: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات
ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف: 157)، وفي ختام آية الصيام:
(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185)، وبعد آيات المحرمات في النكاح وما يتعلق بها:
(يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفًا) (النساء: 28)، وفي ختام آية الطهارة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج). (المائدة: 6)
ومن هنا جاءت القاعدة الأساسية الجليلة التي أجمعت عليها كل كتب القواعد الفقهية وهي: "المشقة تجلب التيسير" (الأشباه والنظائر: ص 37 وما بعدها).

وبناء على هذه القاعدة شرعت الرخص والتخفيفات الكثيرة في الفرائض الإسلامية، للمرضى، والمسافرين، وأصحاب الأعذار المختلفة،
وجاء في الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" (رواه أحمد).
وتعداد هذه الرخص والتخفيفات في أبواب الطهارة والصيام والحج وغيرها، مما لا يتسع له هذا المجال، وهي على كل حال، ليس موضع مراء وجدال.

ومما يتمم ذلك الاستثناء الذي جاءت به الشريعة في باب المحرمات والممنوعات، نزولاً على حكم الضرورات التي تنزل بالبشر،
وتضغط على كواهلهم، ومن ثم تقررت القاعدة الشرعية الشهيرة: "الضرورات تبيح المحظورات" وما يكملها من قواعد متفرعة عليها
مثل "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"، "الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت، أو عامة". (الأشباه والنظائر: ص 43 - 46).

والأصل في هذا ما جاء في كتاب الله تعالى بعد ذكر الأطعمة المحرمة حيث استثنى حال الضرورة والمخمصة، وذلك في أربعة مواضع من القرآن الكريم،
موضعان في السور المكية: الأنعام والنحل، وآخران في السور المدنية: البقرة والمائدة.

وأكتفي هنا بذكر النصين المدنيين باعتبارهما آخر ما نزل :.

يقول تعالى في سورة البقرة: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون،
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم). (البقرة: 172 - 173).

فأباح الأكل من طيبات ما رزق الله، وأمر بالشكر عليها، ثم ذكر المحرمات محصورة في تلك الأربع:
الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به، ثم استثنى حالة الإضرار، فأباح للمضطر
ما حرم على غيره، بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد.

وفي سورة المائدة قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة
وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون،
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا، فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم). (المائدة: 3).

والآية هنا تقرير وتأكيد لآية البقرة، وإن كان فيها تفصيل لبعض أنواع الميتة من المنخنقة والموقوذة وغيرهما،
وقوله في هذه الآية: (غير متجانف لإثم) مثل قوله هناك: (غير باغ ولا عاد) أي إنه يفعل ما يفعل تحت ضغط الضرورة وقهرها،
لا رغبة في الإثم، ولا ابتغاء للشهوة، ولا عدوانًا على أحد كما لا يعدو قدر الضرورة.

هذا ما جعل الفقهاء يقيدون الإباحة في أحوال الإضطرار بقدر الضرورة، لا أكثر.
ابو تميـــــم

ضوابط الضرورة الشرعية

معنى الضرورة:

قال الجرجاني في تعريفاته: الضرورة مشتقة من الضرر وهو النازل بما لا مدفع له وللضرورة تعاريف متقاربة المعنى عند أسلافنا الفقهاء،
منها ما ذكره أبوبكر الجصاص عند الكلام عن المخمصة فقال: الضرورة: هي خوف الضرر أو الهلاك على النفس أو بعض الأعضاء
بترك الأكل وبمثل ذلك قال البزدوي: معنى الضرورة في المخمصة: أنه لو امتنع عن التناول يخاف تلف النفس أو العضو.
وعرفها الزركشي والسيوطي فقالا: هي بلوغه حداً إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس
بحيث لو بقى جائعاً أو عرياناً لمات أو تلف منه عضو.
وقال المالكية: الضرورة هي الخوف على النفس من الهلاك علماً (أي قطعاً) أو ظناً،
أو هي خوف الموت، ولا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت وإنما يكفي حصول الخوف من الهلاك ولو ظناً.

قال الشافعية: من خاف من عدم الأكل على نفسه موتاً أو مرضاً مخوفاً أو زيادته أو طول مدته أو انقطاعه عن رفقته
أو خوف ضعف عن مشي أو ركوب. ولم يجد حلالاً يأكله ووجد محرماً لزمه أكله.

وعرفهاالأستاذ محمد أبو زهرة فقال: الضرورة: هي الخشية على الحياة إن لم يتناول المحظور، أو يخشى ضياع ماله كله،
أو أن يكون الشخص في حال تهدد مصلحته الضرورية ولا تدفع إلا بتناول محظور لا يمس حق غيره
وقال الأستاذ الزرقا: الضرورة أشد دفعاً من الحاجة، فالضرورة: هي ما يترتب على عصيانها خطر، كما في الاكراه الملجئ وخشية الهلاك جوعاً.

ولكن الذي يبدو من هذه التعاريف كلها أنها متجهة فقط نحو بيان ضرورة الغذاء، فهي قاصرة لا تشمل المعنى الكامل للضرورة
على أنها مبدأ أو نظرية يترتب عليها إباحة المحظور أو ترك الواجب،
لذا فإني اقترح التعريف التالي لها:

الضرورة: هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس
أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها، ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب،
أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع.

وميزة هذا التعريف أنه شامل جامع في تقديرنا كل أنواع الضرورة
وهي: ضرورة الغذاء والدواء، والانتفاع بمال الغير، والمحافظة على مبدأ التوازن العقدي في العقود، والقيام بالفعل تحت تأثير الرهبة أو الاكراه،
والدفاع عن النفس أو المال أو ونحوهما وترك الواجبات الشرعية المفروضة وهذا هو المعنى الأعم للضرورة أما معناها الخاص
بدفع ضرر خارجي قاهر كالحريق أو ضرر داخلي كالجوع فليس هو فقط موطن بحثنا، وإن كان هو المعنى الشائع عند العلماء.

والاضطرار: دفع الإنسان إلى ما يضره وحمله عليه أو إلجاؤه إليه، والملجئ إلى ذلك إما أن يكون من نفس الإنسان،
وحينئذ لابد أن يكون الضرر حاصلاً أو متوقعاً يلجئ إلى التخلص منه عملاً بقاعدة ارتكاب أخف الضررين، الثابتة عقلاً وطبعاً وشرعاً،
وإما أن يكون الملجئ من غيره نفس الإنسان كإكراه القوى ضعيفاً على مايضره.

ضوابط الضرورة:

يفهم من التعريف الذي وضعناه للضرورة أنه لابد من تحقق ضوابط لها أو شروط فيها، حتى يصح الأخذ بحكمها
وتخطي القواعد العامة في التحرير والإيجاب بسببها، وحينئذ يتبين أنه ليس كل من ادعى وجود الضرورة
يسلم له ادعاؤه أو يباح فعله. وهذه الضوابط التي يراد بها تحديد معنى الضرورة بالمعنى الضيق هي ما يأتي:

1- أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة. وبعبارة أخرى أن يحصل في الواقع خوف الهلاك أو التلف على النفس أو المال وذلك بغلبة الظن
حسب التجارب، أو يتحقق المرء من وجود خطر حقيقي على إحدى الضروريات الخمسة التي ذكرناها والتي صانتها جميع الديانات
والشرائع السماوية: وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال فيجوز حينئذ الأخذ بالأحكام الاستثنائية لدفع الخطر ولو أدى ذلك إلى
اضرار الآخرين عملاً بقاعدة: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما" فإذا لم يخف الإنسان على شيء مما ذكر،
لم يبح له مخالفة الحكم الأصلي العام من تحريم أو إيجاب.

2- أن يتعين على المضطر مخالفة الأوامر أو النواهي الشرعية أو ألا يكون لدفع الضرر وسيلة أخرى من المباحات إلا المخالفة
بأن يوجد في مكان لا يجد فيه إلا ما يحرم تناوله، ولم يكن هناك شيء من المباحات يدفع به الضرر عن نفسه، حتى ولو كان الشيء مملوكاً للغير
فلو وجد مثلاً طعاماً لدى آخر فله أن يأخذه بقيمته وعلى صاحب الطعام أن يبذله له.
ومن استطاع في الأحوال العادية أن يقترض من غيره بدون فائدة، فلا يجوز له اطلاقاً الاقتراض بفائدة أو البيع بالربا.
وعند مخالفة الأوامر ينبغي أن يؤذن شرعاً للمضطر التحلل من الواجب.

3- أن يكون في حالة وجود المحظور مع غيره من المباحات أي في الحالات المعتادة عذر يبيح الإقدام على الفعل الحرام، وبعبارة أوجز أن تكون الضرورة
ملجئة بحيث يخشى تلف النفس والأعضاء، كما لو أكره إنسان على أكل الميتة بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه، وعدم وجود الطيبات
المباحات أمامه، أو يخاف إن عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة، أو عجز عن الركوب، هلك وقد صرح الشافعية والحنابلة أن كل ما يبيح التيمم
يبيح تناول الحرام فيعتبر خوف حصول الشيء الفاحش في عضو ظاهر كخوف طول المرض مما يبيح كل منهما التناول من الحرام.

4- ألا يخالف المضطر مبادئ الشريعة الإسلامية الأساسية التي ذكرناها من حفظ حقوق الآخرين وتحقيق العدل وأداء الأمانات ودفع الضرر
والحفاظ حقيقة على مبدأ التدين وأصول العقيدة الإسلامية، فمثلاً لا يحل الزنا والقتل والكفر والغصب بأي حال، لأن هذه مفاسد في ذاتها
ومن مخالفة مبادئ الشريعة: الصلح الدائم مع اليهود إذ لا يجوز الصلح مع الأعداء إلا على أساس قواعد عهد الذمة
والتزام الأحكام الإسلامية كما لا يجوز إقرار الغاصب لبلادنا على غصبه، وكل ما يجوز هو الهدنة المؤقتة
التي يجوز تمديد مدتها بحسب الضرورة أو الحاجة.

5- أن يقتصر فيما يباح تناوله للضرورة في رأي جمهور الفقهاء على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر، لأن إباحة الحرام ضرورة،
والضرورة تقدر بقدرها، وسنفصل الكلام عن هذا المعنى في قواعد الضرورة.

6- أن يصف المحرم – في حال ضرورة الدواء – طبيب عدل ثقة ففي دينه وعلمه، وألا يوجد من غير المحرم علاج أو تدبير آخر
يقوم مقامه حتى يتوفر الشرط السابق: وهو ألا يكون ارتكاب الحرام متعيناً.

7- أن يمر ـ في رأي الظاهرية ـ على المضطر للغذاء يوم وليلة، دون أن يجد ما يتناوله من المباحات ، وليس أمامه إلا الطعام الحرام،
وتحديد المدة على هذا النحو مأخوذ من الحديث الشريف السابق في إباحة أكل الميتة ومعناه "أن يأتي الصبوح والغبوق، ولا يجد ما يأكله"
أي يأتي الصباح والمساء ولا يجد الإنسان طعامهما أو لبنهما المعتاد المعروف بالصبوح والغبوق.
والأصح أنه لا يتقيد الاضطرار بزمن مخصوص لاختلاف الأشخاص في ذلك.

قال الإمام أحمد: إن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل من الحرام،
وذلك إذا كان المضطر يخشى على نفسه سواء أكان من جوع أو يخاف إن ترك الأكل من الميتة ونحوها، عجز عن المشي،
وانقطع عن الرفقة، فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور.

8- أن يتحقق ولي الأمر – في حال الضرورة والعامة – من وجود ظلم فاحش ، أو ضرر واضح ، أو حرج شديد ،
أو منفعة عامة بحيث تتعرض الدولة للخطر، إذا لم تأخذ بمقتضى الضرورة وبناء عليه تسامح بعض الفقهاء في شئون العلاقات الخارجية أو التجارة الدولية ،
فأجازوا مثلاً للدولة في تعاملها مع الأجانب دفع أتاوات سنوية لدفع خطر الأعداء ، أو من أجل المحافظة على كيان البلاد،
كما أن بعض الفقهاء أجاز دفع فوائد ربوية عن قروض خارجية تمس إليها حاجة الدولة العامة.

9- أن يكون الهدف في حالة فسخ العقد للضرورة هو تحقيق العدالة
أو عدم الإخلال بمبدأ التوازن العقدي بين المتعاقدين
ابو تميـــــم


الضرورة تقدر بقدرها

من المعروف أن هناك قاعدة تقول:الضرورات تبيح المحظورات ،فهل كل ضرورة تبيح المحظور وماهي ضوابط هذا الأمر؟

وضع الفقهاء قواعد للأحكام، ويخرج عن هذه القواعد بعض الاستثناءات منها حالة الضرورة،فقد يباح الشيء المحرم للضرورة ،
كأكل الميتة عند غلبة الظن في هلاك الإنسان ونحو ذلك ،ولكنهم ضبطوا قاعدة الضرورة بقاعدة أخرى، وهي: الضرورة تقدر بقدرها.
فقدجاء في كتاب درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر من فقهاء الحنفية:

ما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها . أي أن الشيء الذي يجوز بناء على الضرورة يجوز إجراؤه بالقدر الكافي
لإزالة تلك الضرورة فقط ، ولا يجوز استباحته أكثر مما تزول به الضرورة . مثلا : لو أن شخصًا كان في حالة الهلاك من الجوع
يحق له اغتصاب ما يدفع جوعه من مال الغير لا أن يغتصب كل شيء وجده مع ذلك الغير ، كذلك جوز البيع بخيار التعيين
في شيئين أو ثلاثة لا أزيد كأربعة أشياء أو خمسة ، إذ لا ضرورة تدعو للزيادة ; لأن ما أبيح للضرورة إنما يتقدر بقدرها ،
كذلك لو أحدث شخص نافذة تشرف على مقر نساء الجيران فيؤمر بإزالة الضرر عن الجار بصورة تمنع الضرر فقط ،
ولا يجبر صاحب النافذة على سدها بالكلية .

والضرورة : هي الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعا .

والحاجة : أما الحاجة فإنها وإن كانت حالة جهد ومشقة فهي دون الضرورة ،
ولا يتأتى معها الهلاك فلذا لا يستباح بها الممنوع شرعا . مثال ذلك : الصائم المسافر بقاؤه صائما يحمله جهدا ومشقة
فيرخص له الإفطار لحاجته للقوة على السفر
ابو تميـــــم

الرخصة الشرعية .. التعريف والحكم


1 - الرخصة الشرعية: هي ما شرع من الأحكام لعذر، تخفيفًا عن المكلفين، مع قيام السبب الموجب للحكم الأصلي.

ولا خلاف في مشروعية الأخذ بالرخص الشرعية إذا وجدت أسبابها، بشرط التحقق من دواعيها،
والاقتصار على مواضعها، مع مراعاة الضوابط الشرعية المقررة للأخذ بها.
2 - المراد بالرخص الفقهية: ما جاء من الاجتهادات المذهبية مبيحًا لأمر في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره.

والأخذ برخص الفقهاء: بمعنى اتباع ما هو أخف من أقوالهم، جائز شرعًا بالضوابط الآتية في (البند 4).

3 - الرخص في القضايا العامة تعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية إذا كانت محققة لمصلحة معتبرة شرعًا،
وصادرة عن اجتهاد جماعي ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية.
4 - لا يجوز الأخذ برخص المذاهب الفقهية لمجرد الهوى، لأن ذلك يؤدي إلى التحلل من التكليف،
وإنما يجوز الأخذ بالرخص بمراعاة الضوابط التالية:

أ - أن تكون أقوال الفقهاء التي يترخص بها معتبرة شرعًا ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال.
ب - أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة، دفعًا للمشقة سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع أم خاصة أم فردية.
جـ- أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.
د - ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع الآتي بيانه في (البند 6).
هـ- ألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.
و - أن تطمئن نفس المترخص للأخذ بالرخصة.
5 - حقيقة التلفيق في تقليد المذاهب: هي أن يأتي المقلد في مسألة واحدة ذات فرعين مترابطين فأكثر
بكيفية لا يقول بها مجتهد ممن قلدهم في تلك المسألة.
6 - يكون التلفيق ممنوعًا في الأحوال التالية:
أ - إذا أدى إلى الأخذ بالرخص لمجرد الهوى، أو الإخلال بأحد الضوابط المبينة في مسألة الأخذ بالرخص.
ب - إذا أدى إلى نقض حكم القضاء.
جـ- إذا أدى إلى نقض ما عمل به تقليدًا في واقعة واحدة.
د - إذا أدى إلى مخالفة الإجماع أو ما يستلزمه.
هـ- إذا أدى إلى حالة مركبة لا يقرها أحد من المجتهدين.
ابو تميـــــم

الحاجة إلى فقه الأولويات


السؤال: سمعنا مؤخرا بمصطلح جديد في علوم الشريعة هو فقه الأولويات. فما هو؟
وهل هذا المصطلح فرضه واقع المسلمين أم له جذور في الفقه الإسلامي، ولدى الفقهاء من قبل؟


يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:

هذا اللون من الفقه كنت سمَّيته في كتابي "الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف" فقه مراتب الأعمال،
أقصد أن لكل عمل في الإسلام مرتبة أو تسعيرة، أي درجة وقيمة معيّنة، في المأمورات والمنهيات،
لكني بعد ذلك رجحت أن أطلق على هذا النوع من الفقه فقه الأولويات،
واشتهر وانتشر، وكتب فيه الكثيرون، والقصد هنا أن يعرف الناس التقديم، لأننا كثيرًا نؤخِّر التقديم ونقدِّم التأخير،
نكبِّر الصغير ونصغِّر الكبير، نعظِّم الهيِّن ونهوّن العظيم، فلا بد أن نضع كل عمل في مرتبته التي وضعها فيها الشرع.
من أخطر الأشياء أن نجعل ما رقمه واحد رقمه سبعين. فالنبي -صلى الله عليه وسلم-
يقول: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).
فلا بد من المحافظة على ترتيب المنازل، وهذا أمر فرّط فيه المسلمون للأسف،
لذلك احتجنا أن ننّوه إليه ونؤكد عليه ونكرره ونضرب له الأمثلة ونُدرج الأدلّة حتى يتفقّه المسلمون في هذا الأمر،
فهو من أفضل ما قد يصل إليه المسلم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).

جذوره في الفقه الإسلامي:

فقه الأولويات له جذور.. وإنما لم يعبر عنه مثل هذا التعبير، إنما وجد البحث في التفضيل بين الأشياء فوجدنا من يقول مثلا:
(إن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور)،
وقد رأينا من يقول: (من ضيَّع الأصول حُرم الوصول)، ورأينا ابن تيمية يقول: (جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس أعمال الحج)،
أخذًا بقوله تعالى: [أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله
والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون].

رأينا الإمام الغزاليّ وهو أوسع من تحدث في هذا الموضوع، في كتابه "الإحياء" وكتابه "الغرور"،
حيث يتحدث عن غرور بعض الناس بحيث يقدمون أشياء لا تستحق التقديم على أشياء أهم منها وأخطر وأثقل ميزانا،
وقال (إنَّ فقْدَ الترتيب بين الخَيْرات من جملة الشرور)، فقال مثلا: نقدم الفرض على النافلة، ونقدم فرض العين على فرض الكفاية،
ونقدم فرض الكفاية الذي لم يقُم به أحد على فرض الكفاية الذي قام به بعض الناس، ففرض كفاية أن يوجد بعض الناس يشتغلون بالفقه،
وفرض كفاية أن يوجد بعض الناس يشتغلون بالطب، ومما عابه الإمام أن يكون بالقرية الواحدة مثلا خمسون فرداً يشتغلون بالفقه،
ولا يوجد مسلم واحد يشتغل بالطب، إنما يعالج المسلمين والمسلمات أناس من أهل الذمة، هذا نوع من الخلل، فهو ذكر هذه الأشياء.
كذلك هناك فرض له موعد معين فلا بد أن يؤدَّى فيه ويقدم على الفرض المطلق، مثل صلاة الجمعة لا بد أن تؤدى في موعدها،
وهناك فرض آخر يمكن أن يؤدى بعد الصلاة، فلا بد أن نرتب بين الخيرات .

وقال: ترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، وهناك أئمة وعلماء تحدثوا عن الموضوع في مناسبات شتى، فمثلاً ابن القيم تحدث
عن أفضل الأعمال التي يُعبد بها الله تعالى، فقال بعض الناس: أفضل الأعمال أشقّها، وقال البعض ما يتعدى نفعه للغير، وهو انتهى بأنه
قال لا يوجد شيء اسمه أفضل الأعمال بإطلاق، إنما كل واحد في ظرفه المعين ووضعه الخاص يوجد أفضل عمل بالنسبة له، ليس الأفضل
بالنسبة للغريب أن يصوم، بل أن ينفق ماله في سبيل الله وفي خدمة المجتمع، وبالنسبة للعالم أفضل عمل أن يعلم الناس،
وأفضل عمل للحاكم أن يعدل بين الناس (يوم من والٍ عادل أفضل من عبادة ستين سنة)، وهكذا قال صلى الله عليه وسلم
عندما سُئل ما أفضل الأعمال يا رسول الله؟ فكانت إجابته تختلف من شخص لآخر فكان يقول للبعض: الإيمان بالله تعالى
وللبعض: الصلاة لوقتها، ولآخرين بر الوالدين وهكذا..، لأنه يعطي كل إنسان ما هو أكثر حاجة إليه، فأحدهم
يقول للرسول صلى الله عليه وسلم أوصني ما أفضل عمل يدخلني الجنة، فكان يقول للبعض صل رحمك،
وآخر يقول له لا تغضب...، من أجل هذا ينبغي أن يكون الداعية مع من يُعلِّمه كالطبيب مع المريض،
يعطيه ما يفيده في مداواة مرضه.
ابو تميـــــم

فقه الموازنــات

السؤال ما المقصود بفقه الموازنات؟

يجيب الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي

فقه الموازنات نعني به جملة أمور:

أ - الموازنة بين المصالح بعضها وبعض، من حيث حجمها وسعتها، ومن حيث عمقها وتأثيرها،
ومن حيث بقاؤها ودوامها ومن حيث تيقنها أو توهمها… وأيها ينبغي أن يقدم ويعتبر وأيها ينبغي أن يسقط ويلغى.
ب - الموازنة بين المفاسد بعضها وبعض، من تلك الحيثيات التي ذكرناها في شأن المصالح
وأيها يجب تقديمه، وأيها يجب تأخيره أو إسقاطه.
ج- الموازنة بين المصالح والمفاسد، إذا تعارضتا، بحيث نعرف متى تقدم
درء المفسدة على جلب المصلحة، ومتى تغتفر المفسدة من أجل المصلحة.

إن المصالح إذا تعارضت قوتت المصلحة الدنيا في سبيل المصلحة، العليا، وضحي بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة،
ويعوض صاحب المصلحة الخاصة عما ضاع من مصالحه، أو ما نزل به من ضرر، وألغيت المصلحة الطارئة لتحصيل الدائمة أو الطويلة المدى،
وأهملت المصلحة الشكلية لتحقيق المصلحة الجوهرية، وغلبت المصلحة المتيقنة على المظنونة أو الموهومة.

وفي صلح الحديبية رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يغلب المصالح الحقيقية والأساسية والمستقبلية على بعض الاعتبارات
التي يتمسك بها بعض الناس، فقبل من الشروط ما قد يظن لأول وهلة أن فيه إجحافًا بالجماعة المسلمة، أو رضًا بالدون،
ورضي أن تحذف البسملة المعهودة،ويكتب بدلها باسمك اللهم وأن يمحى وصف الرسالة من عقد الصلح،
ويكتفى باسم محمد بن عبد الله ، والأمثلة كثيرة ، والمجال ذو سعة.

وإذا تعارضت المفساد والمضار، ولم يكن بد من بعضها، فمن المقرر أن يرتكب أخف المفسدتين، وأهون الضررين.
هكذا قرر الفقهاء: إن الضرر يزال بقدر الإمكان، وأن الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه،
وأنه يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
ولهذا أمثلة وتطبيقات كثيرة ذكرتها كتب القواعد الفقهية أو الأشباه والنظائر.
ونحن نقول هنا: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، أو المنافع والمضار، فالمقرر أن ينظر
إلى حجم كل من المصلحة والمفسدة، وأثرها ومداها.
فتغتفر المفسدة اليسيرة لجلب المصلحة الكبيرة.
وتغتفر المفسدة المؤقتة لجلب المصلحة الدائمة أو الطويلة المدى.
وتقبل المفسدة وإن كبرت إذا كانت إزالتها تؤدي إلى ما هو أكبر منها.
وفي الحالات العادية: يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة.
وليس المهم أن نسلم بهذا الفقه نظريًا.. بل المهم كل المهم أن نمارسه عمليًا.
فكثير من أسباب الخلاف بين العلماء والدعاة في عصرنا، وكذلك بين الفصائل العاملة للإسلام يرجع إلى هذه الموازنات.
هل يقبل التحالف مع قوى غير إسلامية. هل تقبل مصالحة أو مهادنة مع حكومات غير ملتزمة بالإسلام ؟
هل تمكن المشاركة في حكم ليس إسلاميًا خالصًا؟ وفي ظل دستور فيه ثغرات أو مواد لا نرضى عنها تمام الرضا ؟
هل تمكن المشاركة ففي ظل دستور علماني خالص كما في تركيا ؟
هل ندخل في جبهة معارضة مكونة من بعض الأحزاب، ومنها أحزاب علمانية – لإسقاط نظام طاغوتي فاجر ؟
هل تقيم مؤسسات اقتصادية إسلامية مع سيطرة الاقتصاد الوضعي الربوي ؟
هل نجيز للعناصر المسلمة المتدينة أن تعمل في البنوك والمؤسسات الربوية والإعلامية وغيرها
أو ندعها للمتحللين والمتغربين وأمثالهم ونفرغها من كل عنصر مسلم ملتزم ؟
أدلة من القرآن على فقه الموازنات:
والمتدبر للقرآن الكريم مكيه، ومدنيه، يجد فيه أدلة كثيرة على فقه الموازنات والترجيح.
نجد في الموازنة بين المصالح قوله تعالى على لسان هارون لأخيه موسى عليهما السلام: "يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي
إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي".
فقدم وحدة الجماعة على أي اعتبار آخر، بصفة مؤقتة، حتى يعود موسى ويتفاهما على كيفية علاج المشكلة.
وفي الموازنة بين المفاسد والأضرار نجد قوله تعالى على لسان الخضر في تعليل خرق السفينة: "أما السفينة فكانت لمساكين
يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا".
فلأن تبقى السفينة لأصحابها وبها خرق أهون من أن تضيع كلها، فحفظ البعض أولى من تضييع الكل.
ومن أبلغ ما جاء في الموازنات قوله تعالى: "يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله
وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل".
فقد أقر بأن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن لمقاومة ما هو أكبر منه.

وفي الموازنة بين المصالح المعنوية والمادية، نقرأ قوله تعالى عتابًا للمسلمين عقب غزوة بدر: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى
حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخر والله عزيز حكيم"
وفي الموازنة بين المصالح والمفاسد نقرأ قوله تعالى: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما".
وفي الموازنة بين الجماعات والقوى غير المسلمة بعضها وبعض نقرأ أوائل سورة الروم، وفيها انتصار الروم على الفرس،
وكلا الفريقين غير مسلم، ولكن لأن الروم نصارى أهل كتاب، فهم أقرب إلى المسلمين من المجوس عباد النار،
ولهذا حزن المسلمون لانتصار الفرس، وفرح المشركون، ونزل القرآن يبشر المؤمنين بانتصار قريب للروم –
يقول تعالى: "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد
ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".
ابو تميـــــم

العلاقة بين فقه الأولويات وفقه المقاصد

ما العلاقة بين فقه الأولويات ومقاصد التشريع الإسلامي ،وأثر ذلك على عملية الإفتاء ؟

يجيب الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي

فمن حسن الفقه الربط بين فقه الأولويات وفقه مقاصد التشريع ، فالتشريعات جاءت في الإسلام معللة ،
فلابد من إدراك عللها وتحقيق مقاصدها ، وأن نفرق بين المقاصد الثابتة ، والوسائل المتغيرة .

مِنْ المُتَّفَق عليه، أن أحكام الشريعة في مجموعها مُعلَّلة، وأن وراء ظواهرها مقاصد هَدَفَ الشرع إلى تحقيقها. فإنَّ مِنْ أسماء الله ـ تعالى ـ
"الحكيم" الذي تَكرَّر في القرآن بِضْعًا وتسعين مرة. والحكيم لا يُشَرِّع شيئًا عبثًا ولا اعتباطًا، كما لا يَخلُق شيئًا باطلاً، سبحانه.

حتى التعبُّديات المَحْضَة في الشرع لها مقاصدها، ولهذا علَّلَ القرآن العبادات ذاتها، فالصلاة (تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ) (العنكبوت: 45)
والزكاة (تُطَهِّرُهُم وتُزَكِّيهُم بِهَا) (التوبة: 103)، والصيام (لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)،
والحج (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) (الحج: 28).
ومن حُسْن الفقه في دين الله أن نُدرك مقصود الشرع من التكليف، حتى نعمل على تحقيقه،
وحتى لا نُشدِّد على أنفسنا وعلى الناس فيما لا يتصل بمقاصد الشرع وأهدافه.
ومن هنا لا أرى مُبَرِّرًا للتشديد في ضرورة إخراج صدقة الفِطْر من الأطعمة في كل البيئات في عصرنا،
حتى المَدَنِيَّة والحضرية منها، فليستْ هي مقصودة لذاتها، إنما المقصود إغناء الفقير في هذا اليوم الأغَرِّ عن السؤال والطواف.

ولا أرى معنى للتشديد في رَمْي الجِمَار في الحَجِّ قبل الزوال، وإنْ ترتَّبَ على ذلك شدة الزحام وموت المئات
تحت الأقدام كما حدث في الموسم الماضي، فليس في الشرع ما يدل على أن هذا أمر مقصود لذاته.
بل المقصود هو ذِكْر الله، والمطلوب هو التيسير ورَفْع الحَرَج.
ومن المُهِمِّ هنا: التفريق بين المقاصد الثابتة والوسائل المُتَغَيِّرة،
فنكون في الأُولَى في صلابة الحديد، وفي الثانية في ليونة الحرير .
ابو تميـــــم

شــروط الفقيه


رجاء إرشادنا إلى الخطوات التي بها يستطيع الإنسان أن تكون لديه ملكة فقهية؟


يجيب الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي

أول شيء أن يحاول استجماع الشروط التي لا بد منها ليمارس الإنسان الفقه مثل:
حفظ القرآن الكريم، أو على الأقل القدرة على استحضار الآيات المتعلقة بالأحكام منه بسهولة

الشيء الثاني: الاطلاع على السنة النبوية، وخصوصًا ما يتعلق بالأحكام منها،
وقد جُمعت أحاديث الأحكام في كتب مثل: منتقى الأخبار للجد ابن تيمية -الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار-،
وعمدة الأحكام للمقدسي -الذي شرحه ابن دقيق العيد في كتاب الأحكام، ولو توسع قليلا سيجد هناك كتبًا أخرى

ولا بد أن يعرف الصحيح من الضعيف؛ لأنه من المتفق عليه أن الحديث الضعيف لا يُقبل في الأحكام؛
وهذا يجعله لا بد أن يتمرس بمراجعة كتب التخريج مثل: نَصْب الراية إلى آخره؛
المهم أن يتضلع من أحاديث السنة، وما يتعلق بأحاديث الأحكام فيها

الأمر الثالث: معرفة اللغة العربية، والتمكن منها حتى يعرف دلالات الألفاظ والعبارات والجمل،
ويعرف الحقيقة من المجاز، والمنطوق من المفهوم، والعام من الخاص، والمطلق من المقيد إلى آخره

والأمر الرابع: دراسة أصول الفقه، ومعرفة مقاصد الشريعة، ومعرفة القواعد الفقهية هذا أمر مهم،
حيث يعرف القياس وشروط القياس، والعلة وشروط العلة إلى آخره .

الأمر الخامس: ممارسة الفقه نفسه، أن يعيش في الفقه ويطّلع على الفقه.. الفقه المذهبي، والفقه العام، والفقه المقارن،
وعلى الأقل يطلع على أحد المذاهب، ويطوف بأبواب الفقه كلها ثم يقرأ في كتب الفقه المقارن أو الفقه العام مثل: "بداية المجتهد" لابن رشد،
"المحلى" لابن حزم، "المغني" لابن قدامة، و"المجموع" للنووي، "الاستذكار" لابن عبد البر… إلى آخره، وليس من الضروري
أن يقرأ هذه الكتب من ألفها إلى يائها، وإنما الضروري أن يعرف كيف يرجع إلى ما يريده منها عند اللزوم، يطالع فيها كثيرا؛
حتى يتمرسها ويعرف مواضع الإجماع من مواضع الخلاف، ويعرف أسباب اختلاف الفقهاء وتعدد المذاهب، وأصول كل مذهب،
ولماذا اختلف الأئمة بعضهم مع بعض في المسألة الواحدة،
هذا أمر لا بد أن يعايشه ويمارسه مدة من الزمن، قد تقصر أو تطول بالنسبة لشخص أو آخر
حتى تتكون عده الملكة ،ويحسن به أن يتتلمذ مباشرة على بعض الفقهاء؛ ليأخذ عنهم ويتلقى منهم العلم مصاحبًا ومشافهة؛
فالعلم لا بد أن يؤخذ من أهله، فإن لم يتمكن من ذلك فعلى الأقل يتتلمذ على يد بعض العلماء:
قراءة لكتبهم، وسماعًا لأشرطتهم، ومتابعة لأسئلتهم ولأجوبته، وفتاواهم
حتى يصبح ذلك بمنزلة المعايشة لهم بقدر الإمكان.
ابو تميـــــم

الدين المعاملة

الدين المعاملة" هل هذا حديث شريف أم قول؟
برجاء شرح هذه الجملة والمقصود منها وموقعها من تعاليم الدين وأهميتها
وأثرها على العلاقات بين افراد المجتمع وعلى المنهج الديني؟



يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:

الدين المعاملة ليس بحديث ولكنه من كلام العلماء وإن كان معناه مما اتفق عليه كافة العلماء وهو ضرورة التحلى
بكافة الأخلاق الإسلامية، والعبادات الإسلامية الكبرى ذات أهداف أخلاقية واضحة.

فالصلاة وهي العبادة اليومية الأولى في حياة المسلم، لها وظيفة مرموقة في تكوين الوازع الذاتي،
وتربية الضمير الديني: (وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
والصلاة كذلك مدد أخلاقي للمسلم يستعين به في مواجهة متاعب الحياة:
(يا آيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة)

والزكاة وهى العبادة التي قرنها القرآن بالصلاة ـ ليست مجرد ضريبة مالية، تؤخذ من الأغنياء، لترد على الفقراء.
إنها وسيلة تطهير وتزكية في عالم الأخلاق، كما أنها وسيلة تحصيل وتنمية في عالم الأموال:
(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).

والصيام في الإسلام، إنما يقصد به تدريب النفس على الكف عن شهواتها، والثورة على مألوفاتها.
وبعبارة أخرى: إنه يهيئ النفس للتقوى وهى جماع الأخلاق الإسلامية:
(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

والحج تدريب للمسلم على التطهر والتجرد والترفع عن زخارف الحياة وترفها، وخضامها وصراعها.
ولذا يفرض في الحج الإحرام ليدخل المسلم حياة قوامها البساطة والتواضع والسلام والجدية والزهد في مظاهر الحياة الدنيا:
(الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).

وحين تفقد هذه العبادات الإسلامية هذه المعاني ولا تحقق هذه الأهداف تفقد بذلك معناها وجوهر مهمتها،
وتصبح جثة بلا روح. ولا غرو أن جاءت الأحاديث النبوية الشريفة تؤكد ذلك بأسلوب بليغ واضح.

فتقول عن الصلاة: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء، فلا صلاة له"، "كم من قائم (أي الليل بالتهجد) ليس له من قيامه إلا السهر".
وعن الصيام: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"،
"كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش".

الأخلاق والاقتصاد:

وللأخلاق الإسلامية مجالها وعملها في شئون المال والاقتصاد، سواء في ميدان الإنتاج أم التداول أم التوزيع أم الاستهلاك.
فليس للاقتصاد أن ينطلق ـ كما يشاء ـ بلا حدود ولا قيود، دون ارتباط بقيم، ولا تقيد بمثل عليا،
كما هي دعوة بعض الاقتصاديين للفصل بين الاقتصاد والأخلاق.

ليس للمسلم أن ينتج ما يشاء ولو كان ضارا بالناس ماديا أو معنويا، وإن كان يستطيع
أن يحصل هو من وراء هذا الإنتاج أعظم الأرباح، وأكبر المنافع.

إن زراعة التبغ "الدخان" أو "الحشيش" ونحوه من المواد المخدرة أو الضارة قد يكون فيها مكسب مادي كبير.
ولكن الإسلام ينهاه أن يكون كسبه ونفعه من وراء خسارة غيره وضرره.
وإن تصنيع الأعناب ليصبح عصيرها خمرا يجلب أرباحا وفيرة ويحقق منافع اقتصادية للمنتجين من أصحاب الكروم،
ولكن الإسلام أهدر هذه المنافع في مقابل المضار الضخمة التي تترتب على الخمر في العقول والأبدان والأخلاق،
وتتمثل فسادا في الأفراد والأسر والجماعات. يقول القرآن:
(يسألونك عن الخمر والميسر، قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما).

وليس للمسلم ـ في ميدان التبادل ـ أن يتخذ بيع الخمر أو الخنزير أو الميتة أو الأصنام، تجارة. أو يبيع شيئا لمن يعلم أنه يستعمله
في شر أو فساد أو إضرار بالآخرين. كالذي يبيع عصير العنب ـ أو العنب نفسه ـ ممن يعلم أنه يتخذه خمرا، أو يبيع السلاح ممن يعلم أنه يقتل به بريئا،
أو يستخدمه في ظلم وعدوان. وفي الحديث: "إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه"، وفيه: "من حبس العنب أيام القطاف،
حتى يبيعه من يهودي ـ أي له ـ أو نصراني، أو ممن يتخذه خمرا ـ أي ولو كان مسلما ـ فقد تقحم النار على بصيرة".

وليس للمسلم أن يحتكر الطعام ونحوه مما يحتاج إليه الناس رغبة في أن يبيعه بأضعاف ثمنه.
وفي الحديث الصحيح: "لا يحتكر إلا خاطئ" أي آثم. كما قال تعالى: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين).
وليس للتاجر المسلم أن يخفي مساوئ سلعته وعيوبها، ويبرز محاسنها مضخمة مكبرة، على طريقة الدعاية الإعلامية المعاصرة،
ليبذل المشترون المخدوعون فيها من الثمن أكثر مما تستحق. فهذا غش يبرأ منه الإسلام، ورسول الإسلام: "من غش فليس منا".

وفى مجال التوزيع والتملك، لا يجوز للمسلم أن يتملك ثروة من طريق خبيث، ولا يحل له أن يأخذ ما ليس له بحق لا بالعدوان ولا بالحيلة.
كما لا يحل للمسلم الملك بطريق خبيث، لا يحل له تنمية ملكه بطريق خبيث كذلك.
لهذا حرم الله الربا والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، والظلم بكل صوره، والضرر والضرار بكل ألوانه.

وفي مجال الاستهلاك، لم يدع الإسلام للإنسان حبله على غاربه، ينفق كيف يشاء، ولو آذى نفسه أو أسرته أو أمته.
بل قيده بالاعتدال والتوسط فقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)،
(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين)، وحمل على الترف والمترفين، وحرم كل ما هو من مظاهر الترف
مثل أواني الذهب والفضة، فحرمها على الرجال والنساء جميعا، كما حرم على الرجال لبس الذهب والحرير.

وبهذا تميز الاقتصاد الإسلامي بهذه الخصيصة العظيمة من خصائصه، أنه "اقتصاد أخلاقي"، وشهد له بذلك الباحثون الأجانب.
يقول الكاتب الفرنسي "جاك أوستروي" في كتابه عن "الإسلام والتنمية الاقتصادية".

"الإسلام هو نظام الحياة التطبيقية والأخلاق المثالية الرفيعة معا، وهاتان الوجهتان مترابطتان لا تنفصلان أبدا.
ومن هنا يمكن القول: إن المسلمين لا يقبلون اقتصادا (علمانيا).
والاقتصاد الذي يستمد قوته من وحي القرآن يصبح بالضرورة، اقتصادا أخلاقيا.

وهذه الأخلاق تقدر أن تعطي معنى جديدا لمفهوم "القيمة" وتملأ الفراغ الفكري الذي يوشك أن يظهر من نتيجة (آلية التصنيع).
"لقد استنكر (بركس) النتائج المؤذية لنمو حضارة (الجنس) في الغرب، ويقلق الاقتصاد اليوم من سطوة "قيم الرغبات" على القيم الحقيقية.
"والآن بدأ الغرب يعي النتائج المؤذية من جراء مفاوضات عالمية لعالم غير مستقر... فلقد وجد الرجل نفسه مفصولا عن عمله،
فالآلة أصبحت السيد، وحياة التطرف في وسائل الراحة كالسيارات وغيرها. والاهتمام بالتوافه،
ولم يهتم الغرب أبدا عداء (الآلة) للإنسان، وهى تشكل أفقا لقسم هام من الإنسانية".

"ولم يغب عن الإسلام الواعي هذا الدرس في متناقضات الغرب، ولكي يقف في مواجهة الغرب ـ
محققا في الوقت نفسه وجهته الاقتصادية ـ عمد الإسلام لإدخال قيمه الأخلاقية في الاقتصاد…
وهكذا يخضع العناصر المادية في الاقتصاد لمتطلبات العدل.

"وهذا اللقاء بين الأخلاق والاقتصاد الذي يلج عليه (ج. يرث) لم يوجد صدفة في الإسلام
الذي لا يعرف الانقسام بين الماديات والروحيات.

"وإذا كان اقتران البروتستانية مع الوثبة الصناعية مزورا، وإذا كانت الصلة بينهما موضع نقاش،
فهذا غير كائن في الإسلام، لأن غالبية تشريعه الإلهي تمنع كل تنمية اقتصادية لا تقوم عليها.
ابو تميـــــم

تابع / ... الدين المعاملة


"وعلى النقل التقليدي السريع لتجربة الغرب (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) يجب ألا يخفي استحالة هذا التمييز في الإسلام،
وفصل الدين عن الدولة الذي أدخل الفاعلية المادية في الغرب، لا معنى له في الإسلام، حيث لا تولد الفعالية في المجال الفكري وخارجه،
بل باستلهام من قوة الإسلام ومن الوحي المنزل".

وإذا استقرأنا الواقع التطبيقي، وجدنا أثر هذا الاقتران بين الاقتصاد والأخلاق، واضحا وعميقا في تاريخ المسلمين،
وخاصة يوم كان الإسلام هو المؤثر الأول في حياتهم، والموجه الأول لنشاطهم وسلوكهم.

السياسة والأخلاق:

وكما ربط الإسلام الاقتصاد بالأخلاق، ربط بها السياسة أيضا، فليست السياسة الإسلامية سياسة "ميكافيلية" ترى أن الغاية تبرر الوسيلة أيا كانت صفتها،
بل هي سياسة مبادئ وقيم، تلتزم بها، ولا تتخلى عنها، ولو في أحلك الظروف، وأحرج الساعات. سواء في علاقة الدولة المسلمة بمواطنيها داخليا،
أم في علاقتها الخارجية بغيرها من الدول والجماعات.

إن الإسلام يرفض كل الرفض الوسيلة القذرة، ولو كانت للوصول إلى غاية شريفة: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"، فالخبيث من الوسائل،
كالخبيث من الغايات مرفوض، ولا بد من الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة.
في علاقة الدولة بمواطنيها يقول الله تعالى مخاطبا أولي الأمر في المسلمين: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا).

فأداء الأمانات ـ بمختلف أنواعها المادية والأدبية ـ إلى مستحقيها، والحكم بين الناس ـ كل الناس ـ بالعدل، هو واجب الدولة المسلمة مع رعاياها.

ولا يجوز للحاكم المسلم أن يحابى أحد أقاربه أو حاشيته، فيوليه ما لا يستحق، ويحرم من يستحق، والرسول صلى الله عليه وسلم
يجعل هذا إيذانا باقتراب ساعة هلاك الأمة، فقد سأل رجل يوما عن الساعة فقال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة؟ ق
يل: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

كما لا يجوز إسقاط عقوبة مقررة عمن يستحقها لنسبه أو جاهه أو قربه من ذوي السلطان، وفي هذا جاء الحديث:
"إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله،
لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

إن السياسة الإسلامية في الداخل يجب أن تقوم على أساس العدل والإنصاف

والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات والعقوبات، وعلى الصدق مع الشعب ومصارحته بالحقيقة دون تضليل أو تدجيل وكذب عليه،
فإن أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم "ملك كذاب" كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي علاقة الدولة بغيرها من الدول يجب عليها الوفاء بعهودها، وجميع التزاماتها، واحترام كلمتها.

يقول تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون،
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة، إنما يبلوكم الله به، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون،
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون)

ففي هاتين الآيتين يأمر الله تعالى باحترام العهود والمواثيق ويضيفها إلى الله تعالى "عهد الله" ويحذر من نكث العهود بعد إبرامها،
كفعل تلك المرأة الحمقاء التي تنقض غزلها من بعد إحكامه، وقوة إبرامه، وينادي بأن تكون المعاهدات والاتفاق بين الأمم مبنية على الإخلاص وحسن النوايا،
دون الدخل والغش الذي يقصد به أن تكون أمة هي أربى وأزيد نفعا من أمة، فتستفيد من المعاهدة على حساب أمة أخرى. وهو ما نشاهده في معاهدات هذا الزمان.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالا يحتذى في احترام الاتفاقات، ورعاية العهود،
وإن رأى أصحابه فيها أحيانا ما يعتقدونه إجحافا بالمسلمين، كما في صلح الحديبية.

ولما جاء رجل يريد أن ينضم إلى جيش المسلمين في إحدى الغزوات ضد قريش، وكان الرجل قد عاهدهم ألا يحارب في صف عدوهم،
لم يستجب له النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره بالوفاء قائلا: "نفى لهم، ونستعين الله عليهم".

فإذا كان بعض الناس يعتقد أن السياسة لا أخلاق لها، فهذا أبعد ما يكون عن سياسة الإسلام،
التي تقوم ـ أول ما تقوم ـ على العدل والوفاء والصدق والشرف ومكارم الأخلاق.

الحرب والأخلاق:

وإذا كانت تلك هي سياسة الإسلام في السلم، فإن سياسته في الحرب أيضا لا تنفصل عن الأخلاق.
فالحرب لا تعني إلغاء الشرف في الخصومة، والعدل في المعاملة، والإنسانية في القتال وما بعد القتال.
إن الحرب ضرورة تفرضها طبيعة الاجتماع البشري، وطبيعة التدافع الواقع بين البشر الذي ذكره القرآن الكريم بقوله:
(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا)،
(لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)

ولكن ضرورة الحرب لا تعني الخضوع لغرائز الغضب والحمية الجاهلية وإشباع نوازع الحقد والقسوة والأنانية.
إذا كان لا بد من الحرب، فلتكن حربا تضبطها الأخلاق، ولا تسيرها الشهوات، لتكن ضد الطغاة والمعتدين لا ضد البرآء والمسالمين.
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام،
أن تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب).

إذا كان لا بد من الحرب، فلتكن في سبيل الله، وهو السبيل الذي تعلو به كلمة الحق والخير ـ لا في سبيل الطاغوت ـ
الذي تعلو به كلمة الشر والباطل، (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت،
فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا).

لتكن من أجل استنقاذ المستضعفين، لا من أجل حماية الأقوياء المتسلطين:
(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون:
ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).

ولتتقيد الحرب بأخلاق الرحمة والسماحة، ولو كانت مع أشد الأعداء شنآنا للمسلمين، وعتوا عليهم.

وإذا كان كثير من قادة الحروب وفلاسفة القوة، لا يبالون أثناء الحرب بشيء إلا التنكيل بالعدو، وتدميره، وإن أصاب هذا التنكيل
من لا ناقة له في الحرب ولا جمل، فإن الإسلام يوصى ألا يقتل إلا من يقاتل، ويحذر من الغدر والتمثيل بالجثث وقطع الأشجار،
وهدم المباني، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة والمزارعين المنقطعين لحراثة الأرض.

وفي هذا جاءت آيات القرآن الكريم، ووصايا الرسول الكريم، وخلفائه الراشدين، ففي القرآن:
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين)

وفي السنة كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه إذا توجهوا للقتال بقوله:
"اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا…".

وكذلك كان الخلفاء الراشدون المهديون من بعده يوصون قوادهم: ألا يقتلوا شيخا، ولا صبيا،
ولا امرأة، وألا يقطعوا شجرا، ولا يهدموا بناء".
بل نهوهم أن يتعرضوا للرهبان في صوامعهم، وأن يدعوهم وما فرغوا أنفسهم له من العبادة.

يذكر المؤرخون المسلمون أن الخليفة الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه ـ في المعارك الكبرى التي دارت بين المسلمين

والإمبراطوريتين العتيدتين فارس والروم ـ أرسل إليه رأس أحد قادة الأعداء من قلب المعركة إلى المدينة عاصمة الدولة الإسلامية،
وكان القائد يظن أنه يسر بذلك الخليفة، ولكن الخليفة غضب لهذه الفعلة لما فيها من المثلة، والمساس بكرامة الإنسان فقالوا له:
إنهم يفعلون ذلك برجالنا، فقال الخليفة في استنكار: آستنان بفارس والروم؟ لا يحمل إلى رأس بعد اليوم!

وبعد أن تضح الحرب أوزارها، يجب ألا ينسى الجانب الإنساني
والأخلاقي في معاملة الأسرى وضحايا الحرب.
ابو تميـــــم

تابع / .... الدين المعاملة


يقول الله تعالى في وصف الأبرار من عباده:
(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).
والأخلاق في الإسلام إنسانية عالمية، لا تبيح لجنس ما تحرمه على آخر، العرب والعجم فيها سواء، بل المسلمون
وغيرهم أمام أخلاقها سواسية، الربا حرام مع المسلم والكافر، والسرقة حرام لمال المسلم والكافر، والزنا حرام بالمسلمة وغير المسلمة،
والعدل واجب مع المسلم وغير المسلم، والعدوان حرام على المسلم وغير المسلم. وفي هذا يقول القرآن:
(لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)

وبهذا تنزهت الأخلاق الإسلامية عن النزعة العنصرية القومية التي اتسمت بها الأخلاق اليهودية، والأخلاق القبلية والبدائية على وجه العموم.
ولقد جاء الإسلام في مجال الأخلاق بما يلائم الفطرة والطبيعة البشرية ويكملها، لا بما يصادرها
ويصدمها فما كان الله ليخلق الإنسان على طبيعة ثم يكلفه أن يقهرها ويقتلها، أو يبطل أثرها ويجمدها.

ومن هنا اعترف الإسلام بالكائن الإنساني، كما خلقه الله، بدوافعه النفسية، وميوله الفطرية، وكل ما صنعه أنه هذبها وسما بها،
ووضع لها الحدود التي تصان بها مصلحة المجتمع، ومصلحة الفرد ذاته. ولهذا أباحت الشريعة التمتع بالطيبات والزينة،
وشرعت الملكية الخاصة، ولم تنظر للغرائز على أنها رجس من الشيطان.

رغب الإسلام في النظافة والزينة، وجعلهما من مقدمات الصلاة وشروطها (خذوا زينتكم عند كل مسجد).
أنكر القرآن بشدة على الذين يحرمون (زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).
فإذا كانت المسيحية ترى أن الغنى لا يدخل ملكوت السموات، فالإسلام يقول: "نعم المال الصالح للرجل الصالح".
وإذا كانت المسيحية قد أنشأت نظام الرهبانية العاتي بما فيه من قسوة على الجسد، ومصادرة للنوازع الفطرية،
فالإسلام ينهى عن التبتل، ويحض على الزواج، ويرى أن الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة،
بل يعتبر السعي على العيال، والقيام على شؤونهم ضربا من الجهاد في سبيل الله.

ولكن الإسلام في كل ما أباحه ـ مراعيا الطبيعة البشرية ـ قد وضح له الضوابط والحدود التي تقف عند حد الاعتدال،
ولا يستحيل بالإفراط والغلو إلى انطلاق حيواني ذميم.

ومن خصائص الأخلاق الإسلامية: أنها أخلاق واقعية، لا تصدر أوامرها ونواهيها لأناس يعيشون في أبراج عاجية،
أو يحلقون في أجواء المثالية المجنحة، إنما تخاطب بشرا يمشون على الأرض، لهم دوافع وشهوات، ولهم مطامع وأمال،
ولهم مصالح وحاجات، ولهم من دوافع الجسد ما ينزع بهم إلى الأرض، كما لهم من أشواق الروح ما يرتفع بهم إلى السماء.

لم يكلف القرآن الإنسان أن يحب أعداءه، وأن يبارك لاعنيه ـ كما أمر الإنجيل ـ فهذا شيء لا تطيقه النفس البشرية ـ إلا شذوذا ـ
وإنما أمر القرآن المؤمنين أن يعدلوا مع أعدائهم، ولا تحملهم عداوتهم وبغضهم على الاعتداء عليهم
(ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وهذا هو المقدور للبشر، وأنه مع ذلك لقمة لا يرتقي إليها إلا المؤمنون.

ولم يقل القرآن ما قال الإنجيل: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن سرق قميصك، فأعطه إزارك"
فهذا لا يستطيعه ـ كما يشهد الواقع ـ كل الناس، ولا في كل الأحوال. بل قال القرآن: (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح، فأجره على الله).

(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فأقر مبدأ العدل،
ثم فتح الباب للمتطلعين إلى السمو والكمال، ليعفوا ويصفحوا. الشيء الذي يحرمه الإسلام هو العدوان:
(ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وبذلك وفق الإسلام بين عدل التوراة وسماحة الإنجيل، وهذه هي الواقعية المالية المتوازنة.

لم يقل القرآن ما قال الإنجيل: "إذا أعثرتك عينك فاقلعها، وألقها عنك، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك من أن يلقى بدنك كله من جهنم"،
بل أمر المؤمنين والمؤمنات أن يغضوا من أبصارهم، كما أمرهم بالتوبة مما قد يبدر منهم، فقال: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)،
وعفا الرسول عن نظرة الفجاءة، وقال: "لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة".

ومن واقعية الأخلاق الإسلامية أنها لم تفترض في المؤمنين المتقين أن يكونوا ملائكة أولى أجنحة،
لا تسول لهم أنفسهم سوءا يوما، ولا يتورطون في أوحال الرذيلة أبدا، كلا إن الإنسان خلق على طبيعة مزدوجة،
جمعت بين طين وحمإ مسنون، وبين نفخة من روح الله. فليس بمستنكر أن يذنب، ثم يتوب. إنما المنكر أن يتمادى في الذنوب ويستمرئ الرذيلة والعصيان.
لقد أذنب آدم ـ أبو البشر ـ وتاب فتاب الله عليه، فلا غرابة أن يكون بنوه مثله، لهذا جعل القرآن من أصناف المتقين: (والذين إذا فعلوا فاحشة،
أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله، فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).

كما فرق القرآن بين كبائر الإثم وفواحشه، وبين صغائر السيئات ولمم الذنوب التي قلما يسلم منها أحد،
فهي في دائرة المسامحة والغفران ما اجتنبت الموبقات: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم، وندخلكم مدخلا كريما)

ومن واقعية الأخلاق الإسلامية أنها قدرت للضرورات قدرها، وراعت الأعذار والظروف المخففة، ولم تتزمت تزمت المثاليين المتطرفين الذين يقبلون أي استثناء.
ولهذا بعد أن ذكر القرآن محرمات الأطعمة، عقب عليها بقوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفورا رحيم).

ومن خصائص الأخلاق في الإسلام: أنها أخلاق إيجابية، فهي لا ترضى من المتحلي بها مسايرة الركب، أو المشي مع التيار،
أو العجز والاستسلام للأحداث توجه قياده كالريشة في مهب الريح. إنما تحث على القوة والكفاح، ومواصلة السعي في ثقة وأمل، وتقاوم العجز واليأس،
والتماوت والكسل، وكل أسباب الضعف. وفي القرآن الكريم: (خذ الكتاب بقوة).

وفى الحديث: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أنى فعلت كذا لكان كذا،
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان".

ويوصي الرسول بالعمل لعمارة الحياة حتى آخر لحظة في عمر الدنيا، ولو لم ينتفع بثمرة العمل أحد، ولكن احترام لقيمة العمل في ذاته،
"إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة يريد أن يغرسها، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها".

يرفض الإسلام الإتكالية المنهزمة التي نراها في قول أصحاب موسى له: (فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون)،
ولكن يريد الإيجابية الفعالة التي تتمثل في قول أصحاب محمد: "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون".

لم يكتف الإسلام من المسلم أن يكون مستقيما في نفسه، حتى يعمل على استقامة غيره، ولم يقبل المرء في عداد الفضلاء الصالحين
إذا صلح هو، ولم يأبه لفساد المجتمع من حوله، بل فرض على كل مسلم ـ بقدر كفايته واستطاعته ـ الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والمرحمة، والنصيحة في الدين،

والاهتمام بأمر المسلمين: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله)،
(والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، "الدين النصيحة"، "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

بهذا رفض الإسلام السلبية أمام الفساد الاجتماعي والسياسي، والتحلل الخلقي والديني، وطلب إلى المسلم أن يغير المنكر بيده،
فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
والتغيير بالقلب ليس سلبيا كما يظن، ولكنه تعبئة نفسية وشعورية ضد الفساد، لا بد أن تتجسد يوما في عمل ملموس.

ومن خصائص الأخلاق الإسلامية أنها أخلاق شاملة مستوعبة، فإذا ظن بعض الناس أن الأخلاق في الأديان تنحصر
في أداء الشعائر التعبدية ونحو ذلك، فهذا إن صح في أخلاق دين ما، لا يصح أن يوصف به قانون الأخلاق في الإسلام.

الناس تختلف مواهبهم وطاقاتهم الروحية والعقلية والوجدانية، وتتفاوت مطامحهم وآمالهم، ودرجات اهتمامهم، ولهذا جمعت الفكرة الأخلاقية في الإسلام،
ما فرقته الطوائف الدينية، والمذاهب الفلسفية ـ مثالية وواقعية ـ في نظرتها إلى الأخلاق وتفسيرها لمصدر الإلزام الخلقي،
فلم يكن كل ما قالته هذه المذاهب والنظريات باطلا، كما لم يكن كله حقا، إنما كان عيب كل نظرية أنها نظرت من زاوية،
وأغفلت أخرى، واهتمت بجانب على حساب جانب آخر، وهو أمر لازم لتفكير البشر، الذي يستحيل عليه أن ينظر في
قضية ما نظرا يستوعب كل الأزمنة والأمكنة، وكل الأجناس والأشخاص، وكل الأحوال والجوانب،
فهذا يحتاج إلى إحاطة إله عليم حكيم.
فلا غرو إذا كانت نظرة الإسلام، جامعة محيطة مستوعبة، لأنها ليست نظرية بشر.
ابو تميـــــم

فلسفة العقوبة في الإسلام


كيف نرد على من قال إن العقوبات الإسلامية الجنائية تتسم بالوحشية
مثل قطع اليد من أجل سرقة بعض المال !
وقطع الرأس والرجم حتى الموت والتشهير على رؤوس الناس و
غيرها ما لا يحترم حقوق الإنسان في أعضاء جسده؟


تجيب دار الإفتاء بالأزهرالشريف


الإسلام ليس دين عقوبات بقدر ما هو دين توازن بين الأسباب والنتائج ‏ ولذا فكل عقوبة تقدر بقدرها ،‏
ولا تتم إلا بعد أن تزال الأسباب التي يمكن أن تؤدي إليها .‏ ولهذا يعني الإسلام بتكوين ما يمكن تسميته الضمير الجماعي أو ضمير الجماعة
الذي يربى على الحساسية المرهفة لأداء الواجب قبل أن يطلب أداؤه ،‏ والإحساس بالمنكر ورفضه قبل أن يستفحل شره
وبهذا تكون الحماية الذاتية من المجتمع لنفسه دون تدخل من القانون .‏

ففي موضوع السرقة مثلا نلاحظ أن الإسلام قرر للمسلم -‏ بل وغير المسلم ما دام في مجتمع المسلمين -‏
حدا من توفير المطالب والحاجات يسمى في العرف حد الكفاية ،‏ أي الحد الذي لا يجعله يحتاج إلى ما بأيدي الآخرين .

والفقهاء يضعون شروطا لاعتبار الإنسان سارقا تؤكد ما أشرت إليه .‏
وبعض الفقهاء يرى أنه لا يقطع السارق إلا إذا كان قد توفر لديه طعام يكفيه (الغذاء )
وبيت يؤويه (السكن )وزوجة وخادم ودابة (وسيلة انتقال ).

‏ والفقهاء يقررون هذه الشروط انطلاقا من الفلسفة العامة للإسلام الذي قرر للفقراء حقوقا في أموال الأغنياء ،‏
وحرم الجنة على من يبيت شبعان وجاره جائع واشترط توفير الكفالة الاجتماعية لكل مواطن حتى لا تضطره الحاجة إلى السرقة ،‏
فإذا سرق بعد توفر حد الكفاية فقد أصبح منحرفا وشاذا يجب حماية المجتمع من شره .‏

وفي موضوع الزنا كفل الإسلام أسباب الوقاية من الوقوع فيه عندما يسر أسباب الزواج
وحث عليه وأمر بتيسير المهور وأباح للرجل أن يتزوج بما معه من القرآن
كما صان المجتمع من مثيرات الشهوات من التبرج والخلاعة وكل ما يثير الحس ويشيع الفاحشة .
وفوق هذا أباح الزواج بأكثر من واحدة لمن تغلبهم شهواتهم حتى لا ينحرفوا فمن زنى بعد ذلك فقد استحق إقامة الحد عليه .‏

على أن مما يؤكد أن الإسلام لا يتلمس الأسباب لإقامة الحدود على الناس ،‏

بل إنه على العكس يضع الشروط والضوابط الشديدة التي تكاد تحول دون إقامة هذه الحدود لمجرد وجود شبهة فيسقط الحد .‏

فحد الزنا لا يقام إلا إذا شهد عليه أربعة شهود عدول .‏ فإن كانوا ثلاثة فقط أقيم عليهم هم حد القذف ،‏ ولعمر بن الخطاب -‏ رضي الله عنه -‏
موقف يحسن ذكره هنا وذلك حين سأل الإمام عليا - رضي الله عنهما -‏ وكان هو الأمير وقال له :‏ يا أبا الحسن :‏ أرأيت لو أنى رأيت بعيني
-‏ أي حالة الزنا - وسمعت بأذني أأقضي به ؟‏ فقال على -‏ رضي الله عنه – البينة -‏ أي اكتمال عدد الشهود الأربعة -‏
وإلا فالحد في ظهرك أنت أي يقيم على أمير المؤمنين حد القذف .

ليست المسألة تلمسا للحدود وبحثا عنها ،‏ بل الإسلام يلتمس للمخطئ وجوه البراءة فيقول الرسول لمن جاء إليه يعترف بأنه زنى
فيقول له :‏ لعلك لمست ،‏ لعلك قبلت لعلك لعلك ،‏ وكأنما يريد أن يفتح أمامه باب الرجوع عن الاعتراف ،‏
ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم ادرأوا الحدود بالشبهات . ولم يقم حد الزنا في الإسلام في عصر النبوة إلا بالاعتراف في واقعة امرأة تسمى الغامدية
مع رجل يسمى ماعزا فقد جاءت المرأة إلى الرسول تطلب التطهر بإقامة حد الزنا واعترفت والاعتراف سيد الأدلة كما نقول -
وكانت حاملا فردها الرسول حتى تضع حملها -‏ وحتى تراجع نفسها وربما نفت اعترافها -‏
فلما وضعت جاءت فردها حتى تفطم الرضيع فلما فطمته جاءت وبيده كسرة طعام فأمر بها فأقاموا عليها الحد .‏

وعند التنفيذ سبها أحدهم بكلمة فقال صلوات الله عليه ..‏ لا ..‏ لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم .‏
أما القول بوحشية العقوبة في مجملها سرقة أو زنا فأرجو أن يتصور هؤلاء حال المسروق منه -‏
ولا سيما فيما يعرف بجرائم السرقة بالإكراه -‏ مقدار الفزع والرعب الذي يتعرض له ،‏
ثم مقدار النكبة التي تحل به عندما يفقد ماله .‏
وأذكر بما سبق ذكره من أن الحد لا يقام على السارق المحتاج الذي تدفعه الضرورة -‏ ضرورة الحاجة وضرورة إهمال المجتمع له -
إلى السرقة ،‏ فإذا سرق وهو غير محتاج كانت العقوبة في مستوى عنف الجرم دون زيادة .‏

وبالنسبة للزنا أذكر الغاضبين من عنف العقوبة أن الرجم لا يكون إلا للزاني المحصن أي الذي له زوجة تشبع حاجته
فإن لم تشبعه فمباح له أن يتزوج بأخرى ،‏ أما أن يزني فهو منحرف وشاذ يجب تطهير المجتمع منه .‏
وأذكر هؤلاء أيضا بأن الشروط المشار إليها لتطبيق العقوبة - أربعة شهود عدول يقررون أنهم سمعوا ورأوا -‏
فهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا أقدم هذا الزاني على جريمته في مجتمع عام ،‏
وهو بهذا نموذج خرج من حال الإنسانية إلى حال الكلاب والحيوانات فتطهير المجتمع منه واجب .‏
ابو تميـــــم

الفرق بين العقوبة والبلاء

فإن العقوبة تكون علي الذنوب والمعاصي وسائر المخالفات الصغيرة منها والكبيرة بينما البلاء ليس شرطا فيه الذنب أو الإثم .
والبلاء يقع للعاصي والطائع لقوله تعالي :"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ".

وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلي الرجل علي قدر دينه ؛ بينما العقوبة لاتقع الا للمسئ
قال تعالي :"من يعمل سوءًا يجز به؛ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير "

وثالثة في الفرق بينهما :أن العقوبة تكون تكفيرًا للسيئات ومحوًا للخطابا
بينما البلاء يكون رفعًا للدرجات وسببا لبلوغ منازل الأبرار والصديقين.

والبلاء أعم من العقاب والعقوبة أخص فبينهما عموم وخصوص؛
قال تعالي :"ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" فسماه الله تعالي بلاء .

وجاء في دعاء العباس لما استسقي به عمر قال، اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة.

والذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا قد يرزقهم الله تعالي الفطنة ويؤتيهم الفرقان بينهما فيصبر عند الكل ؛

قال ابن سيرين عيرت رجلا بالإفلاس فافلست؛ وقال آخر عبت شخصا قد ذهبت بعض أسنانه ففقدت أسناني

ونظرت إلي امرأة لاتحل لي فنظر إلي زوجتي من لا أريد ؛وغضب الخليفة المقتفي علي وزيره وأمر بان يؤخذ منه عشرة آلاف دينار
فدخل عليه أهله محزونين وقالوا له: من أين لك عشرة الاف دينار فقال: ما يؤخذ مني عشرة ولا خمسة ولا أربعة
قالوا من أين لك؟ قال : إني ظلمت رجلا في ولايتي فالزمته ثلاثة آلاف فما يؤخذ مني غيرها
فلما أدي ثلاثة آلاف دينار أمرالخليفة باطلاق سراحه ومسامحته في الباقي.
هذا وبالله التوفيق.
ابو تميـــــم

الاستصحاب


ما تعريف الاستصحاب ؟ وكيف يكون دليلاً من أدلة التشريع؟


الاستصحاب لغة: طلب المصاحبة، يقال: استصحب الشىء: لازمه ،
ويقال استصحبه الشىء: سأله أن يجعله فى صحبته.

واصطلاحا: هو الحكم بثبوت أمر أو نفيه فى الزمان الحاضر أو المستقبل بناء على ثبوته أو عدمه فى الزمان الماضى،
لعدم قيام الدليل على تغييره؛وبعبارة أخرى :جعل الحالة السابقة دليلاً على الحالة اللاحقة، أو إبقاء الشىء على حكمه السابق ما لم يغيره مغيرشرعى.

اًمثلة له: الأصل فى البكر بقاء البكارة حتى تثبت الثيوبة بدليل ، والأصل بقاء الملكية للمالك حتى يثبت نقلها بدليل ،
والأصل فى الماء الطهارة حتى يثبت عدمها بدليل.

اًنواع الاستصحاب:

وله خمسة أنواع:

1- استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء التى لم يرد دليل على تحريمها،ومعنى هذا أن المقرر عند جمهور الأصوليين ،
بعد ورود الشرع: هو أن الأصل فى الأشياء النافعة التى لم يرد فيها
من الشرع حكم معين هو الإباحة، كما أن الأصل فى الأشياء الضارة هو الحرمة.

2- استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص أو استصحاب النص إلى أن يرد نسخ.

3- استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه ، وقد عبر عنه ابن القيم باستصحاب الوصف
المثبت للحكم حتى يثبت خلافه كالملك ، عند وجود سببه ، وهو العقد أو الوراثة، أو غيرهما من أسباب الملك.

4- استصحاب العدم الأصلى المعلوم بالعقل فى الأحكام الشرعية أى انتفاء الأحكام السمعية
فى حقنا قبل ورود الشرع، كالحكم ببراءة الذمة من التكاليف الشرعية حتى يوجد دليل شرعى
يدل على التكليف ويسمى هذا بالبراءة الأصلية.

5- استصحاب حكم ثابت بالإجماع فى محل الخلاف بين العلماء مثاله: إجماع الفقهاء على صحة الصلاة عند فقد الماء،
فإذا أتم المتيمم الصلاة قبل رؤية الماء صحت الصلاة، وأما إذا رأى الماء فى أثناء الصلاة فهل تبطل الصلاة أم لا؟
قال الشافعى ومالك ، لا تبطل الصلاة لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل رؤية الماء،
فيستصحب حال الإجماع إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة، وقال أبو حنيفة وأحمد: تبطل الصلاة ولا اعتبار بالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء،
فإن الإجماع انعقد فى حالة العدم لا فى حالة الوجود ،
ومن أراد إلحاق العدم بالوجود: فعليه البيان والدليل.
وللعلماء مذاهب فى القول بحجية الاستصحاب من عدمها موضعها كتب الأصول فلتراجع
ابو تميـــــم

زلة العالم وواجبنا نحوه


من المعلوم أن كلا يأخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم -صلى الله عليه وسلم- ولكن من المؤسف أننا نجد من يتطاول على العلماء
لمجرد أن يكون العالم قد أفتى بما لا يوافق مذهبه، أو لمجرد أنه أخطأ في اجتهاده ويرميهم بما لا يليق من الأدب معهم،
فنرجو إلقاء الضوء على هذا الأمر، وكيف نتعامل مع ما يصدر عن علمائنا وما واجبنا نحوهم إذا بدت منهم زلة أو خطأ؟


فالعلماء هم ورثة الأنبياء كما أخبرنا المعصوم صلى الله عليه وسلم، والواجب علينا توقيرهم ومعرفة قدرهم، وعدم التطاول عليهم بسبب ما
قد يقعون فيه من أخطاء، بل ما وافق ميزان الشرع من كلامهم قبلناه وما كان غير ذلك فالواجب أن ننصح لهم بما يليق من الأدب معهم،
أما من يتطاولون على العلماء فهذا لفرط جهلهم وحسبنا ما قاله الحافظ ابن عساكر -رحمه الله-: "لحوم العلماء مسمومة
وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب - أي عابهم وانتقصهم- ابتلاه الله قبل موته
بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).."
يقول الدكتور أحمد عبد الكريم نجيب : لخطورة وقوع العالم في الزلاّت ابتداءً ، و متابعته فيها ، و تلقّف الشواذّ من أقواله انتهاءً ،
حذَّر أهل العِلم منها ، و أنكروا من أصرَّ عليها أو تابَعَه فيها ، منطلقين في ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في النصيحة .

روى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
( الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله عزَّ و جل ، و لكتابه ، و لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولأئمة المؤمنين، و عامتهم
(ومن النصيحة للعلماء الواجبة لهم ما ذهب إليه ابن رجب الحنبلي رحمه الله في قوله: (ومِمَّا يختص به العلماء ردّ الأهواء المضلة بالكتاب،
والسنة على مُورِدِها ، و بيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها ، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلاّت العلماء ،
و بيان دلالة الكتاب و السنة على ردّها )[جامع العلوم والحكم ، ص : 98 ]

و رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله : ( ويل للأتباع من عثرات العــالم ) . قيل : و كيف ذاك ؟ قال :
( يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليه وسلم فيترك قوله ذلك ، ثم يمضي الاتباع )
[ الموافقات ، للشاطبي : 3 / 318 و الفتاوى الكبرى ، لابن تيميّة : 6 / 96 ]

و في رواية عنه رضي الله عنه ، أنّه قال: )ويل للعالم من الأتباع ) [ مجموع الفتاوى : 20 / 274 ، أي لما يتابعونه فيه من الزلات ]

فإذا أردنا خيراً بعلمائنا ، وورثة النبوّة في أمّتنا ، كان لِزاماً علينا أن نلتزم تجاههم بأدبَين جليلين :

الأوّل: توقيرهم و معرفة قَدرهم ، و عدَم الحط من مكانتهم ، أو الطعن في علمهم وأمانتهم بسبب
ما قد يقعون فيه من زلاّت ، أو يخطئون فيه من الفتاوى و السؤالات .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين اضطره المقام إلى الخوض في مسألة زلات العلماء :
(نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة ، أو انتقاص أحد منهم ، أو عدم المعرفة بمقاديرهم وفضلهم ،
أو محادتهم وترك محبتهم وموالاتهم ، و نرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم و يواليهم و يعرف من حقوقهم
و فضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع ، و أن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب و أعظم حظ ، و لا حول و لا قوة إلا بالله ) [ الفتاوى الكبرى : 6 / 92] .

وقال أيضاً : ( ليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم و الإيمان إلا بما هم له أهل )
[ الفتاوى الكبرى : 2 / 23 ، و مجموع الفتوى : 32 / 239 ]

و قال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي : ( و لو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه و بدَّعناه ،
و هجرناه ، لما سلم معنا ابن نصير ، و لا ابن مندة ، و لا من هو أكبر منهما ، و الله هو هادي الخلق إلى الحق ،
هو أرحم الراحمين ، فنعوذ بالله من الهوى و الفظاظة ) [ سير أعلام النبلاء : 40/14 ] .

الثاني : الإعراض عن المسائل المعدودة من قبيل زلات العلماء ، و عدم ذكرها أو العمل بها ، أو الانتصار لها ، أو الدعوة إليها ،
كي لا يغترّ أحدٌ بها لصدورها من عالم موثوق في علمه ، وعدالته ، ورجاحة رأيه ، فيصير الناس إلى تقليده فيها مع ظهور الخطأ عنده ،
و جلاء الحق عند غيره ، أو إلى الطعن فيه ، وغمز قناته ممّن دأبوا على تتبّع السقطات ، والطعن في العلماء والدعاة .

قال ابن الجوزي في كتابه السر المكتوم : ( هذه الفصول هي أصول الأصول و هي ظاهره البرهان ، لا يهولنك مخالفتها لقول معظم في النفس ،
و قد قال رجل لعلي عليه السلام أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير على الخطأ وأنت على الصواب ؟ فقال: إنه ملبوس عليك ، اِعرِف الحق تعرف أهله .
و قال رجل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إن ابن المبارك قال كذا فقال إن ابن المبارك لم ينزل من السماء [ الفروع في الفقه الحنبلي : 6 / 381 ]

و قال شيخ الإسلام : ( إن الله سبحانه كما غفر للمجتهد إذا أخطأ ، غفر للجاهل إذا أخطأ ولم يمكنه التعلم ،
بل المفسدة التي تحصل بفعل واحد من العامة محرماً لم يعلم تحريمه و لم يمكنه معرفة تحريمه ، أقل بكثير من المفسدة التي تنشأ من إحلال بعض الأئمة لما قد حرمه الشارع ،
و هو لم يعلم تحريمه و لم يمكنه معرفة تحريمه ، و لهذا قيل : احذروا زلة العالم فإنه إذا زل زل بزلته عالَمٌ ) [ مجموع الفتاوى : 20 / 274 ]

فالديانة ـ إذن ـ في متابعة الحق و أخذه من لسان ومقال من قال به كائناً من كان و الإعراض عن الخطأ ، و ردّه على من قال به كائناً من كان ،
و حذار حذار من غلوٍ في متبوع يصد عن اتباع المشروع .

يقول عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: ( ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر
و ما أبلغ و أحكم قول معاذ بن جبل –رضي الله عنه- فيما رواه عنه أبو داود بإسنادٍ صحيح : (وأحذركم زيغة الحكيم ، فإن الشيطان
قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق ، قال الراوي : قلت لمعاذ : ما يدريني – رحمك الله – أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة ،
و أن المنافق قد يقول كلمة الحق ؟ قال: بلى ، اجتنب من كلام الحكيم المشبهات التي يقال لها : ما هذه ، ولا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع ،
و تلقّ الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً ( . فيتعين علينا و نحن ننشد الحق ، و لا نتعصّب لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن نبرأ من كلّ ما خالف الشرع و نردّه على قائله ، و ننظر في حال من قال به ، و نرى قوله :
( إما زلة عالم ووهلة فاضل عاقل ; أو افتراء كاذب فاسق ) بحسب حاله ،
كما قال الإمام ابن حزم الظاهري في معرض ردّه بعض الأقوال الفاسدة[انظر : المحلى : 3/ 219 ]
ابو تميـــــم

[ 2 ]

المذاهــب

الأربعــــة
ابو تميـــــم

العمل بما يخالف المذاهب الأربعة

هل يجوزالعمل بما يخالف المذاهب الأربعة؟

يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي :

للإجابة على هذا التساؤل في وعي وإنصاف يجدر بكل قارئ يعنيه أمر دينه ويبحث عن الحق المجرد أن يضع أمام عينه الحقائق التالية:

كثرة الأئمة المجتهدين:

أولاً: إن مذاهب الفقه الإسلامي ليست محصورة في أربعة كما يظن من لا علم له، وأن الأئمة ليسوا هم مالكًا وأبا حنيفة والشافعي وأحمد فحسب،
فقد عاصر هؤلاء أئمة كانوا في مثل مرتبتهم من العلم والاجتهاد إن لم يكونوا أفقه وأعلم.
كان الليث بن سعد معاصرًا لمالك، وقد قال فيه الشافعي: "الليث أفقه من مالك لولا أن أصحابه لم يقوموا به".
وكان في العراق سفيان الثوري الذي لا يقل في مرتبته الفقهية عن أبي حنيفة.
وقد عده الغزالي أحد الأئمة الخمسة في الفقه، فضلاً عن إمامته في علم السنة، حتى لقب "بأمير المؤمنين في الحديث".
وكان الأوزاعي إمام الشام غير منازع، وقد ظل مذهبه معمولاً به هناك أكثر من مائتي عام.

وكان هناك من آل البيت الإمام زيد بن على، وأخوه الإمام أبو جعفر محمد بن على الباقر، وابنه الإمام جعفر الصادق،
وكل منهم إمام مجتهد مطلق، معترف بإمامته عند أهل السنة جميعًا.
وكان الطبري بعد هؤلاء مجتهدًا مطلقًا، وإمامًا في الفقه، كما هو إمام في التفسير والحديث والتاريخ، وكان لمذهبه أتباع ثم انقرضوا.

وقبل الأئمة الأربعة كان هناك أئمة وأساتذة لهم، بل لشيوخهم وشيوخ شيوخهم، يشار إليهم بالبنان:
بحور علم ومصابيح هدى. وأي دارس للعلم يجهل مثل: سعيد بن المسيب، والفقهاء السبعة بالمدينة، وطاووس وعطاء وسعيد بن جبير،
وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والأسود، وعلقمة، وإبراهيم، ومسروق، ومكحول، والزهري،
وغيرهم من فقهاء التابعين الذين تخرجوا في مدرسة الصحابة رضوان الله عليهم؟ والذين كان الأئمة بعدهم عيالاً عليهم،
وقبل هؤلاء كان فقهاء الصحابة الذين تخرجوا في مدرسة النبوة، وشاهدوا أسباب تنزيل القرآن وورود الحديث،
وكانوا أصفى فهمًا للدين، وأعلم بمقاصد القرآن، وأدرى بدلالات اللغة وألفاظها. ومن يجهل فقه أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وابن مسعود
وابن عباس وابن عمر وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعائشة وغيرهم من أئمة الصحابة الذين بهم يقتدي فيهتدي؟

الأئمة الأربعة لم يدَّعوا لأنفسهم العصمة:

ثانيًا: إن الأئمة الأربعة - كغيرهم من المجتهدين - لم يدعوا لأنفسهم العصمة، ولم يزعمها لهم أحد من العلماء،
وغاية الأمر أنهم مجتهدون يتحرون الصواب ما وسعتهم طاقتهم البشرية فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر، ولهذا كانوا كثيرًا ما يرجعون عن آرائهم،
ويختارون غيرها تبعًا لما ظهر لهم من الدليل، وهذا سر ورود أكثر من رواية في المسألة الواحدة عن الإمام الواحد،
وقد عرف أن الشافعي كان له مذهبان: مذهب قديم في العراق، ومذهب جديد في مصر، ولا تكاد تخلو مسألة مهمة
من الفقه إلا ولمالك وأحمد فيها أكثر من رواية، وقد رجع أبو حنيفة عن بعض آرائه قبل موته بأيام.

وقبلهم كان عمر يفتي برأي في عام ثم يفتي بما يخالفه في العام القابل، فإذا سئل في ذلك قال: ذلك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم!
وقد خالف أبا حنيفة أصحابه في مئات من المسائل لما لاح لهم من الأدلة، أو وصل إليهم من الآثار، أو أدركوا من مصالح الناس
وحاجاتهم بعد إمامهم، ولهذا كثيرًا ما يقول بعض علماء الحنفية في المسائل الخلافية "
هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان" (قد عقد ابن القيم فصلاً ممتعًا في:
إعلام الموقعين عن "تغير الفتوى بتغير الأزمان" ينبغي أن يراجع).

وحين اجتمع أبو يوسف أكبر أصحاب أبي حنيفة وأفضلهم بإمام دار الهجرة مالك ابن أنس، وسأله عن مقدار الصاع ومسألة الأحباس
- الوقف - وصدقة الخضروات، فأخبره مالك بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: "رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأي صاحبي
- يعني أبا حنيفة - ما رأيت، لرجع كما رجعت". وهذا هو الإنصاف الذي يثمره العلم الراسخ،
والاجتهاد الصحيح. وكل ما جاء عن الأئمة -رحمهم الله- يؤكد هذه الحقيقة الناصعة.

قال أبو حنيفة: "هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه".
وقال مالك: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة". وقال الشافعي: "إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي".

ومن روائع ما يروى عنه قوله: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
لا دليل على وجوب تقليد مذهب بعينه:

ثالثًا: إن اتباع مذهب من هذه المذاهب، وتقليد إمامه في كل ما يقول ليس فرضًا ولا سنة، فقول بعض المؤلفين:
"إن تقليد إمام معين واجب"، قول مرفوض.
أ - فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى إنما افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على
هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا
في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولهذا جاء عن ابن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس أنهم كانوا يقولون:
ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وإذن فاتباع غير المعصوم في كل ما يقوله ضلال بين، إذ يجعل كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته،
وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله به النصارى في قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) (التوبة: 31).
وما ذاك إلا أنهم كانوا يطيعونهم فيما يحللون ويحرمون، كما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

ب - على أن الأئمة أنفسهم قد نهوا عن تقليدهم، ولم يزعموا يومًا أنهم يشرعون للناس دينًا يجب أن يتبع،
وحذروا من أخذ أقوالهم بغير حجة، فقال الشافعي: "مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل،
يحمل حزمة حطب وفيه أفعى، تلدغه وهو لا يدري".

وقال المزني في أول مختصره: "اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله؛ لأقربه على من أراده -
مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره - لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه".
وقال أحمد: "لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا" وقال: "من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال".
وقال أبو يوسف: "لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا"
(ذكر هذه الأقوال ابن القيم في: إعلام الموقعين 2/139 ط منير).

ج- إن تقليد هذه المذاهب والتعصب لها أمر مبتدع في هذه الأمة، مخالف لهدي السلف والقرون الثلاثة الأولى،
يقول صاحب "تقويم الأدلة" (لمؤلفه العلامة أبي زيد الدبوسي). :
(كان الناس في الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين - يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم السنة،
ثم بأقوال من بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يصح بالحجة.
فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ثم يخالفه بقول عليّ في مسألة أخرى، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريًا ولا علويًا،
بل النسبة كانت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانوا قرونًا أثنى عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالخير،
فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبت التقوى عن عامة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج،
جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم، فصار بعضهم حنفيًا وبعضهم مالكيًا وبعضهم شافعيًا، ينصرون الحجة بالرجال،
ويعتمدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب).
ابو تميـــــم

تابع / .... العمل بما يخالف المذاهب الأربعة


وقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين،
إلى أن ظهرت هذه المذاهب، ومتعصبوها من المقلدين؛ فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدًا له فيما قال،
كأنه نبي أرسل، وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب).

وإذًا فالواجب على المسلم إذا تعذر عليه إدراك الأحكام من أدلتها أن يسأل أهل الذكر، ولا يجب عليه التزام مذهب معين؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله،
وهما لم يوجبا على أحد أن يكون حنفيًا أو شافعيًا أو غير ذلك، قال شارح "مسلم الثبوت": (فإيجابه تشريع شرع جديد) (انظر مقدمة "مقارنة المذاهب"
للأستاذ الأكبر الشيخ شلتوت، والشيخ محمد السايس).

مخالفة إمام ليست طعنًا في إمامته:

رابعًا: إن مخالفة الأئمة الأربعة كلهم أو بعضهم ليست طعنًا في إمامتهم، ولا حطّا من شأنهم، ولا قدحًا في سعة علمهم، وصحة اجتهادهم،
وصدق تحريهم للحق، ومن ظن ذلك فقد جهل حقيقة هذه الأمة وتاريخها.
بل إن حب هؤلاء الأعلام وتوقيرهم والثناء عليهم، من صميم دين الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة كتابه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام":
(يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء،
والذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم وروايتهم. . . فإنهم خلفاء الرسول في أمته،
والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. . . ) (انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام).

قال ابن القاسم: (سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ليس كما قال ناس فيه توسعة
(بلى، فيه توسعة ورحمة كما جاء ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، كما نقل ذلك ابن عبد البر وغيره؛ لأنهم كانوا أسوة لمن بعدهم
في التسامح وتقدير رأي الآخرين، وإن كان أحد الرأيين خطأ، انظر: كتابنا: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع
والتفرق المذموم، ص59 وما بعدها، ط 3 دار الوفاء والصحوة).، ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب. وقال مالك أيضًا في اختلافهم:
مخطئ ومصيب، وعليك بالاجتهاد) (الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 6/883).

فإذا كان الصحابة الكرام - في نظر مالك والليث - منهم المخطئ والمصيب، فما بالك بغيرهم؟!

ابن حزم يحرم التقليد:

خامسًا: أننا اخترنا أخف العبارات في شأن التقليد، فذكرنا أنه ليس واجبًا ولا سنة. ولكن أمانة العلم توجب علينا أن نطلع القارئ المسلم على
ما ذكره فقيه قوي الحجة كابن حزم حيث قال: (إن التقليد حرام، ولا يحل لأحد أن
يأخذ قول أحد غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلا برهان):

أ - لقوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) (الأعراف: 3). وقوله تعالى:
(وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) (البقرة: 170). وقال مادحًا لمن لم يقلد:
(فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) (الزمر: 17، 18).

ب - وقال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) (النساء: 59).
فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلي أحد دون القرآن والسنة، وحرم كذلك الرد عند التنازع إلي قول قائل؛ لأنه غير القرآن والسنة.

ج- وقد صح إجماع الصحابة كلهم، أولهم عن آخرهم، وإجماع التابعين كلهم، أولهم عن آخرهم، وإجماع تابعي التابعين، أولهم عن آخرهم،
على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلي قول إنسان منهم أو من قبلهم، فيأخذه كله. فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو
جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد - رضي الله عنهم - ولم يترك قول من اتبعه منهم أو من غيرهم إلي قول إنسان بعينه،
أنه قد خالف إجماع الأمة كلها، أولها عن آخرها، بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفًا ولا إنسانًا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة؛
فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، نعوذ بالله من هذه المنزلة.

د - وأيضًا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليدهم، فقد خالفهم من قلدهم.

هـ- وأيضًا فما الذي جعل رجلاً من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب، أو ابن مسعود،
أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم؟ فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أحق أن يتبع من غيره)
أ هـ (من الإحكام في أصول الأحكام).

وأولى من يوجه إليهم هذا الكلام هم العلماء الذين قرأوا القرآن والحديث، والفقه والأصول، ودرسوا اللغة والأساليب، ومع هذا لم يكلفوا أنفسهم
عناء البحث والمقارنة والتمحيص، إخلادًا إلى الكسل، وركونًا إلى الدعة، فإذا قام منهم من يبحث ويوازن ويرجح - كما هو شأن العالم الحق -
قالوا له: قف، من أنت؟ ودع الناس على ما نشأوا عليه، وثاروا عليه كأنما يدعو إلي شئ منكر!

أما عوام الناس، فلا نسلم بقول ابن حزم أن التقليد بالنسبة لهم يكون حرامًا، ولعلنا نناقشه في مناسبة أخرى.

غرابة الأحكام نسبية:

سادسًا: إن غرابة الحكم أمر نسبي، فرب حكم غريب في بيئة تراه متعالمًا مشهورًا في بيئة أخرى، ورب حكم يثير الغرابة والدهشة في عصر،
يصبح في عصر آخر مسلمًا، متلقى بالرضا والقبول، ويصبح خلافه هو الغريب. فالغرابة ليست مطلقة، كما أنها ليست ثابته، بل تتغير بتغير المكان كما تختلف باختلاف الزمان.

ونضرب لذلك بعض الأمثلة: فالمجتمع الذي يتعبد أبناؤه على مذهب "الشافعي" يجدون من الغريب الشاذ
أن يصلي قوم الجمعة دون ركعتين قبلها، على حين يرى المجتمع " المالكي" عكس ذلك.

والبيئة الشافعية تستغرب أشد الغرابة أن يقرأ المصلي الفاتحة دون "بسم الله الرحمن الرحيم" خلافًا للمالكية الذين لا يقرءونها أصلاً،
والحنفية الذين لا يجهرون بها. وتستغرب البيئة الشافعية صلاة المسلم إذا مس المرأة ولم يتوضأ، وصلاة من أصابته أبوال الإبل والبقر
والغنم وأرواثها دون أن يغسلها، خلافًا للمالكية وغيرهم ممن يقرر: أن كل ما أكل لحمه فبوله وروثه طاهر.
بل تستغرب جدًا أن يصلي المرء وقد مسه كلب مبلل، عكس مذهب مالك الذي يرى طهارة الكلب. . وهكذا.

وفي عصرنا نجد بعض الأحكام التي أفتى بها بعض الأئمة قد استقبلت في بدء أمرها بموجة من الدهشة بل الاستنكار والاستياء،
وما لبثت أن شقت طريقها إلي العقول والقلوب، فاتضحت حجتها، وأضاءت وجهتها، وظهر لجمهور الأمة موافقتها لحكمة الشريعة
التي جاءت بكل ما يجلب المصالح، ويدرأ المفاسد، فأصبحت مقبولة بعد رد، ومعروفة بعد إنكار.

ومن ذلك تلك التعديلات الضخمة التي أدخلت على تشريعات الأسرة التي تسمى بالأحوال الشخصية، مثل عدم إيقاع الطلاق المعلق، والذي يراد به الحمل
على فعل شيء أو المنع منه، وإيقاع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة، ومثل قانون الوصية الواجبة الذي سلمت بها ذرية الأب المتوفى من قسوة الأعمام،
وإهمال الأجداد، وقد استغربه الناس أول الأمر، ثم أصبح في غاية القبول عند الأمة، وكيف لا، وأصله مأخوذ من القرآن؟

إن كلمة "الغريب" ليس لها من مدلول محدد، فإن كان المراد من الأحكام ما يخالف قول جمهور العلماء،
فقد قال ابن حزم: (لقد أخرجنا علي أبي حنيفة والشافعي ومالك مئات كثيرة من المسائل، قال فيها كل واحد منهم بقول لا نعلم أحدًا
من المسلمين قال قبله، فأعجبوا لهذا) (الإحكام في أصول الأحكام ص535)!.

لا تلازم بين الصواب وشهرة الرأي:

سابعًا: إن الصواب ليس لازمًا للمشهور من الآراء، والخطأ ليس لازمًا للغريب، فالصواب والخطأ لا يتبعان الشهرة ولا الغرابة عند المحققين من العلماء،
فكم من حكم مشهور إذا نوقشت أدلته تهاوت دعائمه، وخارت قواه. وكم من حكم غريب يبدو بأدلته في وضوح الشمس ليس دونها سحاب.

والمسلم الذي يتحرى لدينه يجب أن يكون معياره لمعرفة الحق هو قوة الحجة ونصاعة الدليل، لا شهرة الرأي، أو كثرة القائلين به والذاهبين إليه.

ولو كان مقياس الحق هو اتباع الأغلبية له، وإيمان الأكثرية به، لكان الإسلام باطلاً بين الأديان الضالة والنحل المضلة،
التي يعد أتباعها مئات الملايين، وقد قال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (يوسف: 103).
(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) (الأنعام: 116). (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (الرعد: 1).
(ولكن أكثرهم لا يعلمون) (الأنعام: 37). (لا يعقلون) (الحجرات: 4). (لا يشكرون) (يونس: 60).
ابو تميـــــم

تابع / .... العمل بما يخالف المذاهب الأربعة


وقد خالف عبد الله ابن مسعود جمهور الناس في بعض المواقف والآراء، فسأله بعض أصحابه: ألا يتبع الجماعة؟ فقال: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك!

وقد حذر ابن مسعود من زمان تختل فيه الموازين فيألف الناس الباطل، ويستغربون الحق، ويعرفون المنكر، وينكرون المعروف.
قال: كيف إذا لبستكم فتنة يشب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، تجري على الناس، يتخذونها سنة، حتى إذا غيرت قيل: غيرت السنة، أو هذا منكر!

ويكفي دليلاً على أن الغرابة ليست دليل الخطأ أن بعض الآيات المحكمة من كتاب الله قد هجر العمل بها، حتى في عهد الصحابة، بحيث أصبح حكمها غريبًا
على الناس، مثل قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفًا) (النساء: 8).
وقد ظن بعض العلماء أنها منسوخة لذلك ترك العمل بها. وقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم. . ) (النور: 58). الآية.
وقد قال ابن عباس: "إن الشيطان غلب الناس على هذه الآيات فلم يعملوا بها" (انظر تفسير ابن كثير 3/303 ط الحلبي).

الاختلاف في الفروع لا يؤدي إلى تفرق:

ثامنًا: إن الخلاف في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص قاطع الثبوت والدلالة لا يجوز أن يؤدي
إلى تفرق أو تنازع، وقد خالف الصحابة بعضهم بعضًا ولم يُحدِث ذلك بينهم فرقة ولا عداوة ولا شحناء. وقد كان في الصحابة والتابعين
ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرأ، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم
من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار،
ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. . ومع هذا فكان يصلي بعضهم خلف
بعض مثلما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم -رضي الله عنهم- يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم،
وإن كانوا لا يقرأون البسملة، لا سرًا ولا جهرًا. وصلى هارون الرشيد إمامًا، وقد احتجم، فصلى الإمام أبو يوسف خلفه،
ولم يعد، وكان قد أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه.

وكان الإمام أحمد يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له، فإن كان الإمام خرج منه الدم ولم يتوضأ، هل تصلي خلفه؟ قال:
كيف لا أصلى خلف مالك وسعيد ابن المسيب؟! وصلى الشافعي قريبًا من مقبرة أبي حنيفة، فلم يقنت تأدبًا معه، وقال: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق.
وفي البزازية - من كتب الحنيفة - عن الإمام الثاني أبي يوسف - أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا،
ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام. فقال: إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا
(هذه النقول من (حجة الله البالغة 1/159) لشاه ولي الله الدهلوي).

وما ذلك إلا أن هذه المسائل وأشباهها محتملة مرنة، وكثيرًا ما يكون كلا الوجهين في المسألة مشروعًا، فإن لم يكن فالصواب غير مقطوع به،
والخطأ معذور صاحبه بل مأجور. ولهذا كان الأئمة في هذه المواضع يصححون القول، ويثبتون خلافه. يقول أحدهم: هذا أحوط، وهذا هو المختار.
وهذا أحب إلى، أو يقول: ما بلغنا إلا ذلك. وهذا كثير في المبسوط، وآثار محمد، وكلام الشافعي، رحمهم الله (المرجع السابق 145).

ورضي الله عن الإمام مالك ما كان أفقهه؛ فقد حكى السيوطي: أن الرشيد شاوره أن يعلق كتاب "الموطأ" في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه.
فقال: لا تفعل فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل سنة مضت.
قال الرشيد: وفقك الله يا أبا عبد الله!! وحكى مثل هذه القصة مع المنصور أيضًا (المرجع السابق، وانظر:
كتابنا: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم ص 59 وما بعدها، ط 3 دار الوفاء والصحوة).

وبعد: فلست أكتب هذا دفاعًا عن كاتب "غريب الأحكام" ولست مؤيده في كل الجزئيات التي يعرض لها، ولكنما أؤيد منهج البحث والمقارنة
وتمحيص الأقوال. وعلى المسلم أن يجعل نفسه أسير الدليل والحجة، فأي حكم قوي عنده دليله، واقتنع به عقله، واطمأن إليه قلبه،
فعليه أن يعمل به. ولا حرج عليه أن يكون من "غريب الأحكام". ولا يخوفه أن يكون في هذا الحكم تيسير على الناس فإن ديننا لم يجئ إلا باليسر والتخفيف والرحمة.
قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت بالحنيفية السمحة. . . . " (رواه الطبراني في: المعجم الكبير (7715)، وهو في مسند أحمد).
وقال لأصحابه: "يسروا ولا تعسروا" (متفق عليه من حديث أنس). ،"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (رواه البخاري والترمذي والنسائي من (حديث أبي هريرة).،
وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185).، (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا) (النساء: 28).،
(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) (المائدة: 6).

وفى حكم اتباع مذهب فقهي واحد يقول الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة - أستاذ الفقه وأصوله - جامعة القدس - فلسطين :

إن المسلم غير ملزم باتباع مذهب فقهي كالمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي ، لأننا نعلم أن هذه المذاهب حدثت بعد عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم ،
وما لا يكون ديناً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وتابعيهم لا يكون ديناً للناس بعد ذلك .

ولأننا نعلم أن أكثر الناس من العوام ، والعوام لا مذهب لهم وإنما مذهبهم هو مذهب من يفتيهم ،
يقول الله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) .

ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم أعلام الموقعين ما نصه :

لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره ،
وقد انطوت القرون الفاضلة على غير ذلك ، بل لا يصلح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظرٍ واستدلال ،
ويكون بصيرأً بالمذاهب على حسبه ، أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله .

وأما من لم يتأهل لذلك البتة بل قال أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول كما لو قال : أنا فقيهٌ أو نحوي أو كاتب لم يصر
كذلك بمجرد قوله فهل يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى ؟

إن العامي لا يتصور أن يصح له مذهب ، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ، ولا يلزم أحد قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره ،وهذه بدعةٌ حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام ، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك ،وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة . أعلام الموقعين 4/ 262 .
ويضاف إلى ما قاله ابن القيم أن الأئمة الأربعة وغيرهم قد حذروا الناس من اتباعهم في كل ما قالوا وفي كل ما ذهبوا إليه .
ونقول هذا الذي يزعم أن على المسلم اتباع مذهب فقهيٍ أنه ملزم بأخذ أقوال ذلك المذهب وعدم الخروج عنها بأن
هذا زعم باطل ترده أقوال الأئمة أصحاب المذاهب المعروفة ، وإليك بعضها :
1. قال الإمام أبو حنيفة مخاطباً صاحبه أبا يوسف:[ ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمع مني فإني أرى الرأي اليوم وأتركه غداً ، وأرى الرأي غداً وأتركه بعد غد

2. قال الإمـام مالك :[ ليس أحـد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم ] .

3. وقال الإمام الشافعي :[ أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسوله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد ] .
وإن مما يدل على فساد القول بإلزام المسلم بإتباع مذهب فقهي معين أن اتباع المذهب ليس أمراً هيناً ولا يتيسر لكل أحد من الناس
بل يحتاج إلى فقه وعلم في أصول ذلك المذهب حتى يعرف الأسس والقواعد التي بني عليها المذهب .

يقول أبو حنيفة رحمه الله : ( لا يحل لأحدٍ أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه )
وفي روايةٍ أخرى عنه ( حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي ) .
وبعد هذا القول الفصل من أبي حنيفة هل يستطيع عوام الناس الذين يزعمون أنهم على مذهب أبي حنيفة مثلاً أن يعرفوا لِمَ قال أبو حنيفة
أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء أو لِمَ يرى أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام وغير ذلك من المسائل الفقهية
......................................................................

وجاء في فتاوى المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء :
اتباع مذهب من المذاهب الفقهية (الأربعة أو غير الأربعة) ليس بلازم ولا واجب شرعًا، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يوجب الله ولا رسوله اتباع أبي حنيفة أو مالك أو غيرهما ، إنما أوجبا اتباع الكتاب والسنة ، فهما المصدران المعصومان اللذان لا يضلان ولا يخطئان، وكل أحد بعد ذلك يؤخذ من كلامه ويترك.
وقد ثبت أن الأئمة المتبوعين أنفسهم نهوا عن تقليدهم التقليد المطلق .
على أنه من المقرر لدى الفقهاء : أن العامي لا مذهب له ، وإنما مذهبه مذهب من يفتيه.
ابو تميـــــم

المذاهب الفقهية



سؤالي خاص بالأمور الفقهية فيما يخص المذاهب. هل كلٌّ ملزم باتباع مذهب واحد
أو نستطيع الجمع بين مذهبين أو أكثر؟
وما هي الحالات التي يمكن فيها الجمع؟
ما حكم العمل بالرخص؟



يجب أ.د السيد نوح أستاذ علوم الحديث

ما يخص المذاهب الفقهية وهل كل ملزم باتباع مذهب واحد أم يمكن الجمع بين مذهبين أو أكثر، وما الحالات التي يمكن فيها الجمع..
أودّ لفت نظر حضرة السائل أن اختلاف الفقهاء وبالتالي نشوء المذاهب ليس مبعثه الهوى، وإنما لأسباب أجملها
ثم بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المشهور (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)؛ إذ قال: لعل منشأ الاختلاف أن في المسألة نصًّا واحدًا
وقف عليه بعض المجتهدين فحكم بمقتضاه، ولم يقف عليه البعض الآخر فاجتهد، وهو حين اجتهد تارة يوافق ما دل عليه النص وتارة يخالفه.

وأيضًا قد يكون في المسألة نص واحد وصل إلى كل المجتهدين، ولكنه صح عند بعضهم، ولم يصح عند البعض الآخر وفق شروط القبول
والرد، فالذين صحَّ عندهم عملوا بمقتضاه والذين لم يصح عندهم اجتهدوا، وهم في اجتهادهم تارة يوافقون النص وتارة يخالفونه،
وكذلك قد يكون في المسألة نص واحد ووصل إلى كل المجتهدين وصح عندهم جميعًا، ولكن جهة الدلالة مختلفة هذا يراه دليلاً بالمنطوق
وهذا يراه بالمفهوم، وهذا يراه ظني الدلالة والآخر يراه قطعي الدلالة، ولكن منع العمل به لعارض خارجي من نسخ أو نحوه.

وأخيرًا.. قد يكون في المسألة نص واحد ووصل إلى كل المجتهدين وصح عندهم جميعًا وكانت جهة الدلالة واحدة، ولكن البيئة التي
يطبق فيها النص للمرة الثانية غير البيئة التي قيل فيها النص المرة الأول، وقد عقد ابن القيم فصلاً في كتابه الفذ (إعلام الموقعين عن رب العالمين)
بعنوان باب تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والعادة ونحو ذلك، وإذا فهمنا أسباب اختلاف المسائل بين الفقهاء أدركنا أن كلاًّ مجتهد..
غاية ما في الأمر أن بعضهم أصاب فأخذ أجرين وأن بعضهم لم يصب فأخذ أجرًا واحدا، للحديث: "المجتهد مأجور أصاب أو أخطأ،
فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد".

وانطلاقًا من كل ذلك فإنه يجوز للمرء اتباع مذهب واحد ليس على سبيل الإلزام، وإنما إذا كان مبتدءاً ليحمي نفسه من التشتت،
وليطلب الدليل لكل مسألة في هذا المذهب الواحد حتى إذا أتقن مسائل المذهب بأدلتها انتقل إلى المذهب الثاني والثالث والرابع، وهكذا...،
حتى إذا صار ملمًّا بهذه عارفًا بقيمة الدليل، ومأخذ الحكم منه قادرًا على الموازنة بين الأدلة للجمع أو الترجيح أو النسخ صار من حقه
أن يتحرر من اتباع مذهب بعينه، وإنما يتبع الدليل في أي مذهب وجد، وهذا معنى أن المرء يستطيع أن يجمع بين مذهبين أو أكثر،
بل كل المذاهب ما دام قادرا على النظر في الأدلة وتقييمها..

أما حكم العمل بالرخص فإنه يجوز عند الضرورة الملحَّة والتي يعرفها بعض الفقهاء بالموت، يعني إذا وقع في ضرر يفضي به إلى الموت
أخذ بالرخصة مثل: أن تلد المرأة عن طريق الشق، وقد قال الأطباء بإجماع أن المرأة إذا شقت لثلاث مرات رجحت كفة الموت في المرة الرابعة،
فإذا ربطت الرحم بعد هذه الثلاث لا إثم عليها من باب ارتكاب أخف الضررين، وكذلك يمكن الأخذ بالرخص عند الخوف من ضياع واجب،
كأن يقوم المؤذن للصلاة جنبًا وقت الأذان، فإنه يتيمم ويؤذن، ثم بعد ذلك يغتسل..

خلاصة القول: إن الأخذ بالرخص ليس على إطلاقه، وإنما عند الضرورة التي تساوي الموت أو عند تضييع واجب من الواجبات
أو عند الوقوع في محظور من المحظورات، وضابط كله (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، وكذلك يجوز ارتكاب أخف الضررين عند الحاجة،
وإلا لو أبحنا العمل بالرخص بإطلاق لتحول الدين إلى رخص وما بقي مجال للعزائم، وقد قال أحد الدعاة في العصر الحاضر:
اعلموا أن الدعوات لا تنصر بالرخص وإنما تنصر بالعزائم
ابو تميـــــم

أصول المذاهب المشهورة



ما هي أصول المذاهب المشهورة؟
أعني السلفية والحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والظاهرية،
أرجو منكم إعطائي فكرة عنهم ولو كانت بسيطة، وعن أبرز علماء هذه المذاهب .



أولاً: المذاهب الفقهية المشهورة: الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنبلية، هذه المذاهب الأربعة انتشرت في بلاد المسلمين،

فمذهب الحنفية؛ نسبة للإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت ت 150هـ، ومن أصحابه محمد بن الحسن وأبو يوسف،
وأبرز علمائه الدبوسي السرخسي ، والنسفي والكمال بن الهمام.

ومذهب المالكية؛ نسبة للإمام مالك بن أنس المتوفى سنة 179هـ، ومن أصحابه عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب،
وأبرز علمائه ابن عبد البر والباجي والقرطبي والمازري وابن العربي والقاضي عياض وابن رشد.

ومذهب الشافعية نسبة للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204هـ، ومن أصحابه إسماعيل بن يحي المزني، ويوسف بن يحي البويطي ،
وأبرز علمائه الشيرازي والجويني والغزالي والنووي والسبكي والبيهقي، والسيوطي.

ومذهب الحنابلة؛ نسبة إلى الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 240هـ ومن أصحابه ابنه عبد الله وصالح وأبو إسحاق الحربي ،
وأبو بكر الخلال، وأبرز علمائه الخرقي وأبو يعلي وابن قدامة وابن عبد الهادي والمرداوي.

ومن الكتب النافعة، في معرفة تاريخ المذاهب الفقهية مقدمة تاريخ ابن خلدون، والفكر السامي للحجوي وهو عمدة المتأخرين في تاريخ التشريع.

ثانياً: مذهب الظاهرية؛ نسبة إلى الأخذ بظاهر نصوص الكتاب والسنة، وصاحبه هو داود الظاهري المتوفى سنة 202هـ،
وأبرز علمائه ابن حزم الأندلسي، وذكر ابن خلدون "أن المذهب الظاهري درس بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله،
ولم يبق إلا في الكتب، وربما يعكف متكلفو انتحاله عليها لأخذ فقههم منها فلا يظفرون بطائل.

ثالثاً: السلف (وليس السلفية)، هم أصحاب الحديث والأثر وأهل السنة والجماعة، وهم ليسوا مذهباً؛ بل السلف طريقة ومنهج،
فيمكن أن نقسم الناس كما ورد في الحديث إلى قسمين:

السلف وأتباعهم. المخالفون لهم، وأعني بذلك حديث الفرقة الناجية: "وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة"،
قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" رواه الترمذي (2641)، وغيره من حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما-،
وهذه الفرقة (أعني السلف) أصلها هوالتمسك بالوحي وبما عليه الصحابة – رضي الله عنهم-، ونبذ جميع البدع الحادثة بعدهم،
وأبرز علمائها الصحابة – رضي الله عنهم -

والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كأبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، أما تسمية هذه الطريقة بالسلفية أو السلفيون
فإنها اصطلاح متأخر، لم يعرف عند الأئمة المتقدمين؛ بل الاسم الشائع هو (السلف) أو (أهل الحديث) أو (أهل السنة والجماعة)،
ومن الكتب النافعة في بيان طريقة السلف الإبانة الكبرى والصغرى لابن بطة، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي،
وشرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة
ابو تميـــــم

أسباب أختلاف الأئمة الأربعة وحكم تقليد غيرهم


لماذا اختلف الأئمة؟ وما الحكم في تقليدهم؟
وهل ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كل هذه الأمور التي اختلف فيها الفقهاء؟
ولماذا يكون الشيء فرضًا عند إمام، ومكروهًا عند إمام آخر مثلاً، في أمور العبادات؟
وما الحكم لو قلد الإنسان إمامًا في أمر، وقلد إمامًا آخر في أمر سواه؟
وهل يمكن تقليد غير الأئمة الأربعة، أم ينبغي الاعتماد على الكتاب والسنة مباشرة دون التقيد بمذهب في وقتنا هذا؟


يقول الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

اختلف الأئمة؛ لأن مصدر الدين شرعه الله تعالى لعباده في نصوص، والنصوص لا بد أن يختلف الناس في فهمها، هذا شئ طبيعي في الحياة،
الناس يختلفون ما بين حرفي يعنى بظاهر اللفظ، وآخر يعنى بروح النص، وهذا موجود حتى في شراح القوانين أنفسهم،
فتوجد المدرسة الضيقة الحرفية، والمدرسة المتوسعة التي تعنى بروح النصوص.

وقد وجد هذان الفريقان منذ عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحينما قال -صلى الله عليه وسلم-
بعد غزوة الأحزاب: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" (رواه البخاري ومسلم وغيرهما).
اختلف الصحابة في ذلك حين دنا الغروب، فقال بعضهم: إنما أراد منا سرعة النهوض، وآخرون قالوا: لا. لقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة". فنحن لا نصليها إلا في بني قريظة ولو بعد الغروب. . وصلوها بعد الغروب،
وبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل هؤلاء، وفعل هؤلاء، فلم يعنف أحدًا من الفريقين، إقرارًا منه -صلى الله عليه وسلم-
للاجتهاد، حيث ترك الناس لاجتهادهم، فهذا من أسباب الاختلاف.

ومن أسباب الاختلاف: أن الناس فيهم المتشدد وفيهم المترخص، هذه طبيعة البشر، فابن عمر غير ابن عباس. ابن عمر كان يتوضأ فيأبى إلا أن يدخل الماء
إلى باطن عينيه، حتى عمي -رضي الله عنه- وابن عباس لا يرى هذا ضروريًا. ابن عمر يخشى أن يقبل أولاده وأن يسيل لعابهم عليه،
وابن عباس يقبلهم ويعانقهم ويقول: إنها زهرات نشمها، فكان الفرق بين فقه الرجلين، فرقًا بين روح كل منهما.
من هنا جاءت شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، المشهورة في تراثنا الفقهي.

هناك أيضًا: اللغة نفسها. . قد تكون اللغة سببًا من أسباب الاختلاف. إذ قال الله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء) (البقرة: 228).
ما القروء؟ جاء في اللغة ما يدل على أن القرء هو الحيض. . وما يدل على أن القرء هو الطهر،
ومن هنا اختلف الأئمة تبعًا للتفسير اللغوي لهذه اللفظة ونحوها من الألفاظ المشتركة.

ومثل ذلك: أن يحتمل بعض الألفاظ الحقيقة والمجاز، فيأخذ أحدهم بالدلالة الحقيقية للفظ، ويأخذ غيره بالدلالة المجازية،
كما في قوله تعالى: (أو لامستم النساء) (المائدة: 6). هل المراد: الملامسة باليد كما هو رأي ابن عمر،
أو هو كناية عن الجماع كما هو رأي ابن عباس؟

ومن الأسباب كذلك:
اطمئنان الأئمة إلى الرواية أو عدم اطمئنانهم، فهذا يطمئن إلى هذا الراوي، ويأخذ بروايته، والآخر لا يطمئن إليه، ولا يأخذ بما يرويه.
وبعضهم يشترط شروطًا في الحديث لا يشترطها الآخر، خصوصًا في بعض المسائل، مثل الأمور التي عمت بها البلوى.

ومن ذلك:
اختلافهم في تقدير الأدلة واعتبارها. . فالإمام مالك مثلاً: يرى أن عمل أهل المدينة فيما توارثوه من العبادات ونحو ذلك مقدم على الخبر الذي يرويه الواحد.
وبعضهم يرى ضعيف الحديث (وهو الذي سمي فيما بعد: الحسن) مقدمًا على القياس، وغيره بالعكس، وهكذا. . .
وبعضهم يأخذ بالحديث المرسل مطلقًا، وبعضهم يرفضه مطلقًا، وبعضهم يأخذ به بشروط.
ومنهم من يعتبر شرع من قبلنا شرعًا لنا، ومنهم من لا يعتبر ذلك.
ومنهم من يستدل بالمصالح المرسلة - التي لم يدل دليل خاص من الشرع على اعتبارها، ولا على إلغائها - ومنهم من لا يرى ذلك.

ومن أسباب ذلك: اختلافهم في دلالة الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد،
والمنطوق والمفهوم، إلي غير ذلك مما فصله "علم أصول الفقه".

الذي يجب تأكيده هنا:

أن هناك أسبابًا كثيرة ومتنوعة لاختلاف الأئمة، وقد ألفت فيها كتب خاصة قديمًا وحديثًا، منها: "الإنصاف في أسباب الاختلاف" للعلامة الدهلوي،
و"أسباب اختلاف العلماء" للشيخ على الخفيف، ومنها كتابي: "الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم"
وقد بينت فيه أن الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة وسعة وثروة، كما شرحت الدعائم الفكرية والخلقية التي يقوم عليها
فقه الاختلاف وأدبه بين أبناء الأمة المسلمة.

ومن رحمة الله بهذه الأمة، أنه لم يضيق عليها، بل جعل هناك متسعًا للآراء، ومتسعًا للأفهام المختلفة، وما يصلح لبيئة، قد لا يصلح لأخرى،
وما يصلح لزمن قد لا يصلح لآخر، وقد كان بعض الصحابة يفتي في القضية برأي، ثم يرجع عنه، كما روي عن عمر،
وقد سئل: كيف رجع؟ فقال: هذا على ما علمنا، وذاك على ما نعلم، فقد تختلف البيئة أو الحال، فيتأثر الإنسان بما يرى وبما يسمع فيغير رأيه.

ولهذا كان للشافعي - رحمه الله - مذهبان، مذهب يسمى القديم يوم كان في العراق، ومذهب يسمى الجديد حين نزل بمصر، وعرف في كتب الفقه:
هذا قول الشافعي في القديم، وهذا قوله في الجديد، لأنه حينما نزل بمصر رأي ما لم ير، وسمع من الأحاديث والآثار ما لم يكن سمع من قبل،
فعدل رأيه، والمجتهد كثيرًا ما يعدل رأيه، كل هذا من أسباب الاختلاف.

ولهذا حين أراد أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يضع كتابه "الموطأ" وقال له: تجنب فيه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس،
وشواذ ابن مسعود، ووطئه للناس توطيئًا فقام بهذا الأمر، وألف الكتاب المعروف في الإسلام باسم "الموطأ".

وأراد الخليفة أن يحمل الناس عليه، ولكن الإمام مالكًا - رضي الله عنه - لفقهه وإنصافه وورعه قال له: "لا تفعل يا أمير المؤمنين،
فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد تفرقوا في الأمصار، وأصبح عند كل قوم علم، والناس قد سبقت إليهم أقاويل ورضوا بها،
فإن حملتهم على رأي واحد تكون فتنة".

هكذا كانوا ينظرون إلى هذا الاختلاف على أنه خلاف في الفروع لا يضر، ولا بد منه، ولا يمكن أن تجتمع الأمة على رأي واحد في مثل هذه الفروع،
وهذا من لطف الله عز وجل وبره بهذه الأمة، أن ترك لها فرصة للاجتهاد ولاتساع تعدد الأفهام. تصوروا لو أن المسلمين كلهم على رأي واحد في كل أمر،
ما وجد أحد رخصة في شئ، وما استطاع أحد أن يأتي في وقت، فيرجح رأيًا على رأي، أو قولاً على قول، أو رواية على رواية. . .

هذا بالنسبة للسؤال: لماذا اختلف الأئمة؟

حكم تقليد الأئمة:

وأما قوله: ما الحكم في تقليدهم؟

فهناك من ذهب إلى وجوب تقليد الأئمة الأربعة، وفي هذا يقول صاحب الجوهرة

في التوحيد:

وواجب تقليد حبر منهم
كما حكى القوم بلفظ يُفهم
والبعض غلا في هذا الأمر، وقال: يجب تقليد واحد بعينه من الأئمة.
فالشافعي يقول: يجب تقليد الشافعي.
والحنفي يقول: يجب تقليد أبي حنيفة.
والمالكي والحنبلي. . . وهكذا. . .
وقد خطأ المحققون هذا القول، بل قالوا: إن القول بوجوب تقليد إمام بعينه،
بأن تُلتزم أقواله فقط وترفض أقوال غيره، حرام في الدين، وأكثر من ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية
قال: إن تاب قائل هذا الكلام وإلا قتل.
ابو تميـــــم

تابع / ... أسباب أختلاف الأئمة الأربعة وحكم تقليد غيرهم


ولأن من قال: يُقلد رجل بعينه في الدين، وتؤخذ أقواله، وتؤخذ أقواله وحده، وتُسقطُ أقوال غيره، كأنه يجعله شارعًا، كأنه يجعله نبيًا معصومًا. .
فهذا لا يجوز في دين الله، يجب أن يستتاب قائل هذا الكلام، وإن أصر عليه، فيرى ابن تيمية أنه قد مرق من الإسلام.

وقال ابن القيم: نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة، رجل واحد آثر رجلاً منهم يقلده في جميع أقواله بحيث لم يسقط منها شيئًا،
وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئًا، ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين، وليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون المفضلة

على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلك هي القرون الثلاثة الأولى المفضلة في الأحاديث الصحيحة. . .
وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه -صلى الله عليه وسلم-.

وردّ ابن القيم هذا القول - تقليد الأربعة فقط، أو تقليد واحد منهم بعينه -
في كتابه: إعلام الموقعين، وخطأه من نحو خمسين وجهًا، وقد أطال في هذا الموضوع فأجاد، وأفاد، فليراجعه من أراد.

ومحصل كلامه هناك، أنه إذا وصل إلى أحد قول إمام من الأربعة أو من غيرهم، ممن قبلهم أو بعدهم، على وجه الصحة، جاز له تقليده، إذا كان من غير أهل الاجتهاد.
المجتهد عليه أن يجتهد لنفسه، أما العامي، ومن لا يستطيع الاجتهاد، فيجوز له الأخذ بقول أي إمام كان، وأي فقيه، ممن بلغ مرتبة الاجتهاد،
كما يرشد إليه قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7). هذا من حيث حكم التقليد.

المسائل المختلف فيها:

ويقول السائل أيضًا:

هل ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كل هذه الأمور التي اختلف فيها الفقهاء؟

وأقول: هناك كثير من الأمور عملها النبي –صلى الله عليه وسلم- ورويت عنه فعلاً وإن كان واظب على بعضها أكثر من الآخر،
فمثلاً: التكبير في الأذان. الله أكبر الله أكبر. . هل هو أربع مرات أم مرتان؟ ورد هذا وورد هذا. فالمالكية أخذوا بالاثنتين،
وغيرهم أخذ بالتربيع. والترجيع في الشهادتين بصوت خفيف، كذلك ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- فأخذ به بعض العلماء ولم يأخذ الآخر.

فهذه الأمور، بعضها مما ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- وإن كان أكثر في ناحية وأقل في ناحية أخرى. كالجهر بالبسملة، فالمروي عنه -صلى الله عليه وسلم-
أنه كان لا يجهر بالبسملة، ولكن جاءت أحاديث تدل على أنه أيضًا جهر بها، وهذا ليس بممتنع أن يكون قد جهر في بعض الأحيان لتعليم من خلفه من المصلين
ونحو ذلك، ولهذا قال ابن تيمية في هذا الموضوع: يجوز أن يترك الأفضل في أمور العبادات لتأليف القلوب، كما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم-
بناء البيت - الكعبة - على قواعد إبراهيم، من خشية تنفيرهم، نص الأئمة كأحمد، على ذلك. في البسملة، ووصل الوتر، وغيره،
مما فيه العدول من الأفضل إلى الجائز، مراعاة للائتلاف، أو لتعريف السنة أو نحو ذلك.

ويقول السائل:

لماذا يكون الشيء فرضًا عند إمام، مكروهًا عند إمام آخر في أمور العبادات؟

وأقول:

إن هذه الصورة قليلة بل نادرة، ومثلها: القراءة خلف الإمام فهي عند الشافعية فرض في كل الصلوات، جهرية وسرية،
وعند الحنفية يرون هذه القراءة خلف الإمام مكروهة، فهما طرفان.
وهناك واسطة بين الطرفين وهو أن القراءة مشروعة في الصلاة السرية حيث لا يسمع المأموم، أما في الصلاة الجهرية
حيث يسمع المأموم، فتنصت، كما جاء في صحيح مسلم: ". . . وإذا قرأ فأنصتوا" فهذا التوسط هو الأولى.

الاعتماد على الكتاب والسنة:

ويقول الأخ السائل أيضًا:

وهل يمكن تقليد غير الأربعة؟ أو الاعتماد على الكتاب والسنة مباشرة، دون التقيد بمذهب الآن؟؟

أقول:
نعم، يجوز تقليد غير الأربعة. .

ويجوز الاعتماد على الكتاب والسنة لمن يقدر على الاعتماد عليهما، من أهل الفقه والنظر، فلهم أن يجتهدوا ويبحثوا، وأن يستخرجوا من الكتاب والسنة،
وأن يرجحوا، وأن يرجعوا إلى علماء الترجيح، وعلماء المقارنة، والذين يقارنون ويرجحون بالدليل كابن دقيق العيد، وابن تيمية وابن القيم
وابن حجر العسقلاني والصنعاني والشوكاني وغيرهم. . ثم يأخذ العالم بما هو أرضي لدينه وما هو أرجح في نفسه،
وما يطمئن إليه قلبه، فهذا هو الذي يكلف به، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

والقول الذي شاع في عصور التراجع والتخلف بأن باب الاجتهاد قد أغلق، قول مردود، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل قال الحنابلة وغيرهم:
إنه لا يجوز خلو عصر من العصور من مجتهد يفتي الناس وفق الأدلة. ولا حرج على فضل الله تعالى أن يمنح بعض عباده من المواهب والقدرات ما يؤهله لمرتبة الاجتهاد،
وهو ليس بالأمر المستحيل. بل هو في عصرنا أيسر بالنسبة لتيسر وسائل علمية لم تكن ميسرة لمن كان قبلنا، مثل الطباعة والتصوير، و(الكمبيوتر) وغيرها
(انظر في ذلك: كتابنا: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، فصل "تيسر الاجتهاد اليوم"). . .

أما من لا يعرف اللغة وعلومها ودلالاتها ولا يعرف ما يتعلق بالقرآن والسنة من معارف وعلوم متنوعة، ولا يعرف مواضع الإجماع والخلاف،
ولا يعرف أصول الفقه والقياس وقواعد التعارض والترجيح. . إلى غير ذلك من أدوات الاجتهاد الأساسية، فالواجب عليه أن يرجع إلى أهل الذكر،
كما يرجع الناس بالفطرة في كل اختصاص إلى أهله. قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7).

ولا يتصور تكليف الناس جميعًا بالاجتهاد كما يزعم بعضهم، فإن هذا غير ممكن، وليس عليه دليل.


بقي سؤال وهو: ما الحكم لو قلد الإنسان إمامًا في أمر وقلد غيره في أمر آخر؟

هذا يسمى التلفيق. . بعض العلماء أجازوا هذا الأمر، وبعضهم منعه، والذي أراه، أن التلفيق،
إذا كان يقصد أن يلفق، أو كأن يتتبع رخص المذاهب، يبحث عن الأسهل والموافق لهواه، وعما يحلو له،
دون مراعاة لأي دليل، فهذا لا يجوز. . ولهذا قال السلف: من تتبع رُخص المذاهب فسق.

ومثل ذلك: أن يأخذ بمذهب معين إذا كان في جانبه ومصلحته، كان يأخذ بقول أبي حنيفة في أن للجار الشفعة إذا كان
هو جارًا يريد العقار لنفسه، فإذا كان المذهب مع خصمه أخذ بضده كما في الصورة المقابلة، يقول: آخذ بقول الشافعي وأرفض ما سواه.

وذلك أنه هنا يتبع هواه، ويتلاعب بالدين، ويجعل المذاهب خادمة لمصلحته. والمؤمن ينبغي أن يكون مع الحق،
كان له أو عليه، وقد ذم الله تعالى المنافقين بقوله: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك
وما أولئك بالمؤمنين. وإذا دعوا إلي الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) (النور: 47 - 49).
فقد أرادوا أن يدور الحق معهم، لا أن يدوروا هم مع الحق، كما هو شأن المؤمنين الصادقين.

وأما إن كان المسلم يتبع ما هو أرجح في نظره، وما هو أقوى في قلبه، فلا بأس أن يقلد الحنفية
في أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، ويقلد الشافعية في أن سيلان الدم لا ينقض الوضوء.
ويقلد المالكية في أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، إذا اطمأن إلي الدليل في ذلك. وهذا ما نفتي به.
والله تعالى يوفقنا إلى التفقه في دينه، "فمن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين"،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله أعلم
ابو تميـــــم

[ 3 ]

الطهــــارة

والوضـــوء
ابو تميـــــم

فضل الوضوء ووجوب الطهارة

عن ‏ ‏همام بن منبه ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏أبا هريرة ‏ ‏يقول:‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ
قال رجل من ‏ ‏حضرموت ‏ ‏ما الحدث يا ‏ ‏أبا هريرة ‏ ‏قال فساء أو ضراط ‏( صحيح البخاري )

وفى فتح الباري فى صحيح البخاري:

‏‏قوله : ( لا تقبل ) ‏أما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " من أتى عرافا لم تقبل له صلاة " فهو الحقيقي ;
لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع , ولهذا كان بعض السلف يقول : لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا ,
قاله ابن عمر . قال : لأن الله تعالى قال : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) . ‏

‏قوله : ( أحدث ) ‏‏أي : وجد منه الحدث , والمراد به الخارج من أحد السبيلين , وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك تنبيها بالأخف على الأغلظ ;
ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما , وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء - كمس الذكر ولمس المرأة والقيء ملء الفم والحجامة -

فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها . وعليه مشى المصنف كما سيأتي في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين . وقيل : إن أبا هريرة اقتصر في الجواب
على ما ذكر لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك , وفيه بعد . واستدل بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريا أم اضطراريا ,
وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء , وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا . ‏

‏قوله : ( يتوضأ ) ‏‏أي : بالماء أو ما يقوم مقامه , وقد روى النسائي بإسناد قوي عن أبي ذر مرفوعا " الصعيد الطيب وضوء المسلم "
فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء لكونه قام مقامه , ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة من كان محدثا فتوضأ أي : مع باقي شروط الصلاة .

عن‏ ‏نعيم المجمر ‏ ‏قال ‏ ‏رقيت مع ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏على ظهر المسجد فتوضأ فقال إني سمعت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏إن أمتي يدعون يوم القيامة ‏ ‏
غرا ‏ ‏محجلين ‏ ‏من آثار الوضوء ‏ ‏فمن استطاع منكم أن يطيل ‏ ‏غرته ‏ ‏فليفعل (صحيح البخارى )

‏قوله . ( رقيت ) ‏‏بفتح الراء وكسر القاف أي : صعدت .
قوله : ( محجلين ) ‏‏بالمهملة والجيم من التحجيل وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس , وأصله من الحجل بكسر المهملة وهو الخلخال ,
والمراد به هنا أيضا النور . واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة , وفيه نظر لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة رضي الله عنها
مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي , وفي قصة جريج الراهب أيضا أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام ,
فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء , وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضا مرفوعا قال :
" سيما ليست لأحد غيركم " وله من حديث حذيفة نحوه . و " سيما " بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة أي : علامة . وقد اعترض بعضهم على الحليمي
بحديث " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي " وهو حديث ضعيف كما تقدم لا يصح الاحتجاج به لضعفه ; ولاحتمال أن يكون الوضوء
من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة . ‏

‏قوله : ( من آثار الوضوء ) ‏‏بضم الواو , ويجوز فتحها على أنه الماء قاله ابن دقيق العيد . ‏

‏قوله : ( فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ) ‏‏أي : فليطل الغرة والتحجيل . واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى نحو ( سرابيل تقيكم الحر )
واقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنثة دون التحجيل وهو مذكر لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء , وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان . على أن في رواية مسلم
من طريق عمارة بن غزية ذكر الأمرين , ولفظه " فليطل غرته وتحجيله " وقال ابن بطال : كنى أبو هريرة بالغرة عن التحجيل لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله ,
وفيما قال نظر لأنه يستلزم قلب اللغة , وما نفاه ممنوع لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلا . ونقل الرافعي عن بعضهم أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل .

ثم إن ظاهره أنه بقية الحديث , لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم وفي آخره : قال نعيم لا أدري قوله من استطاع إلخ من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة ,
ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله أعلم . واختلف العلماء في القدر
المستحب من التطويل في التحجيل فقيل : إلى المنكب والركبة , وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأيا . وعن ابن عمر من فعله أخرجه ابن أبي شيبة , وأبو عبيد بإسناد حسن ,
وقيل المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق , وقيل إلى فوق ذلك . وقال ابن بطال وطائفة من المالكية : لا تستحب الزيادة على الكعب والمرفق لقوله صلى الله عليه وسلم "
من زاد على هذا فقد أساء وظلم " وكلامهم معترض من وجوه , ورواية مسلم صريحة في الاستحباب فلا تعارض بالاحتمال .

وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر , وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية والحنفية .

وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى بمعنى ما روى , كيف وقد صرح برفعه إلى الشارع صلى الله عليه وسلم
وفي الحديث معنى ما ترجم له من فضل الوضوء ; لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب , فكيف الظن بالواجب ؟
وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة أخرجها مسلم وغيره , وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد لكن إذا لم يحصل منه أذى للمسجد أو لمن فيه .

عن ‏ ‏مصعب بن سعد ‏ ‏قال ‏دخل ‏ ‏عبد الله بن عمر ‏ ‏على ‏ ‏ابن عامر ‏ ‏يعوده وهو مريض فقال ألا تدعو الله لي يا ‏ ‏ابن عمر
‏قال إني سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من ‏ ‏غلول( صحيح مسلم )
‏وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا صدقة من غلول ) ( الغلول ) الخيانة , وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة .
ابو تميـــــم

‏الطهارة ...المؤمن لا ينجس


يقول فضيلة الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

قد تميز الإسلام بالحرص على التطهر والتطهير، حِسًّا ومعنى، وكان من أوائل ما نزل من القرآن: (وثيابك فطهر) المدثر: 4،
بل زاد على ذلك التزين والتجمل، فكان من أوامر القرآن المكي: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف: 31،
وقال رسول الإسلام: "إن الله جميل يحب الجمال" رواه مسلم.

ولم يهتم دين بالطهارة والنظافة عموما كما اهتم دين الإسلام، فاهتم بنظافة الإنسان، ونظافة البيت،
ونظافة الطريق، ونظافة المسجد، وغير ذلك، حتى شاع بين المسلمين دون غيرهم: هذه الكلمة " النظافة من الإيمان "،
في حين كان بعض رجال الأديان في العصور الوسطى ـ كالرهبان في الغرب ـ يتقربون إلى الله بالقذارة والبعد عن استخدام الماء،
حتى قال أحدهم: يرحم الله القديس فلانا، لقد عاش خمسين سنة ولم يغسل رجليه!
وقال آخر: لقد كان مَن قبلنا يعيش أحدهم طول عمره لا يبل أطرافه بالماء، ولكنا أصبحنا في زمن يدخل فيه الناس الحمامات!
(ذكر ذلك العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه القيم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟) في حديثه عن الرهبانية وتشددها في القرون الوسطى في الغرب.)

ومما تجلى للراسخين في العلم، الذين جمعوا بين صحيح المنقول، وصريح المعقول من علماء الإسلام: أنَّ الخُبث والطِيب أمران معقولان
في الأفعال: كالحُسْن والقُبح، وفي الأعيان: كالمستقذر والمُستطاب، وأنه لا شكَّ في مناسبة ملابسة الطَّيِّبات، ومجانبة الخبائث،
غير أن العقل لا يقع على تفاصيلها، وإنَّما قد يُدرك الفرد منها، أو الأفراد: كالعدل والظلم، وكالماء والعَذِرَة، فجاء الشَّرع بتفاصيلها
بتعيين محالها في المحسوسات، وبيان حدودها في المعقولات، وأمر بالبُعد عنها قبل ملابستها، وأمر بتبعيدها وإزالتها بعد ملابستها،
وسمَّى ذلك: تطهيرا وتزكية، ففي المعاني: بالتَّوبة والكفَّارات، وفي المحسوسات: بالتطهير بالماء ونحوه، ولذا جمع بينهما سبحانه
بقوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) البقرة: 222.

ثم إن شرف المخلوق إنما هو بانتسابه إلى خالقه، فاختلفت أحواله، فشرع له التَّنزُّه عن النجاسة في كل حال، وأوجب التَّنزه في أحوال إقباله على ربه كالصلاة،
فإنها غاية القرب، ولذا ناسبتها الزينة: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف:31، ويقرب منها الطواف (أي بالكعبة)، وتوسط حال
ما هو دون ذلك كتلاوة القرآن وسائر أحوال الحج، لعدم الاستغراق في الإقبال، أو للرفق بالعبد. وكذلك اختلفت الخبائث في ذات بينها للأمرين،
أعني قوة الاستخباث أو الرفق، والإحاطة بتفاصيل ما ذكرنا يختص بها علام الغيوب، وإنما أعطى سبحانه العقل أمرا مجملا،
ولوائح من التفصيل، بحيث يقبل ما يرد عليه من التفاصيل بعد علمه بحكمه الحكيم تعالى، ولذا نقول: مَنْ لم يعلم الحكمة،
فهو متزلزل القواعد في دينه، انتهى كلامه.

وفي موضوع المؤمن لا ينجس: ‏

‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ "‏أنه لقيه النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في طريق من طرق ‏ ‏المدينة ‏ ‏وهو جنب ‏ ‏فانسل ‏ ‏فذهب فاغتسل فتفقده النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏
‏فلما جاءه قال أين كنت يا ‏ ‏أبا هريرة ‏ ‏قال يا رسول الله لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏
‏سبحان الله ‏ ‏إن المؤمن لا ينجس ‏" ( متفق عليه ) وفي لفظ مسلم " ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لقيه وهو جنب ‏ ‏
فحاد‏عنه فاغتسل ثم جاء فقال كنت جنبا قال ‏ ‏إن المسلم لا ينجس

وفي صحيح مسلم باب ‏ ‏الدليل على أن المسلم لا ينجس يقول النووي :

( سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ) وفي الرواية الأخرى : ( إن المسلم لا ينجس ) هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا فأما
الحي فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها . قال بعض أصحابنا : هو طاهر بإجماع المسلمين .
قال : ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة , ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه
فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج . هذا حكم المسلم الحي , وأما الميت ففيه خلاف للعلماء وللشافعي فيه قولان : الصحيح منهما أنه طاهر ,
ولهذا غسل , ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إن المسلم لا ينجس " وذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس تعليقا : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا .
هذا حكم المسلم . وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف .
وأما قول الله عز وجل : { إنما المشركون نجس } فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار , وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما .
فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا , فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات سواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء ,
وهذا كله بإجماع المسلمين كما قدمته في باب الحيض , وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة ,
فتجوز الصلاة في ثيابهم , والأكل معهم من المائع إذا غسلوا أيديهم فيه , ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة .

‏وفي هذا الحديث" (‏أنه لقيه النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في طريق من طرق .......... )
استحباب احترام أهل الفضل وأن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم , فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات .
وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله في حال مجالسة شيخه , فيكون متطهرا متنظفا بإزالة الشعور المأمور
بإزالتها وقص الأظفار وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة وغير ذلك ; فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء

‏وفي هذا الحديث أيضا من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه ,
وقال له صوابه وبين له حكمه . والله أعلم . ‏
‏ ‏وفيه قوله : ( فانسل ) أي ذهب في خفية . وفيه قوله صلى الله عليه وسلم :
( سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ) وقد قدمنا في مواضع أن سبحان الله في هذا الموضع وشبهه يراد بها التعجب. ‏

ويقول الحافظ ابن حجدر العسقلاني في فتح الباري : ‏قوله: ( إن المؤمن لا ينجس ) ‏‏تمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر
فقال : إن الكافر نجس العين وقواه بقوله تعـالى ( إنما المشركون نجس ) وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء
لاعتياده مجانبة النجاسة بخلاف المشرك ; لعدم تحفظه عن النجاسة وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار
وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن ومع ذلك فلم يجب عليه
من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين إذ لا فرق بين النساء والرجال .
وأغرب القرطبي في الجنائز من شرح مسلم فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي
وسيأتي الكلام على مسألة الميت في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى . ‏

‏وفي هذا الحديث استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات .
وكان سبب ذهاب أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا لقي أحدا من أصحابه ماسحه ودعا له هكذا رواه النسائي وابن حبان
من حديث حذيفة فلما ظن أبو هريرة أن الجنب ينجس بالحدث خشي أن يماسحه صلى الله عليه وسلم كعادته فبادر إلى الاغتسال
وإنما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله " وأنا على غير طهارة "

وقوله " سبحان الله " تعجب من اعتقاد أبي هريرة التنجس بالجنابة أي كيف يخفى عليه هذا الظاهر ؟
وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه ; لقوله " أين كنت ؟ " فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن لا يفارقه حتى يعلمه .
وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب وإن لم يسأله . وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه وبوب عليه
ابن حبان الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس

واستدل به البخاري على طهارة عرق الجنب ; لأن بدنه لا ينجس بالجنابة فكذلك ما تحلب منه .
وعلى جواز تصرف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل .
ابو تميـــــم

آداب قضاء الحاجة


أحكام في قضاء الحاجة:

1- عدم استقبال قبلة الصّلاة عند البول والغائط ( وقبلة المسلمين هي الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام بأمر من الله في مكة )
وهذا من احترام القبلة وتعظيم شعائر الله وقد قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرْهَا . رواه مسلم.

2- أن لا يمسّ ذَكَرَه بيمينه وهو يبول لقوله صلى الله عليه وسلم :
" إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ . " رواه البخاري 150

3- أن لا يزيل النّجاسة بيمينه بل يستخدم شماله لمباشرة النجاسة في إزالتها للحديث المتقدّم
ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ . " رواه البخاري 5199 ولما روته حفصة رضي الله عنها
زوج النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَثِيَابِهِ وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ .
رواه الإمام أحمد وهو في صحيح الجامع 4912 ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِذَا اسْتَطَابَ أَحَدُكُمْ فَلا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ ، لِيَسْتَنْجِ بِشِمَالِهِ . " رواه ابن ماجة 308 وهو في صحيح الجامع 322

4- والسنّة أن يقضي حاجته جالسا وأن يدنو من الأرض لأنّه أستر وآمن
من ارتداد رشاش البول عليه وتلويث بدنه وثيابه فإن أَمِن ذلك جاز البول قائما

5- أن يستتر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة وقد كان أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ
هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ ( أي مرتفع من الأرض أو حائط نخل وهو البستان ) . رواه مسلم 517 ،
وإذا كان الإنسان في الفضاء وأراد قضاء حاجة ولم يجد شيئا يستره فليبتعد عمن حوله من الناس
لما رواه الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ
فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ رواه الترمذي 20 وقال : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ
قَالَ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَلاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ . رواه النسائي 16 وهو في صحيح الجامع

6- أن لا يكشف العورة إلا بعد أن يدنو من الأرض لأنّه أستر لما رواه أَنَس رضي الله عنه قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الأَرْضِ رواه الترمذي 14 وهو في صحيح الجامع 4652 .
وإذا كان في مرحاض فلا يرفع ثوبه إلا بعد إغلاق الباب وتواريه عن أعين النّاظرين ، ومن هذه النقطة والتي قبلها تعلم أيّها السائل الكريم أنّ ما يفعله كثير من النّاس
في بلاد الغرب وغيرها من التبوّل وقوفا في المحلات المكشوفة داخل المراحيض العامة هو أمر مناف للأدب والحياء
والحشمة والأخلاق الفاضلة الكريمة وتقشعرّ منه بدن كلّ صاحب فطرة سليمة وعقل صحيح ، إذ كيف يكشف الشّخص
أمام النّاس عورته التي جعلها الله بين رجليه سترا لها وأمر بتغطيتها واستقرّ أمر تغطيتها عند جميع عقلاء البشر .
وكذلك فإنّ من الخطأ أساسا بناء المراحيض بهذا الشّكل المُشين الذي يرى فيه مستعملوها بعضهم بعضا
وهم يبولون متخلّفين في ذلك عن بعض البهائم التي من عادتها الاستتار عند التبوّل والتغوّط .

7- ومن الآداب الشّرعية عند المسلمين أذكار معيّنة يقولونها عند دخولهم الخلاء وعند خروجهم منه وهي مناسبة تمام المناسبة للحال
والمكان فقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول الواحد منا عند دخول الخلاء : بسم الله ، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ،
فيستعيذ بالله من كلّ أمر خبيث ومن كلّ شيطان وشيطانة ، وعند الخروج يسأل الله المغفرة بقوله : غفرانك .

8- الاعتناء بإزالة النجاسة بعد الفراغ من قضاء الحاجة لقوله صلى الله عليه وسلم محذّرا من التساهل في التطهّر من البول :
" أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ . " رواه ابن ماجة 342 وهو في صحيح الجامع 1202 وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ
أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ . " رواه البخاري 5592

9- أن يكون غسل النجاسة أو مسحها ثلاث مرات أو وترا بعد الثلاث بحسب ما تدعو إليه حاجة التطهير ،
لما جاء عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلاثًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَعَلْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ دَوَاءً وَطُهُورًا . رواه ابن ماجة 350
وهو في صحيح الجامع 4993 ، ولما رواه أبو هُرَيْرََةُ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا .
" رواه الإمام أحمد وحسنه في صحيح الجامع 375

10- أن لا يستعمل العظم ولا الرّوث في الاستجمار ( وهو إزالة النجاسة بالمسح ) . وإنما يستعمل المناديل والحجارة ونحوها .
لما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا
فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقَالَ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا وَلا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي
حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ قَالَ هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ .. الحديث رواه البخاري 3571

11- أن لا يبول الإنسان في الماء الراكد . لما رواه جَابِر رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ . " رواه مسلم 423 ولأنّ في ذلك تنجيسا للماء وإيذاء لمستعمليه .

12- أن لا يبول في طريق النّاس ولا في ظلّ يستظلّ به النّاس ، لأنّ في ذلك إيذاء لهم ،
وقد روى أبو هُرَيْرَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ قَالُوا وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ . " رواه أبو داود 23 وهو في صحيح الجامع 110

13- أن لا يسلّم على من يقضي حاجته ولا يردّ السّلام وهو في مكان قضاء الحاجة تنزيها لله أنْ يُذكر اسمه في الأماكن المستقذرة
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتَنِي ع
َلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ . " رواه ابن ماجة 346 وهو في صحيح الجامع 575 .
وجمهور العلماء على كراهية الكلام في الخلاء لغير حاجة .

كانت تلك طائفة من الآداب والأحكام التي وردت في شريعة الإسلام بشأن هذا الموضوع
الذي يتكرر من كلّ إنسان يوميا فاعتنت به الشّريعة غاية الاعتناء وبيّنت فيه كلّ التبيين
فما بالك بما هو أعظم منه ، فهل تعلم أيها السائل الكريم دينا أو شريعة في العالم جاءت بمثل هذا ،
إنّه كاف والله في إثبات كمالها وحسنها ووجوب اتّباعها .
ابو تميـــــم

القبلة وقضاء الحاجة

سمعنا أنه لا يجوز أن يكون الإنسان متوجها إلى القبلة وهو يقضى حاجة البول ،
فماذا نفعل وبعض البيوت قد يكون الاتجاه فى ذلك إلى القبلة دون قصد؟


يجب المفتى فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف

روى مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
يدل هذا الحديث على احترام القبلة ، فلا يكون الإنسان أثناء قضاء حاجته المعروفة متوجها إليها ولا موليا ظهره إياها ،
وذلك أمر مندوب إليه وليس واجبا ، فلو لم يفعل ذلك لم يرتكب إثما ، بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يلتزمه ،

فقد روى الجماعة عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال : رقيت يوما بيت حفصة -وهى أخته أم المؤمنين -
فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة ، ورأى جماعة من الفقهاء أن حرمة استقبال القبلة
واستدبارها أو كراهته إنما يكون فى الصحراء والخلاء ، حيث لا يوجد بناء ولا حواجز، أما إذا كان ذلك فى البنيان فلا حرمة ولا كراهة

ومعلوم أن أماكن قضاء الحاجة فى المدن وغيرها توجد فى أبنية مستورة ، فلا ينطبق عليها هذا الحديث.
ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم بسند حسن -كما فى فتح البارى لابن حجر-أن ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها،
فقال له مروان : أليس قد نُهى عن ذلك ؟ قال : بلى، إنما نُهى عن هذا فى الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شىء فلا بأس.

قول الشيخ سيد سابق:-

من آداب قضاء الحاجة أن تعظم القبلة فلا تُستقبَل ولا تُستدبَر ،لحديث النبي صلى الله عليه وسلم :
"إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" رواه أحمد ومسلم ، وهذا النهي محمول على الكراهة
لحديث ابن عمر:"رقيت يوما بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" رواه الجماعة،
والأرجح في الجمع بين الحديثين أن يقال أن التحريم في الصحراء والإباحة في البنيان،فعن مروان الأصغر
قال :"رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول فيها ،فقلت يا أبا عبدالرحمن ،أليس قد نُهي عن ذلك ،
قال :"بلى ،إنما نُهي عن هذا في الفضاء ،فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس"
رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم ،وإسناده حسن

حدثنا ‏ ‏محمد بن بشار ‏ ‏حدثنا ‏ ‏وهب بن جرير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبي ‏
‏قال سمعت ‏ ‏محمد بن إسحق ‏ ‏يحدث عن ‏ ‏أبان بن صالح ‏ ‏عن ‏ ‏مجاهد ‏ ‏عن ‏ ‏جابر بن عبد الله ‏
‏قال ‏ ‏نهى نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أن نستقبل القبلة
ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها( سنن أبى داود) ‏
ابو تميـــــم

حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة


ما حكم استقبال القبلة واستدبارها داخل المنازل وفي الصحراء عند قضاء الحاجة ؟


يجيب المفتى: الشيخ عبد العزيز بن باز مفتى السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء


لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة من بول أو غائط ، إذا كان الإنسان في الصحراء؛
لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن ذلك ، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وغيره .
أما في البيوت فلا حرج في ذلك؛ لما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال :
رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة

‏فىالحديث السابق " قال الترمذي حديث غريب " : ‏

‏وقال الترمذي : سألت محمدا عن هذا الحديث , فقال : حديث صحيح وقد أعل ابن حزم حديث جابر بأنه عن أبان بن صالح ,
وهو مجهول , ولا يحتج برواية مجهول . قال ابن مفوز : أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث وهو أبان بن صالح بن عمير ,
أبو محمد القرشي , مولى لهم , المكي روى عنه ابن جريج , وابن عجلان , وابن إسحاق ,
وعبيد الله بن أبي جعفر استشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء ,
وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي , وهو والد محمد بن أبان بن صالح بن عمير الكوفي ,
الذي روى عنه أبو الوليد وأبو داود الطيالسي وحسين الجعفي وغيرهم , وجد أبي عبد الرحمن مشكدانة , شيخ مسلم , و
كان حافظا . وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق , وليس هو ممن يحتج به في الأحكام فكيف إن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح
أو ينسخ به السنن الثابتة ؟ مع أن التأويل في حديثه ممكن , والمخرج منه معرض تم كلامه , وهو - لو صح -
حكاية فعل لا عموم لها , ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان ؟ وهل كان لعذر : من ضيق مكان ونحوه ,
أو اختيارا ؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع ؟ ‏

‏فإن قيل : فهب أن هذا الحديث معلول , فما يقولون في حديث عراك عن عائشة " ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أوقد فعلوها ؟ ! استقبلوا بمقعدتي القبلة " . ‏

‏فالجواب أن هذا الحديث لا يصح , وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري .
وقال بعض الحفاظ : هذا حديث لا يصح , وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة , المعانون عليها وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه
ولا أقام إسناده خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به , الضابط لحديثه : جعفر ابن ربيعة الفقيه ,
فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة : أنها كانت تنكر ذلك فبين أن الحديث لعراك عن عروة , ولم يرفعه ,
ولا يجاوز به عائشة وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك , مع صحة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وشهرتها
بخلاف ذلك, وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن الأثرم قال : سمعت أبا عبد الله - وذكر حديث خالد بن أبي الصلت
عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم , هذا الحديث فقال : مرسل . فقلت له : عراك بن مالك قال سمعت عائشة ؟
فأنكره وقال : عراك بن مالك من أين سمع عائشة ؟ ! ما له ولعائشة ؟ ! إنما يرويه عن عروة , هذا خطأ , قال لي : من روى هذا ؟
قلت : حماد بن سلمة عن خالد الحذاء , قال : رواه غير واحد عن خالد الحذاء , وليس فيه سمعت . وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ,
ليس فيه سمعت . فإن قيل : قد روى مسلم في صحيحه حديثا عن عراك عن عائشة .
قيل : الجواب أن أحمد وغيره خالفه في ذلك , وبينوا أنه لم يسمع منها .
ابو تميـــــم

الشك فى الوضوء والصلاة بعد تمامهما


الشك فى الطهارة أو الصلاة بعد إتمامهما غير معتبر شرعا
إلا إذا تيقن الشخص بوجود حدث أثناء الوضوء أو بعده أو تيقن
بترك بعض أركان الصلاة أو بارتكاب شىء يبطلها ؟


إن السائلة المذكورة يلازمها الشك كثيرا منذ ثلاث سنوات فى وضوئها أثناء الوضوء وبعده فى الصلاة وخارجها مما يترتب عليه
إعادة الوضوء عدة مرات كما أنها تشك أيضا فى صلاتها من ناحية نقصها أو زيادتها وذلك بعد تمامها.
وطلبت معرفة الحكم الشرعى فيما يجب عليها أن تفعله إزاء هذا الشك حتى تكون صلاتها صحيحة.


إن المفهوم من السؤال أن الشك يحدث للسائلة فى الطهارة بعد إتمام الوضوء وفى الصلاة بعد إتمامها أيضا.&فهى إذن يطرأ عليها الشك
بعد تيقنها من الطهارة وبعد تيقنها من إتمام الصلاة - كما يفهم من السؤال أيضا أن هذا الشك أصبح عادة لها -
وحكم الوضوء شرعا فى هذه الحالة أنه صحيح وتعتبر متطهرة فيجب عليها عدم الالتفات إلى هذا الشك، لأن الشك لا يرفع اليقين شرعا ،
وكذلك حكم الشك فى الصلاة مادام يحدث لها بعد تمامها إذا الشك فى هذه الحالة غير معتبر كما ذكر.&وهذا كله إذا لم تتيقن من وجود الحدث
أو لم تتيقن من ترك بعض أركان الصلاة أو ارتكاب ما يبطلها.&وإننا ننصح السائلة بأن تتوضأ مرة واحدة وتصلى ولا تلتفت لهذا الشك مطلقا
مهما كان أثره فى نفسها ولا تعيد الوضوء ولا الصلاة وبذلك تكون أدت الواجب عليها وأبرأت ذمتها أمام الله لأن
الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها - ولا نزاع فى أنها إذا اتبعت هذا تغلبت على
هذا الشك فى وقت قريب جدا وشفيت منه تماما ومن هذا يعلم الجواب عنة السؤال .
ابو تميـــــم

مس الفرج بعد الوضوء


هل ينتقض الوضوء بمس الفرج ؟

يجيب المفتى : الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالأزهرالشريف.


1 -عن بُسْرَة بنت صفوان قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم " من مس ذكره فلا يصلى حتى يتوضأ "
رواه الخمسة وصححه الترمذى، قال البخارى : هو أصح شىء فى هذا الباب.

2 -وعن بسرة أيضا قالت : سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول " ويتوضأ من مس الذكر" رواه أحمد والنسائى.

3-وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت : " ويل للذين يمسون فروجهم ولا يتوضأون ". أخرجه الدارقطنى.

4 -وعن أم حبيبة رضى اللَّه عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من مس فرجه فليتوضأ " رواه ابن ماجه وصححه أحمد.

5 -سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره : أعليه وضوء ؟ فقال : "إنما هو بضعة منك "
رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وأحمد، وصححه عمر بن القلاس ، وقال : هو عندنا أثبت من حديث بسرة ،
وصححه ابن حبان.بناء على الأحاديث الأربعة الأولى قـال جماعة من الصحابة والتابعين بنقض الوضوء بمس الفرج ،
وعليه جمهور الفقهاء، على أن يكون المس بغير حائل ، لحديث رواه أحمد وابن حيان والحاكم وصححاه

" من أفض بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء" وإليك بعض التفصيل لأقوال الفقهاء :

أ- قالت المالكية : ينتقض الوضوء بمسي الإنسان ذكـر نفسه المتصل به ، فلو مس ذكر غيره يكون لامسا يجرى عليه حكم اللمس -
وقد تقدم ذلك فى نقض الوضوء باللمس -ويشترط أن يكون بدون حائل وببطن الكف أو باطن الأصابع أو جنبها أو رأس الأصبع ،
ولا ينتقض بمس امرأة فرجها ولو أدخلت فيه إصبعها ولو التذت ، ولا بمس حلقة الدبر، ولا بإدخال أصبعه فيه على الأصح
وإن كان حراما لغير حاجـة، أما مس دبر غيره أو فرج امرأته فهو لمس يجرى عليه حكم الملامسة- وقد تقدم.

ب - وقالت الشافعية : مس الذكر المتصل أو المنفصل الذى لم يتجزأ ينقض الوضوء بشرط عدم الحائل ،
وأن يكون ببطن الكف أو الأصابع ، ولا فرق بين ذكر نفسه أو غيره ، ولو صغيرا أو ميتا ، ومثله مس حلقة الدبر وقبل المرأة.

ج - وقالت الحنابلة : ينتقض الوضوء بمس ذكر الآدمى من نفسه ومن غيره صغيرا أو كبيرا ، حيا أو ميتا ، بشرط الاتصال وبغير حائل وباليد
ظهرا أو بطنا إلا الأظافر، وينتقض بمس حلقة دبره أو دبر غيره ، وبمس فرج الأنثى ، ولا ينتقض بمس امرأة فرج نفسها ، إلا إذا أولجت إصبعها إلى الداخل.

وبناء على الحديث الخامس ذهب بعض الصحابة والتابعين ، وعليه أبو حنيفة والثورى إلى أن مس الذكر غير ناقض للوضوء
وردوا على رأى الجمهور بأن الوضوء الوارد فى الأحاديث الأولى هو الوضوء اللغوى أى غسل اليدين.

أما الجمهور فردوا رأى الأحناف بأن الحديث الخامس الذى اعتمدوا عليه ضعفه الإمام الشافعى وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطنى
والبيهقى وابن الجـوزى ، وادعى ابن حبان والطبـرانى واَخـرون أنه منسوخ ، وقالوا : إن راوى هذا الحديث وهو طلق بن على روى أيضا
حديث " من مس فرجه فليتوضأ " كما صححه الطبرانى، فقيل سمع. أولا عدم النقض ، ثم سمع آخرا النقض.
وبهذا يظهر رجحان رأى الجمهور وهو النقض.
ابو تميـــــم

نقض الوضوء بخروج الدم


هل ينتقض الوضوء بخروج الدم ؟

يجيب المفتى : الشيخ عطية صقر. رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف


اختلف الفقهاء فى نقض الوضوء بالدم الخارج من الجسم ، فقال الشافعى وأصحابه بعدم نقض الوضوء بخروج الدم من غير السبيلين لا القُبل والدبر
" إلا إذا كان من ثقبة تحت المعدة تقوم مقام السبيلين فى خروج الفضلات ، وكذلك قال مالك بعدم النقض بخروج الدم من غير السبيلين إلا إذا كان
من ثقبة تحت المعدة أو من الفم إذا صار ذلك مخرجا للفضلات يقوم مقام السبيلين مع بعض التوضيحات عندهما فى الخارج من الثقبة.

وسند هؤلاء فى عدم النقض للوضوء بالرعاف والحجامة والجرح أن الأصل عدم النقض للمتوضئ إلا بما يدل عليه دليل مقبول ،
ولا يوجد هذا الدليل.&يقول الشوكانى : لا يصار إلى القول بأن الدم أو القئ ناقض إلا بدليل ناهض ، والجزم بالوجوب قبل صحة المستند كالجزم بالتحريم قبل صحة النقل ،
والكل من التقول على الله بما لم يقل [ يشير بهذا إلى قوله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب } النحل : 116 ،
ويؤيد قول هؤلاء الحديث عباد بن بشر ، فإنه يبعد ألا يطلع النبى صلى الله عليه وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة ولم ينقل أنه أخبره بأن وضوءه
بطل كما يؤيد هذا القول حديث احتجام النبى صلى الله عليه وسلم وعدم وضوئه وإن كان ضعيفا.&أما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا بنقض الوضوء
بالرعاف وبنزول الدم من أى مكان فى الجسم ، بشرط السيلان الذى يجاوز به الدم محل خروجه ، وكذلك قال أحمد بن حنبل بشرط كثرة الخارج من الدم

وسند هؤلاء هو المرويات الثلاثة الأولى ، وهى ضعيفة. أما المذى فهو نافض للوضوء باتفاق لخروجه من القبل.فإذا خرج بعض الدم من الأسنان
أو من أثر الحلافة أو من سكين أو غير ذلك فالوضوء صحيح على مذهب جمهور الفقهاء ، والواجب هو تطهير المحل الذى أصابه الدم
نيل الأوطار للشوكانى ج 1 ص 257 - 209 ، الفقه على المذاهب الأربعة ".

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي:-

مما اخْتُلف فيه من النواقض: القيء، والرعاف، وسيلان الدم من الجسم، كدم العضد والحجامة والجروح.
فقد اختلف فيها الفقهاء. فمنهم من نقض بها مطلقا كالحنفية.

ومنهم من لم ينقض بها مطلقا كالمالكية والشافعية.
ومنهم من نقض بالكثير منها، كالحنابلة بالدم الكثير في المعتمد من المذهب.

والذي نرجحه هو عدم النقض بشيء من هذه الأشياء، قَلَّ ذلك أو كثر.

وذلك لأن نقض الوضوء أمر تعبدي لا يثبت إلا بالشرع ـ قرآن أو حديث صحيح ـ ولم يثبت شيء من ذلك.
ولا مدخل للقياس هنا، لأن علة النقض غير معقولة.

قال النووي: وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأبو هريرة وعائشة وابن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر
والقاسم بن محمد وطاوس وعطاء ومكحول وربيعة ومالك وأبو ثور وداود وقال البغوي: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.

قال الشوكاني في (السيل الجرار):
(قد عرفنا فيما سلف أن الأصل في الأشياء الطهارة فمن ادعى نجاسة شيء من الأشياء فعليه الدليل فإن جاء
بما يصلح للنقل عن هذا الأصل المصحوب بالبراءة الأصلية فذاك وإلا فلا قبول لقوله.
وهكذا من ادعى أنه ينقض الطهارة الصحيحة ناقض فعليه الدليل، فإن نهض به فذاك، وإلا فقوله رَدٌّ عليه.

وعرفناك أن الحدث مانع من الصلاة، فإذا ارتفع الحدث بالوضوء كان مرتفعا حتى يعود ذلك المانع ، ولم يأت من قال
بأن خروج الدم ناقض بشيء يصلح للتمسك به. فدل ذلك على أن خروج الدم لا يبطل الوضوء.
وقد أخرج البخاري عن جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرقاع فرُمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد،
ومضى في صلاته". وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.

وقد ثبت في روايات صحيحة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل الشِّعب فقال: من يحرسنا الليلة؟ فقام رجل من المهاجرين
ورجل من الأنصار فباتا بِفَم الشِّعب، فاقتسما الليلة للحراسة، وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من العدو فرمى الأنصاري
بسهم فأصابه فنزعه، واستمر في صلاته، ثم رماه بثان، فصنع كذلك، ثم رماه بثالث، فنزعه وركع وسجد، وقضى صلاته،
ثم أيقظ رفيقه، فلما رأى ما به من الدماء قال له: لم لا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن لا أقطعها ".
قال النووي: وموضع الدلالة: أنه خرج منه دماء كثيرة، واستمر في الصلاة، ولو نقض الدم لما جاز بعده الركوع والسجود
وإتمام الصلاة، وعلم النبي بذلك ولم ينكره.

قال الشوكاني: ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع على ذلك، ولم ينكر عليه الاستمرار في الصلاة بعد خروج الدم،
ولو كان الدم ناقضا لبين له ولمن معه في تلك الغزوة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخوضون المعارك حتى تتلوث أبدانهم وثيابهم بالدم،
ولم ينقل أنهم كانوا يتوضأون لذلك ولا سُمع عنهم أنه ينقض الوضوء.
ابو تميـــــم

ترتيب غسل الأعضاء فى الوضوء


اختلف الفقهاء في ترتيب غسل الأعضاء في الوضوء على النحو التالي :

الترتيب في أعمال الوضوء فرض عند الشافعية والحنابلة ‏;‏ لأنها وردت في الآية مرتبة ‏,‏
قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ‏}‏؛
لأن إدخال الممسوح ‏(‏ أي الرأس ‏)‏ بين المغسولات ‏(‏ أي الأيدي والأرجل ‏)‏ قرينة على أنه أريد به الترتيب ‏,‏
فالعرب لا تقطع النظير عن النظير إلا لفائدة ‏,‏ والفائدة هاهنا الترتيب ‏.‏ ‏

‏وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم وجوب الترتيب في الوضوء ‏,‏
بل هو سنة عندهم ‏;‏ لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء ‏,‏
وعطف بعضها على بعض بواو الجمع ‏,‏ وهي لا تقتضي الترتيب .


التثليث في الوضوء


سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فمن توضأ مرة واحدة أجزأته ،ومن نقص عن ثلاث
فلا بأس في ذلك ،فإن خلط بين الهيئات جاز لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب نقلاً عن الإمام الشيرازي أحد فقهاء الشافعية: : ‏‏
إذا خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا جاز ‏،‏ لما روى عبد الله بن زيد ‏:‏
أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا ويديه مرتين.

وقال الإمام النووي في الكتاب نفسه: أجمع العلماء على أن الواجب مرة واحدة ‏،‏ وممن نقل الإجماع فيه ابن جرير
في كتابه اختلاف العلماء وآخرون ‏،‏ وحُكِىَ أن بعض الناس أوجب الثلاث ‏،‏ وهذا مذهب باطل لا يصح عن أحد من العلماء ‏،‏
وهو مردود بإجماع من قبله ‏،‏ والأحاديث الصحيحة منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة ‏}‏
رواه البخاري وحديث عبد الله بن زيد ‏{‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل بعض أعضائه ثلاثًا وبعضها مرتين ‏}‏ رواه البخاري ومسلم
و للبخاري عن عبد الله بن زيد ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏ توضأ مرتين مرتين ‏}‏ ‏،‏
والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة وهو مجمع عليه ولم يثبت عن أحدخلافه.انتهى

والخلاصة أن فعل ذلك يجوز،وإن كان الأولى اتباع هيئة واحدة
حتى لا يلبس علىالناس خاصة إذا كان يتوضأ أمامهم
.
Invision Power Board © 2001-2010 Invision Power Services, Inc.