المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
Estadak Forum > المنتدي الدينى > المناقشات والمقالات الدينية
egyptian-lion
-الأسنان -

لقد تميز الدين الإسلامي على غيره من الأديان السماوية بحث أتباعه على أن لا يكون إيمانهم بالله إيمانا تقليديا أو شكليا حيث ينشأ الأبناء على دين أبائهم ويقومون بعمل شعائره إما تعصبا أو تحت تأثير المجتمعات التي يعيشون فيها فيصدق بذلك قول الله فيهم "بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)" الزخرف.

ولهذا نجد أن القرآن الكريم يزخر بالآيات القرآنية التي تحث المسلمين وغيرهم من البشر على التيقن من وجود الله عز وجل من خلال النظر والتفكر في ما خلق الله سبحانه وتعالى من أشياء فقال عز من قائل "أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)" الأعراف.

وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد أمر البشر في التفكر في كل شيء تقع عليه أعينهم في هذا الكون إلا أنه سبحانه قد خص عدد كبير من الأشياء بالاسم لتكون مجالا للنظر والتفكر ومن هذه الأشياء ما جاء في قوله سبحانه "وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21)" الذاريات.

إن في تركيب جسم الإنسان وغيره من أجسام الكائنات الحية من التعقيد وحسن التصميم ما ينفي نفيا قاطعا ما يدعيه الملحدون من أن هذه الأجسام قد صنعت بالصدفة بل على العكس من ذلك فإن تصنيعها يحتاج لصانع لا حدود لعلمه وقدرته. لقد أكد الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة من سورة الذاريات على أنه يوجد في جسم الإنسان وبالطبع في بقية أجسام الكائنات الحية آيات أي معجزات باهرة يمكن أن يستدل عليها أي إنسان عاقل مهما بلغت درجة علمه. إن كل ما يحتاجه الإنسان لكي يكتشف هذه المعجزات في تركيب جسمه هو النظر إلي أعضاء جسمه ومكوناتها إذا كانت ظاهرة والقراءة عنها إذا كانت باطنة ومن ثم التفكير في مواصفاتها والوظيفة التي تقوم بها والطريقة التي تعمل من خلالها والتساؤل فيما إذا كان بالإمكان أن تكون على غير الصورة التي هي عليها أو أن تكون أفضل مما هي عليه.

ومع التأكيد مرة أخرى على أن الإنسان مهما بلغت درجة تعليمه قادر على اكتشاف المعجزات الموجودة في بعض أجزاء جسمه خاصة الظاهرة منها إلا أنه كلما ازداد علم المرء بتركيب جسمه كل ما تكشفت له معجزات كثيرة لا يمكن الاهتداء إليها لغير المتعلم مصداقا لقوله تعالى "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)" الزمر. وفي سلسلة المقالات هذه سأعمل إن شاء الله على بيان بعض أوجه الإعجاز في تركيب مختلف مكونات أعضاء جسم الإنسان مبتدئين بالظاهر منها راجيا أن تكون بابا يدخل منه القارئ إلى عالم التفكر في مكونات أجسامهم ليستيقن أنها خلقت من قبل صانع لا حدود لعلمه وقدرته وهذا هو الهدف الذي أمر الله من أجله البشر في التفكر في أنفسهم في قوله سبحانه "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21)" الذاريات .

لا يكاد يمر يوم على الإنسان البالغ إلا ويقوم بتنظيف أسنانه بالفرشاة أو بالمسواك وغالبا ما ينظر إليها ويتفقدها من خلال المرآة ليتأكد من نظافتها ولكن من المؤسف أن أكثر الناس لا يتفكرون في هذه الأسنان وما في خلقها من عجائب. إن في تركيب وترتيب الأسنان في الإنسان وفي غيره من الكائنات الحية من أوجه الإعجاز ما يقنع أي إنسان عاقل مهما بلغ مستوى تعليمه بأنه لا يمكن أن تكون قد صنعت إلا من قبل صانع لا حدود لعلمه وقدرته. إن الوظيفة الرئيسية للأسنان في جميع الكائنات الحية هي أنها أحد أعضاء الجهاز الهضمي حيث تقوم بتقطيع الطعام إلى قطع صغيرة ومن ثم طحنها ومضغها بشكل جيد ليسهل إدخالها من خلال المريء إلى المعدة ومن ثم إلى بقية أعضاء الجهاز الهضمي. ولكي نبرز أوجه الإعجاز في تصميم الأسنان عند الإنسان سنثير في عقل القارئ بعض التساؤلات التي ستقوده إذا ما حاول الإجابة عليها إلى التيقن من أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تكون قد صنعت بالصدفة كما يدعي الملحدون.

إن أوجه الإعجاز هذه ستكون جلية واضحة فيما لو كلفنا لجنة من ألمع أطباء الأسنان في العالم أن يعملوا على إيجاد تصميم جديد للأسنان بحيث يتفوق على التصميم الحالي في أداء وظيفته. إن أول ما ستناقشه اللجنة بالطبع هو عدد الأسنان اللازمة في كل فك فهل العدد الحالي مناسبا أم يلزم زيادته مع تصغير أحجامها بالطبع لكون طول الفكين ثابتا أو يلزم تقليص العدد إذا ما وجد أن بعضها زائدا عن الحاجة. أما القضية الثانية التي سيناقشونها بعد أن تم تحديد العدد فهي تحديد أشكال هذه الأسنان فهل يمكن أن تكون على شكل واحد وبنفس الحجم أم يلزم اختيار أشكال مختلفة حسب موقع السن على الفك. أما القضية الثالثة فهي الطريقة التي سيتم من خلالها تحديد أحجام هذه الأسنان وضمان تركيبها في أماكنها دون مشاكل. أما القضية الرابعة فهي طريقة تصنيع القوالب التي ستستخدم لصب هذه الأسنان على افتراض أنهم وجدوا أشكالا جديدة غير الأشكال التي هي عليها. وستناقش اللجنة قضايا أخرى كثيرة كالمواد التي ستستخدم في تصنيع هذه الأسنان وطرق تثبيتها في الفك وتحديد لونها. وقبل بيان أوجه الإعجاز في الأسنان سنعطي نبذة سريعة عن أعدادها وأنواعها وترتيبها عند الإنسان البالغ.

يبلغ عدد الأسنان في الإنسان البالغ اثنين وثلاثين سنا نصفها مثبت على عظام الفك السفلي والنصف الثاني على الفك العلوي. ونظرا للتماثل بين أسنان الجزء الأيمن والجزء الأيسر من كل فك فإنه يوجد ستة عشر شكلا مميزا للأسنان وإذا ما افترضنا وجود بعض التماثل بين أسنان الفك السفلي وما يقابلها في الفك العلوي فإن عدد الأشكال سيتقلص إلى ثمانية أشكال مميزة تم تقسيمها حسب الوظيفة التي تقوم بها إلى أربعة أنواع وهي القواطع (شكلين) والأنياب (شكل واحد) والنواجذ (شكلين) والأضراس (ثلاثة أشكال).

وإذا ما ضربنا كل من هذه الأنواع بأربع فإنه سيوجد في فم الإنسان ثمانية قواطع وأربعة أنياب وثمانية نواجذ واثنا عشر ضرسا كما هو مبين في الشكل المرفق. ويوجد للقواطع والأنياب جذر واحد بينما يوجد جذر أو جذرين للنواجذ وما بين جذرين وأربعة جذور للأضراس تختلف من إنسان إلى إنسان تبعا للجينات التي يحملها. وتستخدم القواطع (الثنايا) لقطع أو قضم جزء صغير من قطعة طعام كبيرة كما نفعل عند أكل بعض أنواع الفواكه والخضروات في غياب السكاكين بينما تستخدم الأنياب لتمزيق بعض أنواع الطعام كاللحوم. وأما النواجذ (الضواحك) فتستخدم لتكسير أو تهشيم قطع الطعام الصلبة بينما تستخدم الأضراس (الطواحن) لتفتيت وطحن لقم الطعام لتصبح على شكل معجون طري يسهل بلعه.

إن أول أوجه الإعجاز في خلق الأسنان هو في طريقة ترتيبها فهذا الترتيب البديع ينفي نفيا قاطعا أن يكون ذلك قد تم بالصدفة فبعملية حسابية تسمى التباديل يمكن أن نحسب عدد المحاولات التي تلزم الصدفة لكي تهتدي للترتيب الصحيح. وينص قانون التباديل على أن عدد الترتيبات التي يمكن أن ترتب فيها مجموعة من الأشياء المختلفة وليكن عددها س هو ما يسمى بمضروب العدد س ومضروب العدد هو الرقم الناتج عن ضرب العدد المعني في العدد الذي دونه ثم الذي دونه وهكذا حتى نصل للرقم واحد فمضروب العدد أربعة مثلا يساوي 24 وهو حاصل ضرب أربعة في ثلاثة في اثنين في واحد. ويبلغ عدد الترتيبات المحتملة للأسنان عند الإنسان (2.63 x 1035) وهو مضروب العدد اثنين وثلاثين وهو عدد الأسنان. ولو افترضنا جدلا أن كل محاولة لترتيب الأسنان تتم في عام واحد فقط وهذا أقل بكثير مما يلزم فعليا فإن عدد المحاولات التي يمكن إنجازها على مدى عمر الكون هو (13 x 109) فقط وهو عدد لا يذكر مع عدد المحاولات المطلوبة. وإذا ما علمنا أن هناك عشرات الآلاف من أنواع الكائنات ذات الأسنان فإن منتهى الجحود وقلة العقل أن يدعي مدعي أن ترتيب أسنانها على الوجه المطلوب قد تم بمحض الصدفة.

أما وجه الإعجاز الثاني فهو تصميم الأشكال المناسبة للأسنان لكي تقوم بالوظائف التي صممت من أجلها على الوجه الأكمل. ومرة أخرى نقول أن منتهى الجهل أن يدعي الملحدون أن الصدفة قد عرفت أنواع الطعام الذي سيأكله كل نوع من أنواع الكائنات ذات الأسنان ومن ثم قامت بتصميم أطقم أسنانها بما يتناسب مع أنواع الطعام هذه. وبما أن الإنسان هو الوحيد بين الكائنات الحية الذي يتميز بتعدد أنواع طعامه فإن أسنانه تتطلب تصميما خاصا فيحتاج أشكالا مختلفة من الأسنان بعضها للقطع وأخرى للتمزيق والتكسير والطحن.

ولنفترض جدلا أن الصدفة قد اهتدت لتحديد الوظائف التي ستقوم بها الأسنان فأنى لها أن تهتدي للشكل المناسب للسن لكي يقوم بالوظيفة التي سيقوم بها فكم من المحاولات تحتاج حتى ينتج بالصدفة هذا الشكل المناسب! فأسنان القواطع يجب أن تكون مستطيلة وحادة الأطراف لكي تتمكن من تقطيع الطعام أما الأنياب فيجب أن تكون أطرافها مدببة وبارزة عن ما يجاورها من أسنان لكي تتمكن من تمزيق الطعام الذي يصعب قطعه أما النواجذ والأضراس فيجب أن تكون أطرافها مستعرضه ومقعرة بعض الشيء لكي تتمكن من تكسير وطحن الطعام. ومن عجائب تصميم أشكال الأسنان أن القواطع الأمامية العلوية أعرض من السفلية مما أدى إلى حدوث إزاحة بين كل سن على الفك العلوي عن السن الذي يناظره في الفلك السفلي وهذا ضروري لكي تستقر الرؤوس البارزة للأنياب فيما بين الأسنان وإلا لما انطبقت أسنان الفكين على بعضها.

أما وجه الإعجاز الثالث فهو اختيار المادة التي تصنع منها الأسنان بحيث لا تتآكل أو تتكسر لفترة تمتد على مدى عمر الكائن وخاصة أنها تستخدم في كل يوم. فالإنسان على سبيل المثال يستخدم أسنانه لقطع وتمزيق وطحن الطعام لمدة ساعة كل يوم تتعرض الأسنان خلالها إلى مختلف أشكال الإجهادات الميكانيكية وإلى جانب ذلك تتعرض لمختلف أنواع المواد الكيميائية التي يحتويها الطعام وما يفرزه الفم من مواد هاضمة بسيطة ناهيك عن التفاوت في درجة حرارة الطعام والشراب الذي يعمل على تمدد وتقلص مادة الأسنان. بل إن الأخطر من كل ذلك على الأسنان هو تكاثر البكتيريا على أسطح هذه الأسنان خاصة بوجود بقايا الطعام حيث تقوم البكتيريا بإفراز مختلف المواد السامة والأحماض التي تعمل على تخريب الأسنان.

وعلى الرغم من كل ذلك فإن هذه الأسنان تستمر في أداء وظيفتها لما يقرب من مائة عام إذا ما اتخذت بعض الإجراءات البسيطة للحفاظ عليها بعد كل استعمال لها. وتتكون السن من ثلاث طبقات وهي طبقة اللب الداخلية تليها طبقة العاج ومن ثم طبقة المينا الخارجية ويتم تغذية السن من خلال أوعية دموية تتخلل اللب إلى جانب وجود الأعصاب التي تربط الأسنان بمراكز الحس في الدماغ لكي تحس بمقدار الضغط الواقع عليها وبدرجة حرارة الطعام والشراب. وتعتبر طبقة المينا الخارجية أشد الطبقات صلابة وهي أشد مكونات الجسم قساوة بل هي من بين أشد المواد قساوة في الطبيعة وهي مادة بلورية تتكون من الكالسيوم والفسفور وآثار من بعض المعادن. وللتدليل على صلابة المينا وخصائصها الأخرى نذكر أن المواد الصناعية التي تستخدم كبديل عنها في حالة خرابها كالبورسلان والفضة والذهب وخليط الزئبق مع بعض المعادن (الملغم) لا تضاهيها من حيث الصلابة وكذلك مقاومتها لتأثير مكونات الطعام والشراب واللعاب. أما طبقة العاج فهي مادة عظمية وبصلابة بقية عظام الجسم ولكنها أقل صلابة من المينا حيث تعمل على امتصاص الإجهاد العالي الواقع على المينا مما يحول دون انكسارها.

أما معجزة المعجزات فهي أن الأسنان لا تحتاج إلى قوالب لتصنيعها كما يفعل البشر بل إن كل سن من هذه الأسنان يبدأ تصنيعها من خلية واحدة فقط كما هو الحال مع كامل جسم الإنسان الذي يبدأ تصنيعه أيضا من خلية واحدة. وعلى العكس من بقية أعضاء جسم الإنسان والتي يكتمل تصنيعها والإنسان في بطن أمه فإن الأسنان يتم تصنيعها بعد ميلاده حيث يبدأ تصنيع الأسنان اللبنية في نهاية عامه الأول والأسنان الدائمة بعد عامه السادس ويكتمل تصنيعها مع سن البلوغ. ويمكن للمرء أن يشاهد هذه المعجزة الربانية من خلال مراقبة أسنان إخوانه أو أبنائه وهي تنبت في اللثة فتشقها كما تشق النبتة تراب الأرض ثم تنمو شيئا فشيئا إلى أن يكتمل تصنيعها ثم تتوقف تماما عن النمو. لقد تم توزيع الخلايا التي يبدأ منها تصنيع الأسنان على محيط الفكين بشكل بالغ الدقة بحيث يأخذ كل سن مكانه الصحيح دون أن تتصادم مع بقية الأسنان.

ولقد حدد الله سبحانه وتعالى على الشريط الوراثي الذي في داخل هذه الخلايا البرامج التي تنتج عند تنفيذها الأسنان بأشكالها المطلوبة ابتداء من خلية واحدة. فبعض الخلايا تصنع القواطع وبعضها الأنياب وبعضها النواجذ والأضراس وقلما تخطأ هذه الخلايا فتنبت الأنياب أو القواطع في أماكن الأضراس ولو أن عملية تصنيع الأسنان هذه قد وكلت للبشر لتكررت مثل هذه الأخطاء بشكل كبير. بل إن الأعجب من ذلك أن كل إنسان له أشكال أسنان تختلف عن الآخر ولكن برامج التصنيع لجميع أسنانه قد تم إحكامها بحيث تنتج أسنانا متناسقة مع بعضها البعض. ويمكن لمن عنده خلفية في تصميم القطع الميكانيكية باستخدام الحاسوب أن يدرك مدى التعقيد الموجود في برامج تصنيع الأسنان المكتوبة على الشريط الوراثي فهذه البرامج يجب أن تحتوي على كامل أبعاد السن ليس الخارجية فحسب بل أبعاد كل طبقة من طبقاتها إلى جانب مواصفات المواد المستخدمة لبناء هذه الطبقات. إن رأس الإنسان يكاد يتصدع عندما يفكر مليا في عملية تصنيع السن ابتداء من خلية واحدة فهذه الخلية تنقسم ملايين المرات بحيث توضع كل خلية في مكانها الصحيح في جسم السن وبحيث يكون نوع الخلية مناسبا للمكان التي هي فيه. ومما يثير الدهشة أن الأسنان المصنعة بهذه الطريقة الربانية تأخذ شكلها النهائي المطلوب ولكن بحجم صغير ومع نموها يزداد حجمها بنفس النسبة مع احتفاظها بشكلها الأصلي وهذا أيضا يتطلب درجة عالية من التنسيق بين الخلايا عند انقسامها في المواقع المختلفة بحيث ينقسم كل منها بقدر محدد يتناسب مع نسبة النمو في ذلك الموقع. إن أكثر ما حير العلماء في هذه الطريقة الربانية هو في تصنيع طبقة المينا حيث أنها مصنوعة من مادة غاية في الصلابة فكيف يتسنى لها أن تنمو بشكل بطيء ومن ثم تأخذ شكلها النهائي بمنتهى الإتقان. ويتبين لنا مدى صعوبة تصنيع هذه الأسنان عندما نشاهد الجهد الذي يبذله طبيب الأسنان ومختبرات تصنيع الأسنان عند تركيب سن صناعي مكان السن الطبيعي وصدق الله العظيم القائل في محكم تنزيله "هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)" لقمان.


المراجع

1- القرآن الكريم

2- مواقع متفرقة على الإنترنت

egyptian-lion
- القلب -
إن دراسة القلب وتركيبه وطريقة عمله تجعل الدارس يؤمن بوجود صانع لا حدود لعلمه سبحانه


إن من يدرس تركيب القلب والطريقة التي يعمل من خلالها لا مفر له إلا أن يعترف بوجود صانع لا حدود لعلمه وقدرته يقف وراء تصنيع هذا القلب الأعجوبة. فهذه المضخة اللحمية التي لا يتجاوز وزنها ثلث كيلوغرام تعمل بدون توقف لما يزيد عن مائة عام وتضخ خلالها من الدم ما يساوي 250 ألف متر مكعب.

إن الذي ينظر إلى صور القلب فقط من جوانبه المختلفة يجد فيها لوحات فنية رائعة لا يمل الإنسان من النظر إليها. أما تركيب القلب من الداخل فإن فيه من عجائب التصميم ما لا يخطر على بال أذكى المشتغلين في تصميم المضخات الميكانيكية. إن مجرد وجود الصمامات في القلب تدحض فرية أنه قد تم تصنيعه بالصدفة فالمبدأ الذي يقوم عليه عمل الصمامات تحتاج لقوة عاقلة لكي تكتشفه وأن خطأ بسيطا في تركيب الصمام سيحول دون عمل القلب بالشكل المطلوب.

أما تصميم حجرات القلب وتحديد سعاتها وقوة عضلاتها والأوعية الدموية التي تخرج منها وتصميم مولدات الإشارة الكهربائية والمسارات التي تتبعها للوصول لعضلات القلب والتي تجعل القلب ينبض بلا توقف فإن فيها من الأسرار ما يدعو إلى الدهشة. أما الأوعية الدموية التي توصل الدم الذي يضخه القلب لكل خلية من خلايا الجسم فإن في أحجامها وأطوالها وتركيبها والمسارات التي تتبعها في الجسم من الأسرار ما يبعث على العجب. أما الأسرار الموجودة في مكونات الدم والوظائف التي تقوم بها فإنها تحتاج لعلماء ملهمين في تخصصات مختلفة لكي يتمكنوا من فهمها وكشفها.

يأتي الجهاز الدوري من حيث الأهمية والتعقيد بعد الجهاز العصبي حيث أن تعطل القلب عن العمل كما هو الحال مع تعطل الدماغ يؤديان لا محالة إلى موت الكائن الحي. وهناك بعض التشابه العام في تركيب الجهازين فالقلب يقابله الدماغ والأوعية الدموية تقابلها الألياف العصبية والدم يقابله الإشارات العصبية.

وإذا كان الجهاز العصبي هو الحاسوب الذي يتحكم بعمل جميع أجهزة الجسم فإن الجهاز الدوري هو المحرك الذي يؤمن الطاقة لكل خلية من خلايا الجسم. وبما أن عملية حرق المواد العضوية للحصول على الطاقة تتم في داخل كل خلية من خلايا الجسم فإن مهمة الجهاز الدوري الرئيسية هو تأمين كل خلية بما تحتاجه من مواد عضوية وأكسجين ولا يقتصر دور الجهاز الدوري على هذه المهمة فقط بل يقوم بوظائف أخرى بالغة الأهمية للجسم حيث تم استغلال وصول الدم لكل خلية لإيصال وجلب مواد أخرى منها.

ومن أهم هذه الوظائف تأمين الخلايا بالماء الذي هو أساس حياة الخلية ولكن بالقدر المطلوب حيث يعمل الدم على حفظ توازن الماء في الجسم بحيث تتساوى كمية الماء التي يحصل عليها عن طريق الشراب والطعام مع تلك التي يفقدها عن طريق التبول والتعرق من خلال قيام الدم بحمل الماء الزائد إلى أجهزة الإخراج وهي الكلى والجلد. ويقوم الدم كذلك بتخليص الجسم من النفايات الضارة الناتجة عن عملية الاحتراق وخاصة ثاني أكسيد الكربون والبولينيا من خلال الرئتين والكلى. ويقوم الدم بالحفاظ على درجة حرارة ثابتة للجسم من خلال نقل الحرارة المتولدة في الخلايا نتيجة لعملية الاحتراق إلى الجلد ليقوم بتشتيتها في الجو المحيط بالجسم. وبما أن الجهاز الدوري يوصل الدم لكل خلية من خلايا الجسم فقد تم استغلاله للقيام بوظيفة الدفاع عن هذه الخلايا ضد الميكروبات كالبكتيريا والفيروسات حيث يوجد في الدم خلايا الدم البيضاء والأجسام المضادة التي تقوم بمهاجمة هذه الميكروبات والقضاء عليها. وقد تم أيضا استغلال هذه الخاصية للجهاز الدوري لنقل الهرمونات إلي مختلف أعضاء الجسم.

الشكل يبين الجهاز الدوري في جسم الإنسان والذي يشكل القلب المحور الأساسي له

ولكي يقوم الجهاز الدوري بوظائفه المختلفة فلا بد من ربطه بعدد كبير من أجهزة الجسم فهو أكثر أجهزة الجسم ارتباطا ببقية الأجهزة. فهو مرتبط بالجهاز الهضمي من خلال الأمعاء الدقيقة والغليظة والتي تزود الدم بالمواد العضوية الأولية والماء. وهو مرتبط بالكبد والذي يقوم بتزويد الدم بالمواد العضوية التي يقوم بتصنيعها من المواد الأولية التي استلمها من الأمعاء الدقيقة. وهو مرتبط بالرئتين اللتين تزودان الدم بالأكسجين وتنظفانه من ثاني أكسيد الكربون. ويرتبط بالكليتين والجلد والتي تقوم بتخليص الدم من الفضلات المختلفة والماء الزائد عن حاجة الجسم. وهو مرتبط بالجهاز الهرموني الذي يستخدم الدم لنقل مختلف أنواع الهرمونات إلى الجسم. وهو مرتبط بشكل كبير بالجهاز اللمفاوي والذي يعتبره بعض العلماء جزء من الجهاز الدوري.

وهو مرتبط بمختلف عظام الهيكل العظمي حيث يقوم نخاع هذه العظام بتصنيع خلايا الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية وتزويد الدم بها. وهو مرتبط بالطحال الذي يقوم بوظائف عدة فهو يعمل كخزان للدم المركز حيث يقوم بتزويد الجهاز الدوري بالدم عند نقصانه ويعمل على تنقية الدم من الميكروبات ومن خلايا الحمراء الميتة ويقوم بتزويد الدم بخلايا الدم البيضاء. ويرتبط القلب كذلك بالدماغ والحبل الشوكي حيث يتم تنظيم معدل نبضات القلب حسب حالة الجسم وذلك من خلال الألياف العصبية الودية وغير الودية. أما الوظيفة التي يجهلها أكثر الناس ولم يكتشفها العلماء إلا حديثا ولا زالت الأبحاث تجري لكشف أسرارها فهي أن القلب يحتوي على مراكز عصبية غير تلك المسؤولة عن التحكم بنبضه ترتبط بالمراكز العصبية في الدماغ وتجري في هذه المراكز العصبية القلبية بعض الوظائف التي كان العلماء يظنون أنها تجري في داخل الدماغ كالمشاعر والأحاسيس وغيرها.

يتكون الجهاز الدوري من ثلاثة مكونات رئيسية وهي القلب والأوعية الدموية والدم. فالمكون الأول هو القلب والذي يعمل كمضخة ميكانيكية تقوم بضخ الدم إلى مختلف أنحاء الجسم ويبلغ متوسط وزنه في الإنسان ثلث كيلوغرام ولا يتجاوز حجمه حجم قبضة اليد. ويقع القلب خلف عظمة القص في منتصف القفص الصدري مع ميلان بسيط لأعلاه إلى الجهة اليسرى من القفص فيما بين الرئتين. وبما أن القلب جسم دائم الحركة النبضية فإنه يلزم إيجاد طريقة ذكية تمكن من وضعه فيما بين بقية الأعضاء ولكن دون أن يحتك بها حيث أن هذا الاحتكاك سيحول دون عمل القلب بالشكل المطلوب. وكان الحل الفريد من خلال إحاطة القلب بغلاف على شكل كيس يسمى غشاء التامور والذي يتكون من جدارين ناعمين خاصة الداخلي منها ويملأ ما بينهما سائل لزج يسمح للقلب بالنبض بحرية تامة دون الاحتكاك بالأعضاء المحيطة به وللتدليل على أهمية هذا الغشاء فإن التهاب بسيط يصيبه يسبب مشاكل جمة للشخص المريض.

والقلب عبارة عن نسيج عضلي مجوف مقسوم إلى تجويفين يفصل بينهما حاجز سميك خاصة عند جزئه السفلي ويوجد في كل تجويف حجرتان حجرة علوية تسمى الأذين وحجرة سفلية تسمى البطين وبهذا يوجد في القلب أربع حجرات أذينان وبطينان. ولأسباب ستتضح فيما بعد نجد أن سماكة جدار البطينان أكبر بكثير من سماكة جدار الأذينان وسماكة جدار البطين الأيسر قد تصل لثلاثة أضعاف سماكة جدار البطين الأيمن.

وتنفتح حجرتي النصف الأيمن وكذلك حجرتي النصف الأيسر على بعضهما من خلال صمام يسمح بمرور الدم من الأذين إلى البطين فقط ويسمى الصمام بين الأذين والبطين الأيمنان بالصمام الثلاثي الشرف بينما يسمى الصمام بين الأذين والبطين الأيسران بالصمام التاجي أو ثنائي الشرف. ويتكون هذان الصمامان من قطع غضروفية مسطحة مثبتة في حلقة ليفية في جدار القلب وترتبط الأطراف الحرة لهذه القطع بحبال وترية تمتد داخل البطينين.وفي حالة انبساط البطينين فإن هذه الحبال تكون مشدودة وتقوم بفتح الصمامات أما في حالة انقباض البطينين فإن الحبال ترتخي وتعود الصمامات لوضع الإغلاق.

ويعود السبب في استخدام هذه الحبال لفتح هذين الصمامين لكون ضغط الدم في الأذينين عند انقباضهما لا يكفي لفتحهما وهذا الحل يمثل منتهى الإبداع تعجز أكبر العقول من الاهتداء إليه. وتنفتح كل حجرة من هذه الحجر الأربع على وعاء دموي أو أكثر حيث يطلق على الأوعية المتصلة بالبطينين اسم الشرايين وعلى الأوعية المتصلة بالأذينين اسم الأوردة. فالبطين الأيسر ينفتح على شريان واحد وهو الشريان الأبهر أو الأورطي وذلك من خلال صمام يسمح بمرور الدم من البطين الأيسر إلى الشريان الأبهر وهو الصمام الأبهري.

أما البطين الأيمن فينفتح على شريان واحد أيضا وهو الشريان الرئوي من خلال صمام يسمح بمرور الدم من البطين الأيمن إلى الشريان الرئوي وهو الصمام الرئوي. ويتكون كل من هذين الصمامين من ثلاث قطع غضروفية تشكل قرصا يكون مغلقا في الوضع الطبيعي ولا تنفتح إلا عند الضغط العالي للدم وذلك عند انقباض البطينين ولا تحتاج هذه الصمامات إلى حبال كما في الصمامات السابقة بسبب توفر قوة ضغط الدم. أما الأذين الأيمن فينفتح على وريدين بدون صمامات وهما الوريد الأجوف العلوي الذي يدخل الأذين من أعلاه والوريد الأجوف السفلي الذي يدخل الأذين من أسفله.

وأما الأذين الأيسر فينفتح على أربعة أوردة وبدون صمامات كذلك وهي الأوردة الرئوية حيث يخرج من يمين الأذين وريدان يذهبان للرئة اليمنى ويخرج من يسار وريدان يذهبان للرئة اليسرى . وعلى هذا يوجد في القلب أربعة حجرات وأربعة صمامات ويخرج منه ثمانية أوعية دموية منها شريانين اثنين وستة أوردة وسنبين فيما بعد الحكمة من أن عدد الأوردة يزيد على عدد الشرايين.

أما المكون الثاني فهي الأوعية الدموية وقد تم تقسيمها إلى ثلاثة أنواع وهي الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية. فالشرايين تقوم بنقل الدم من القلب إلى مختلف أعضاء الجسم وهي ذات جدار عضلي سميك مكون من ثلاث طبقات لكي تتحمل الضغط العالي عند ضخ القلب للدم من خلالها. والطبقة الوسطى من طبقات جدار الشرايين ذات طبيعة مرنة حيث يتمدد الشريان عند مرور الدم عالي الضغط ويتقلص بعد مروره مما يساعد على دفع الدم إلى الأمام ويحافظ على ضغطه على طول الشريان. أما الأوردة فتقوم بنقل الدم من مختلف أنحاء الجسم إلى القلب وهي ذات جدار ذي ثلاث طبقات ولكنها رقيقة نسبيا وغير عضلية حيث يمر الدم من خلالها عند ضغط منخفض.

وبما أنه لا يوجد مضخة تقوم بضخ الدم الموجود في الأوردة إلى القلب فقد أبدع الله سبحانه وتعالى آليات عجيبة لإرجاع الدم إلى القلب خاصة الدم الموجود تحت مستوى القلب حيث أن الجاذبية تمنعه من الصعود إلى القلب. وقد تم التغلب على هذه المشكلة من خلال طريقة فريدة لا يمكن أن تخطر على بال البشر وهي وضع صمامات في داخل معظم الأوردة بحيث تسمح بمرور الدم باتجاه القلب ولا تسمح برجوعه إلى الخلف.

الشكل يبين صمامات القلب التي تتحكم في دخول الدم إلى القلب

ولكن وجود الصمامات لا يعني أن الدم سيتحرك من تلقاء نفسه باتجاه القلب بل يحتاج لمن يحركه وهنا تتجلى قدرة الخالق سبحانه وتعالى في إيجاد الآلية التي تقوم بذلك وهي عضلات الجسم المختلفة فعندما تتحرك هذه العضلات فإنها تضغط على الأوردة ولا سبيل للدم إلا أن يتحرك إلى الأمام بسبب وجود الصمامات التي تمنعه من التحرك للخلف. وأما الشعيرات الدموية فهي التفرعات النهائية للشرايين والتفرعات الابتدائية للأوردة وتشكل ما نسبته 90 بالمائة من مجموع الأوعية الدموية وهي عبارة عن أنابيب رقيقة لا يتجاوز قطرها عشرة ميكرومترات ولذا فهي لا ترى بالعين المجردة.

ويتكون جدار الوعاء الشعري من طبقة واحدة فقط من الخلايا الطلائية وذلك لكي تسمح بانتشار الغذاء والأكسجين من الدم إلى الخلايا المحيطة به وانتشار ثاني أكسيد الكربون والنفايات الضارة من الخلايا إلى الدم. وكما ذكرنا سابقا فإنه يخرج من القلب شريانان وهما الشريان الأبهر أو الأورطي الذي يحمل الدم المؤكسد الذي يضخه البطين الأيسر إلى جميع أنحاء الجسم والشريان الرئوي الذي يحمل الدم غير المؤكسد الذي يضخه البطين الأيمن إلى الرئة.

ويعتبر الشريان الأبهر أوسع الأوعية الدموية في الجسم حيث يبلغ قطره بوصة واحدة (2.56 سنتيمتر) وعندما يخرج الأبهر من أعلى القلب فإنه يتقوس لينزل من خلف القلب إلى الأسفل. ويتفرع من الأبهر قبل تقوسه الشرايين التاجية التي تغذي عضلة القلب ويتفرع منه عند أعلى القوس الشرايين التي تغذي الرأس والرقبة والذراعين ومن ثم يبدأ بالتفرع تدريجيا بعد القوس ليغذي مختلف أعضاء الجسم. أما الشريان الرئوي فإنه يتفرع بمجرد خروجه من القلب عند أعلاه إلى فرعين رئيسين يذهبان إلى الرئتين لتقوما بتخليص الدم من ثاني أكسيد الكربون وتزويده بالأكسجين. أما الأوردة التي تدخل القلب فهي الوريدان الأجوفان العلوي والسفلي اللذان يجلبان الدم غير المؤكسد من جميع أنحاء الجسم وتصبه في الأذين الأيمن والأوردة الرئوية الأربع التي تجلب الدم المؤكسد من الرئتين فتصبه في الأذين الأيسر.

ويعود السبب في وجود ستة أوردة تدخل القلب مقابل شريانين يخرجان منه إلى أن الدم يتحرك في الشرايين من خلال ضخ القلب له أما في الأوردة فلا يوجد ما يضخ الدم فيها بل يتم رجوع الدم من خلال الآلية التي شرحناها آنفا والتي تزداد فعاليتها كلما قل قطر الوريد. وتتفرع الشرايين والأوردة الرئيسية تفرعات كثيرة بحيث يمكنها الوصول إلى جميع خلايا الجسم وهي أشبه ما تكون بشبكة توزيع المياه في المدن باستخدام الأنابيب أو المواسير التي تبدأ بمواسير كبيرة قد يزيد قطرها عن المتر وتنتهي بمواسير قطرها نصف بوصة عند المنازل. ويبلغ معدل مجموع أطوال الأوعية الدموية في جسم الإنسان 97 ألف كيلومتر وللمقارنة مع شبكات المياه فإن مجموع طول المواسير في شبكة مياه مدينة القاهرة على سبيل المثال يبلغ 20 ألف كيلومتر تؤمن الماء لخمسة عشر مليون نسمة.

إن الإعجاز في الأوعية الدموية ليس في طولها الهائل فقط ولكن في أنها تعمل لما يزيد عن مائة عام دون أن يصيبها السدد رغم صغر أقطارها ورغم أن ما يجري في داخلها ليس ماء صافيا بل مشبع بمختلف المواد العضوية والأملاح وغيرها مع العلم أن انسداد أحد الشرايين في بعض الأعضاء الحساسة كالقلب والدماغ يؤدي إلى موت الإنسان أو إصابته بعاهة مستديمة. أما المعجزة الكبرى في الأوعية الدموية فهي في طريقة تحديد عدد وأطوال وأقطار وأماكن تفرع هذه الأوعية لكي تضمن وصول الغذاء والأكسجين إلى كل من خلايا الجسم. أما الطريقة التي تم من خلالها تمديد هذا العدد الهائل من الأوعية الدموية في الجسم فهي معجزة المعجزات التي عجزت عقول العلماء من فك ألغازها كما هو الحال مع تمديد الألياف العصبية في الجسم كما ذكرنا في مقالة الدماغ.


صورة مجهرين للسائل الدموي تظهر فيها كريات الدم الحمراء وكريات الدم البيضاء

أما المكون الثالث فهو الدم وهو سائل احمر اللون تبلغ كميته في جسم الإنسان البالغ ما بين خمسة وستة ليترات ويقوم القلب بتدوير هذه الكمية في الجسم خلال دقيقة واحدة في حالة الراحة وأقل من ذلك في حالة النشاط. ويتكون الدم من أربعة مكونات رئيسية وهي البلازما وكريات الدم الحمراء وخلايا الدم البيضاء والصفائح الدموية. فالبلازما هي محلول مائي شفاف مائل إلى الصفرة ويشكل 55 بالمائة من الدم وتتكون من الماء الذي يشكل 90 بالمائة منها ومن بروتينات البلازما التي تحافظ على الضغط الأسموزي للدم لكي لا يتسرب لأنسجة الجسم ومن المواد العضوية القادمة من الأمعاء الدقيقة والكبد كالجلوكوز والأحماض الأمينية والدهنية والأملاح غير العضوية كالصوديوم والبوتاسيوم والماغنسيوم والكالسيوم وإفرازات الغدد الصماء والنفايات التي تنتجها الخلايا عن عملية الاحتراق. أما كريات الدم الحمراء فهي أجسام قرصية الشكل مقعرة من الجانبين ولا تحتوي على نواة ويبلغ قطرها 7.5 ميكرومتر ويبلغ متوسط عددها في الملليمتر المكعب الواحد خمسة ملايين كرية. ويتم تصنيع هذه الكريات في نخاع العظام ويبلغ متوسط عمرها 120 يوما ويتم تدمير الهرمة منها في الطحال والكبد.

وتشكل مادة الهيموجلوبين 90 بالمائة من وزن الكرية وهي التي تعطي اللون الأحمر للدم وهي تقوم بنقل الأكسجين من الرئة إلى خلايا الجسم لإتمام عملية الاحتراق فيها ونقل ثاني أكسيد الكربون من الخلايا إلى الرئة.

وهذه الخاصية من أعجب خصائص كريات الدم الحمراء فهي تذهب إلى خلايا الجسم محملة بالأكسجين ويكون لون الدم أحمر قاني فترمي بهذا الحمل عند الخلية وتقوم بحمل ثاني أكسيد الكربون فيتحول لون الدم إلى أحمر مزرق وتقفل راجعة لتلقي به في الرئة وهكذا دواليك. أما خلايا الدم البيضاء فتحتوي على نواة وذلك على عكس خلايا الدم الحمراء ويتراوح عددها في الملليمتر الواحد بين أربعة آلاف وعشرة آلاف وذلك حسب حالة الجسم. وهي على شكل كرات يتراوح قطرها بين 10 و 20 ميكرومتر ويغطي سطحها حبيبات وهي عبارة عن أنزيمات. ويوجد منها خمسة أنواع رئيسية وهي قصيرة العمر نسبيا فهو يتراوح بين عدة أيام وعدة أسابيع وذلك حسب نوعها.

ويقوم كل نوع من أنواع الخلايا البيضاء بوظيفة معينة كالتهام الميكروبات وتوليد الأجسام المضادة ومنع تجلط الدم وتوسيع الأوعية الدموية. أما الصفائح الدموية فهي قطع من السيتوبلازم ذات أشكال غير منتظمة ولا يتجاوز قطرها ثلاثة نانومترات ويتراوح عددها بين 150 و 400 ألف صفيحة في المللي لتر المكعب الواحد.

ويتم إنتاج هذه الصفائح في نخاع العظام ويبلغ متوسط عمرها عشرة أيام ووظيفتها الرئيسية العمل على تخثر أو تجلط الدم لوقف عملية نزف الدم من الأوعية الدموية عند تعرضها للتمزق من خلال ارتباط هذه الصفائح ببعضها البعض. ومن عجائب هذه الصفائح أنها لا ترتبط ببعضها وهي في داخل الدم رغم عددها الهائل ولكن بمجرد حدوث نزف فإنها تبدأ بالارتباط ببعضها لإغلاق مكان النزيف.

يعمل القلب كمضخة للدم من خلال الانقباض والارتخاء المتعاقب لعضلاته المختلفة بتزامن منقطع النظير وبمعدل معين يبلغ في المتوسط 75 نبضة في الدقيقة عند الإنسان البالغ ولكن معدل النبض يزيد وينقص عن المعدل تبعا لحالة وطبيعة الجسم. ويضخ القلب الدم بمعدل 60 مللي لتر في كل نبضة من نبضاته أي ما يعادل خمسة لترات في الدقيقة عندما يكون الجسم في حالة الراحة وتزداد كمية الضخ كلما زادت حركة الجسم وقد تصل إلى ثلاثة أضعاف الكمية الطبيعية. وبسبب هذا الجهد الكبير الذي يبذله القلب فإنه يستهلك ما يقرب من سبعة بالمائة من كامل الأكسجين الذي يحمله الدم رغم أن وزنه لا يتجاوز نصف بالمائة من وزن الجسم.

وعندما ينقبض القلب فإن عضلاته لا تنقبض في نفس اللحظة فأول ما يبدأ بالانقباض عضلات الأذينين فيفرغان ما تبقى فيهما من دم في البطينين. وبعد مرور ما يقرب من عشر ثانية تنقبض عضلات البطينين ابتداء من عضلاتها السفلى وترتخي عضلات الأذينين فتنغلق الصمامات التي بين البطينات والأذينات وينفتح كل من الصمام الأبهري والصمام الرئوي فيندفع الدم المؤكسد بقوة من البطين الأيسر إلى جميع أنحاء الجسم والدم غير المؤكسد من البطين الأيمن إلى الرئة.

وفي الحقيقة فإن القلب يحتوي على أربع مضخات مضختين ضعيفتين تدفعان الدم من الأذينات إلى البطينات ومضختين قويتين أحدهما تدفع الدم من البطين الأيسر إلى مختلف أنحاء الجسم وهي الأقوي والأخرى تدفع الدم من البطين الأيمن إلى الرئة فقط.

وفي حالة ارتخاء القلب يكون ضغط الدم في داخله أقل من ضغط الدم في الأوردة والشرايين فينغلق الصمام الأبهري والصمام الرئوي وينفتح الصمامان الأخريان فيملأ الدم غير المؤكسد العائد من الجسم الأذين الأيمن ثم ينساب إلى البطين الأيمن ويملأ الدم المؤكسد العائد من الرئتين الأذين الأيسر ثم ينساب إلى البطين الأيسر.

وعلى هذا فإن هناك دورتان لحركة الدم أكبرها الدورة الدموية الكبرى وفيها يخرج الدم المؤكسد من البطين الأيسر إلى جميع أعضاء الجسم ثم يعود دما غير مؤكسد إلى الأذين الأيمن وأصغرها الدورة الدموية الصغرى وفيها يخرج الدم غير المؤكسد من البطين الأيمن إلى الرئة ثم يعود دما مؤكسدا إلى الأذين الأيسر.

إن من أعجب أسرار الجهاز الدوري أنه يضمن وصول الدم لجميع أعضاء الجسم كل حسب حاجته على الرغم من أن بعض أعضاء الجسم تقع فوق مستوى القلب وبعضها أسفله وبعض الشرايين أوسع من غيرها ومن المفترض في هذا الحال أن يكون نصيب الأعضاء السفلى من الدم أكثر من الأعضاء العليا بسبب فعل الجاذبية. لقد تم التغلب على هذه المشكلة من خلال طريقة بالغة الذكاء وهي إبقاء ضغط الدم في الشريان الأبهر أعلى من قيمة معينة وهي في الإنسان الطبيعي 80 مللم زئبق وهذا الضغط كافي لإيصال الدم لجميع أعضاء الجسم.

وفي هذا الحال يلزم للبطين الأيسر أن يضخ الدم بضغط أكبر من هذه القيمة لكي يتمكن من فتح الصمام الأبهري وإمداد الشرايين بدم جديد وهذا ما تم بالفعل فإن ضغط الدم في البطين الأيسر عند انقباضه يبلغ 120 مللم زئبق.


شكل يبين أقسام القلب البشري

يتم تحريك عضلات القلب بشكل دوري من خلال مجموعة من العقد العصبية المزروعة في داخل جدرانه ومن أهم هذه العقد العقدة الجيبية وهي عقدة عصبية كبيرة موجودة في الجدار العلوي للأذين الأيمن بجانب الوريد الأجوف العلوي. وتعمل هذه العقدة كمولد للذبذبات حيث تقوم بتوليد نبضات عصبية كهربائية بمعدل منتظم يتراوح بين 60 و 80 نبضة في الدقيقة في الإنسان البالغ. ويتم نقل هذه النبضات من خلال ألياف عصبية إلى مجموعة من العقد العصبية التي تتحكم بمختلف عضلات القلب فتنقبض وتنبسط تبعا لهذه النبضات بتسلسل محسوب بدقة بالغة لكي تتم عملية ضخ الدم بكفاءة عالية.

ومن أهم هذه العقد العقدة الأذينية البطينية التي تقع في الجدار الفاصل بين الأذين والبطين الأيمنان وكذلك العقدة المسماة بحزمة هيس والتي تقع في الجدار الفاصل بين البطينين. ونظرا لخطورة تعطل العقدة الجيبية عن عملها في توليد النبضات فإن النظام العصبي في القلب قد تم تصميمه بحيث تحل أحد العقد العصبية فيه وهي العقدة الأذينية البطينة محل العقدة الجيبية في توليد النبضات ولكن بمعدل يتراوح بين 40 و 60 نبضة في الدقيقة وفي حال تعطل هذه الأخيرة تستلم عقدة عصبية ثالثة وهي حزمة هيس هذه المهمة ولكن بمعدل يتراوح بين 20 و 30 نبضة في الدقيقة.

وترتبط العقدة الجيبية بمراكز الدماغ والحبل الشوكي من خلال الألياف العصبية الودية وغير الودية وذلك لرفع أو خفض معدل النبضات تبعا لنشاط الجسم أو غير ذلك من المؤثرات الخارجية والداخلية. وكما ذكرنا سابقا فإن توليد النبضة الكهربائية في العقدة الجيبية وتوقيت وصولها إلى مختلف عضلات القلب يتطلب تقديرا بالغا لكي تعمل المضخات الأربع في القلب بشكل صحيح.

وكما يتضح من الشكل المرفق فعندما تقوم العقدة الجيبة بتوليد النبضة الكهربائية فإنها تنتشر في الحال في عضلات الأذينين فينقبضا ليفرغا ما تبقى فيهما من دم في البطينين. وأثناء ذلك تكون النبضة قد سرت باتجاه العقدة الأذينية البطينية من خلال ثلاث مسارات فتصلها بعد مرور 30 مللي ثانية وتقوم هذه العقدة بتوليد نبضة كهربائية ولكن بعد تأخير زمني يبلغ 100 مللي ثانية أي أن النبضة ستتولد بعد مرور 130 مللي ثانية من حدوث نبضة العقدة الجيبية وخلال هذا الوقت يكون الأذينان قد انبسطا بعد انقباضهما وأكملا مهمتهما.

إن النبضة التي تولدها العقدة الأذينية البطينية تنتشر بسرعة عالية جدا نسبيا في الألياف العصبية المرتبطة بعضلات البطينين فتعمل على انقباضهما بشدة ليضخا ما فيهما من دم إلى الجسم وإلى الرئة. وتستغرق عملية إنقباض البطينين أقل من عشر ثانية بينما يبقى في حالة الإرتخاء أو الراحة لما يقرب من سبعة أعشار الثانية حيث يستجمع القلب خلالها قواه ويحصل على الطاقة اللازمة لإحداث الإنقباض التالي كما هو مبين في مخطط القلب الكهربائي. وعندما نتفحص مسار الألياف العصبية في جدار البطينين نجد أن هذا المسار يعمل على انقباض عضلات أسفل البطينين قبل عضلات الجوانب لكي يضمن ضخ الدم إلى الأعلى ولا ينحبس في داخلهما فسبحان القائل "صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ " النمل 88.

المراجع

1- القرآن الكريم

2- مواقع متفرقة على الإنترنت

egyptian-lion
- الدماغ -


صورة لدماغ بشري فتبارك الله أحسن الخالقين


يتباهي البشر في هذا العصر بما حققوه من إنجازات علمية وتقنية في شتى المجالات وخاصة في مجال أنظمة الاتصالات وأجهزة الحاسوب وشبكات المعلومات وشبكات الطاقة الكهربائية. ولكن إذا ما شرحت لمن يتباهي بهذه الإنجازات تركيب وطريقة عمل أي عضو من أعضاء جسم الإنسان فإن مباهاته سرعان ما تتلاشى ويرتد إليه طرفه وهو حسير. وفي هذه المقالة سنشرح تركيب أعقد جهاز في جسم الإنسان ألا وهو الجهاز العصبي وبالذات الدماغ الذي هو أهم مكوناته. ولقد اعترف العلماء بأن التعقيد الموجود في تركيب الدماغ لا يوجد ولن يوجد في أعقد الأجهزة الإلكترونية التي اخترعها الإنسان بل إن أحدهم قد قال أنه لو تم جمع جميع الحواسيب في العالم وتم ضغطها لتكون بحجم دماغ الإنسان فلن يصل تعقيد مكوناتها تعقيد مكونات الدماغ. وسنبين أن التعقيد الموجود في دوائره العصبية لا يضاهيه التعقيد الموجود في دوائر أضخم الحواسيب الجبارة والتعقيد الموجود في أليافه العصبية لا يضاهيه التعقيد الموجود في أسلاك أضخم الشبكات الهاتفية. أما الوظائف التي يقوم بها الدماغ فإن البشر لا زالوا يقفون عاجزين عن اختراع أجهزة تقوم بمثل هذه الوظائف وعلى القارئ أن يقارن بين الحركات التي يمكن أن يقوم بها جسم الإنسان مع تلك التي يقوم بها الإنسان الآلي أو الروبوت وبين قدرة الدماغ على التعرف على ملايين الأشياء التي شاهدها لمرة واحدة وبين فشل الحواسيب الجبارة على التعرف على أبسط الأشياء. أما قدرة الدماغ على تمكين الإنسان من الإحساس بوجوده وبمشاعره وعواطفه فلا أعتقد أن العلماء سيفكرون يوما من الأيام في تصنيع أجهزة تقلده في فعل ذلك وصدق الله العظيم القائل "هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) " لقمان.

يعتبر الجهاز العصبي أهم جهاز من أجهزة الجسم على الإطلاق فبدونه لا يمكن لبقية الأجهزة أن تقوم بوظائفها على الوجه المطلوب وهو يعمل في أبسط أشكاله كجهاز للتحكم يحدد الطريقة التي يعمل بها كل عضو من أعضاء الجسم بالتنسيق مع بقية الأعضاء. وكما هو الحال في أنظمة التحكم المستخدمة في الأجهزة الحديثة فإن الجهاز العصبي يقوم باستقبال إشارات حسية محملة بالمعلومات من مختلف أعضاء الجسم ومن المحيط الخارجي ثم يقوم بمعالجتها ومن ثم يقوم بإصدار الأوامر التي تتحكم بعمل هذه الأعضاء من خلال الإشارات التي يرسلها إليها ولما فيه مصلحة هذا الجسم. وتعمل البرامج المخزنة مسبقا في الجهاز العصبي على دفع الكائن الحي بشكل غريزي للبحث عن طعامه وشرابه وذلك لتأمين الطاقة اللازمة لعمل أجهزة جسمه وكذلك دفعه للتزاوج مع شريكه لإنتاج كائنات جديدة للحفاظ على جنسه إلى جانب دفعه إلى أخذ التدابير اللازمة للحفاظ على جسمه من المخاطر التي يتعرض إليها من المحيط الذي يعيش فيه. ويتميز الجهاز العصبي في الإنسان على تلك التي في بقية الكائنات الحية بوجود وظائف أخرى كثيرة إلى جانب الوظائف السابقة كقدرته على الكلام والقراءة والكتابة والتذكر والتفكير والوعي والإحساس بالعواطف والمشاعر وغير ذلك الكثير كما سنشرح ذلك لاحقا.

وباستثناء التعقيد البالغ في تركيب الجهاز العصبي والآليات المعقدة التي يستخدمها في معالجة المعلومات فإن تركيبه العام لا يختلف من حيث المبدأ عن تركيب أجهزة التحكم الكهربائية التي تستخدم الحواسيب والمتحكمات والمعالجات الدقيقة في عملية التحكم في مختلف أنواع الأجهزة والروبوتات. ففي مقابل الأسلاك المعدنية في الأجهزة الإلكترونية يستخدم الجهاز العصبي الألياف العصبية والتي تتميز بصغر قطرها البالغ الذي يقاس بالميكرومترات. وفي مقابل الترانزستورات في الأجهزة الإلكترونية يستخدم الجهاز العصبي الخلايا العصبية كوحدة أساسية لمعالجة المعلومات والتي تتميز على الترانزستورات بقدرتها الفائقة على معالجة المعلومات حيث تقوم الخلية الواحدة مقام معالج دقيق كامل يحتوي على ملايين الترانزستورات. وكما أن أنظمة التحكم المعقدة وأنظمة الحاسوب العملاقة تستخدم طرق المعالجة المتوازية والموزعة بدلا من المعالجة المتسلسلة والمركزية لزيادة سرعة معالجتها المعلومات فإن الجهاز العصبي يقوم بمعالجة المعلومات المختلفة التي يستلمها من الجسم في أماكن مختلفة من الدماغ والحبل الشوكي بل حتى في داخل الأعضاء المتحكم بها. إن مثل هذه المعالجة المتوازية والموزعة المستخدمة في الجهاز العصبي تضمن عمل النظام حتى في حالة تعطل بعض أجزائه إلى جانب سرعة تنفيذ الأوامر في أعضاء الجسم المختلفة.

يتكون الجهاز العصبي في الإنسان وفي بعض الكائنات الحية من جزئيين رئيسيين أولهما الجهاز العصبي المركزي والذي يتكون من الدماغ الموجود في الجمجمة والحبل الشوكي الموجود في العامود الفقري أما ثانيهما فهو الجهاز العصبي المحيطي وهو كل ما يقع خارج الجمجمة والحبل الشوكي من مكونات عصبية وهي الألياف والعقد العصبية والمستقبلات الحسية. ويعتبر الدماغ أهم مكونات الجهاز العصبي ويعتمد تعقيد تركيبه في الكائنات الحية على عدد وحجم الوظائف التي يقوم بها لخدمة جسم الكائن وبشكل عام فهو يزداد حجما وتعقيدا كلما ازداد حجم جسم الكائن باستثناء الإنسان . ويتراوح وزن الدماغ بين عدة غرامات في الحشرات والأسماك وعدة مئات من الغرامات في الحيوانات الكبيرة كالثدييات أما الإنسان فيصل وزن دماغه إلى ما يقرب من ألف وخمسمائة غرام وقد يصل في بعض الحيوانات الكبيرة الحجم كالفيلة والحيتان والدلافين إلى عدة كيلوغرامات.


صور لأدمغة متنوعة فتبارك الله أحسن الخالقين

إن قدرات الدماغ لا تعتمد فقط على حجمه بل على مساحة سطحه لأسباب سنبينها فيما بعد ولذلك نجد أن أدمعة الحيوانات الكبيرة لها أسطح كثيرة التلافيف والاخاديد وهي أكثر وأعمق ما تكون في دماغ الإنسان كما هو مبين في الصورة المرفقة. إن زيادة حجم دماغ الإنسان بحيث أصبح يساوي ثلاثة أضعاف حجم أدمغة حيوانات مساوية له في الوزن ليدل دلالة قاطعة على أن الإنسان له مكانة خاصة في هذا الكون وأن خلقه قد تم من قبل العليم الخبير سبحانه وتعالى. ومما يؤكد أيضا على تميز الإنسان على غيره من الكائنات هو أن زيادة قدرات دماغه قد رافقها تعديل قدرات أعضاء أخرى مكنته من الاستفادة من قدرات هذا الدماغ الجبار كالأيدي الماهرة التي تحول الأفكار إلى أفعال واللسان الطلق الذي ينقل المعلومات التي يختزنها العقل إلى الآخرين والحواس المتطورة التي تجمع المعلومات من المحيط الذي يعيش فيه. ونظرا للدور البالغ الأهمية الذي يلعبه الجهاز العصبي في ضبط عمل جميع أعضاء أجسام الكائنات الحية وكذلك نظرا لطبيعته الهشة فقد تم حمايته بشكل بالغ الإحكام. فالدماغ محمي بعظام الجمجمة البالغة الصلابة وقد تم تغليفه بثلاث أغشية متينة يطلق عليها اسم السحايا وهي الأم الجافية وهي غشاء ليفي سميك ومتين يبطن عظام الجمجمة مباشرة والأم العنكبوتية وهي تبطن الأم الجافية والأم الحنون وهي غشاء رقيق يغلف الدماغ ويتخلل جميع تجاعيده. ويملأ الحيز بين الأم الحنون والأم العنكبوتية سائل يسمى السائل المخي الشوكي وهو سائل شفاف يتم إنتاجه في بطينات أربع تقع في مركز الدماغ وتسمى البطينات المخية حيث تقوم شبكة من الشعيرات الدموية تسمى الضفيرة المشيمية بإفراز هذا السائل. وتبلغ كمية هذا السائل في دماغ الإنسان ما يقرب من 150 ملليلتر ويتم تغيير هذا السائل أربع مرات في اليوم للحفاظ على خصائصه المميزة التي تمكنه من القيام بوظائفه المختلفة. إن أحد أهم وظائف هذا السائل هو عمله كوسادة من السائل تحمي الدماغ من الارتطام بجدار الجمجمة حيث يمتص الصدمات التي تتعرض لها الجمجمة. أما الوظيفة الأهم من ذلك لهذا السائل فهي ليبقى الدماغ طافيا فيه فبدونه ستضغط كتلة الدماغ على أجزائه السفلية وتدمرها وذلك بسبب الطراوة البالغة لأنسجة الدماغ. ولا تقتصر حماية الدماغ على الأخطار الميكانيكية الخارجية بل تتعدى إلى حمايته من المواد الضارة التي تأتيه من داخل الجسم من خلال الدم فالخلايا العصبية شديدة التأثر بالمواد السامة والذي يموت منها لا يمكن أن يعوض. ولذلك فقد حماه الله سبحانه وتعالى بما يسمى حاجز الدم-الدماغ وذلك من خلال اختيار نوع الشعيرات الدموية التي تغذي خلاياه فهذه الشعيرات لها أقل نفاذية ممكنة بين جميع الشعيرات الموجودة في الجسم ولذلك فهي لا تسمح إلا لما هو ضروري لحياة الخلايا العصبية من غذاء وتطرد سوى ذلك من مواد ضارة وبكتيريا وفيروسات ولذلك فإن التهاب أنسجة الدماغ نادر الحدوث وإذا ما حدث فإن آثاره بالغة الضرر.

يتكون الدماغ من مادة هلامية القوام لون سطحها رمادي يميل إلى القرنفلي ولون داخلها يميل إلى الأبيض ويبلغ معدل وزنه عند الإنسان البالغ ألف وأربعمائة غرام أما معدل أبعاده فهي 16.7 سم من الأمام إلى الخلف و 14 سم من الجانب إلى الجانب و 9 سم من الأعلى إلى الأسفل. وعلى الرغم من أن وزن الدماغ لا يشكل إلا اثنان بالمائة من وزن الجسم إلا أنه يستهلك عشرين بالمائة من الطاقة التي يولدها الجسم حيث يصله ما بين 15 و 20 بالمائة من كمية الدم التي يضخها القلب إلى الجسم. والدماغ مكون من أربعة أجزاء رئيسية وهي المخ والذي يسمى الدماغ الواعي والمخ البيني وجذع المخ والمخيخ والتى تسمى الدماغ غير الواعي.


رسم يوضح أقسام الدماغ متنوعة فتبارك الله أحسن الخالقين

فالمخ هو الجزء الأعلى من الدماغ وهو أكبر الأقسام حجما إذ يشكل 85 % من حجم الدماغ وهو مكون من نصفين يفصل بينهما شق طولي كبير ويرتبط النصفان ببعضهما عند المنتصف بحزمة ضخمة من الألياف العصبية تسمى الجسم الثفني ويقدر العلماء عدد هذه الألياف (المحاور) بمائتين وخمسين مليون ليف. ويتكون كل من نصفي المخ من أربعة فصوص وهي الفص الجبهي ويشكل 41 بالمائة من حجم المخ والفص الصدغي بنسبة 22 بالمائة والفص الجداري بنسبة 19 بالمائة والفص القحفي بنسبة 18 بالمائة. ويتكون المخ من طبقتين رئيسيتين وهما القشرة المخية ولب المخ فالقشرة المخية هي الطبقة السطحية للمخ وتتراوح سماكتها بين 1.5 و 4.5 ملم وتتركز فيها أجسام العصبونات ولذلك فإن لها لون رمادي. أما لب المخ فيحتوي على محاور العصبونات الموجودة في القشرة المخية والمحاور القادمة من أجزاء الدماغ الأخرى إلى القشرة المخية وهي ذات لون أبيض بسبب أن معظم هذه المحاور مغلفة بطبقة المايلين ذات اللون الأبيض. ويوجد في لب المخ عدد من العقد العصبية التي ترتبط بالقشرة المخية وببقية أجزاء الدماغ. والقشرة المخية لها سطح كثير التجاعيد يحتوي على أخاديد وتلافيف كثيرة تعمل على زيادة مساحة سطحها إلى عدة أضعاف مساحتها فيما لو بقيت بدون هذه الأخاديد وذلك لحكمة بالغة تتضح من خلال الشرح التالي. إن زيادة عدد الخلايا العصبية في الدماغ لا يمكن أن يتم من خلال زيادة حجمه فقط وذلك لأن ربط الألياف العصبية القادمة من مختلف أجزاء الجسم بالخلايا العصبية في طبقات الدماغ الداخلية ستزيد من تعقيد تصميمه ولذلك كان من الأسهل أن يتم توزيع أجسام الخلايا العصبية على سطح الدماغ وترك داخله لمرور حزم الألياف العصبية التي تربط بين مناطق الدماغ المختلفة وبين أعضاء الجسم. وهذه المشكلة هي نفسها التي واجهها مهندسو الإلكترونيات عند تصميمهم لمعالجات وذاكرات الحواسيب التي تحتوي على ملايين الترانزستورات فكان الحل من خلال بناء الدوائر الإلكترونية على أسطح شذرات المواد شبه الموصلة في طبقة واحدة في بداية الأمر وعلى عدة طبقات في الأنواع الحديثة. ولو تطلب الأمر بناء مكونات الدماغ على شكل دوائر إلكترونية بحيث يقوم الترانزستور مقام الخلية العصبية لبلغت مساحة السطح الذي تحتله على الرقائق الإلكترونية أكثر من ألف متر مربع ولكن بما أن الخلية العصبية تحتل حيزا أقل من الترانزستور وتقوم بوظائف أكثر تعقيداﹰ من الوظيفة الوحيدة التي يقوم بها الترانزستور فإن المساحة التي يتطلبها بناء الدماغ باستخدام الخلايا العصبية قد تم تقليصها إلى أقل من متر مربع وذلك من خلال طريقتين فريدتين.


مقطع طولي لدماغ بشري داخل الجمجمة

ففي الطريقة الأولى تم توزيع العصبونات على ستة طبقات في القشرة المخية بدلا من طبقة واحدة وبهذا تم تخفيض المساحة إلى السدس. أما الطريقة الثانية فهي من خلال عمل أخاديد وتلافيف كثيرة وعميقة في القشرة المخية وكذلك في المخيخ بحيث بقى حجم الدماغ ثابتا مع زيادة مساحة سطحه عدة مرات عن حاله فيما لو كان على شكل كرة ملساء. إن نصف قطر جمجمة الإنسان لا يتجاوز العشرة سنتيمترات وعليه فإن المساحة السطحية للدماغ فيما لو كان على شكل كرة ملساء لن يتجاوز الألف سنتيمتر مربع وهذا أقل بكثير من المساحة المطلوبة. ومن عجائب الدماغ التي أدهشت العلماء أنه يستهلك من الطاقة ما بين عشرين وثلاثين واط فقط أي ما يكفي لتشغيل مصباح كهربائي صغير الحجم ولو أن الخلية العصبية تستهلك من الطاقة ما يستهلكه الترانزستور الموجود في أحدث المعالجات الدقيقة لبلغت كمية الطاقة التي يحتاجها الدماغ لتشغيله ما يقرب من مائتي كيلواط وهي طاقة تكفي لتشغيل سيارة كبيرة الحجم.

أما المخ البيني فيقع في مركز الدماغ بين المخ وجذع المخ وهو مكون من ثلاث مناطق وهي المهاد وتحت المهاد والمهيد فمنطقة المهاد تعتبر البوابة الرئيسية التي تمر من خلالها معظم الألياف العصبية إلى القشرة المخية حيث تقوم بإعادة ترتيبها لتوجيهها إلى المناطق الخاصة بها وهي أشبه ما تكون بمقسم الهواتف. أما منطقة تحت المهاد فتحتوي على كثير من مراكز التحكم المتعلقة بوظائف الجسم الحيوية كالتحكم بدرجة حرارة الجسم والشعور بالجوع والشبع ووالنوم واليقظة وضغط الدم وتركيز المواد في الدم وتركيز الماء في الجسم والاستجابات العاطفية والرغبة الجنسية. وترتبط منطقة تحت المهاد أيضا بالغدة النخامية بشكل مباشر والغدة النخامية هي أكبر غدد الجهاز الهرموني وتسيطر على بقية غدد الجسم وبذلك فإن منطقة تحت المهاد هي همزة الوصل مع الجهاز الهرموني في الجسم. وأما منطقة المهيد فهي المنطقة المسؤولة عن إنتاج السائل المخي الشوكي وهي مكونة من البطينات المخية والظفيرة المشيمية التي تنتج هذا السائل. أما جذع المخ فيقع تحت المخ البيني وهو صغير الحجم على شكل الإصبع وهو يصل بين المخ والنخاع الشوكي وهو يتكون بدوره من ثلاثة أجزاء وهي من الأسفل إلى الأعلى النخاع المستطيل ثم الجسر ثم الدماغ الأوسط. فالنخاع المستطيل يحتوي إلى جانب الألياف العصبية التي تربط بين المخ والنخاع الشوكي مراكز عصبية تتحكم ببعض عمليات الجسم الحيوية كالتحكم بضربات القلب ومعدل وعمق التنفس وتقلص وتمدد الشرايين. وأما الجسر فيحتوي على القنطرة التي تربط بين نصفي المخيخ والألياف العصبية التي تربط المخ بالمخيخ وكذلك بالنخاع الشوكي. وأما الدماغ الأوسط فيحتوي على بعض مراكز رد الفعل اللاإرادي أو المنعكس أو ما يسمى اختصارا بالمنعكسات كالمنعكسات البصرية والسمعية ومنعكسات الجفل والعطاس والسعال والتقيؤ والشهاق والبلع وكذلك يحتوي على محطة ترحيل للإشارات السمعية. أما المخيخ وهو أكبر حجما من جذع المخ حيث يبلغ وزنه 150 غرام فيقع أسفل الجزء الخلفي من المخ وهو مكون أيضا من نصفين بينهما شق ويرتبطان ببعضهما بحزمة من الألياف العصبية تسمى الدودة وهو كالمخ ذي سطح كثير التجاعيد إلا أن تجاعيده أكثر عمقا وأقل عرضا بحيث أن مساحة قشرته تساوي تقريبا مساحة قشرة المخ رغم الفارق الكبير بين وزنيهما. إن وظيفة المخيخ الرئيسية هي معرفة وضعية الجسم من خلال الإشارات القادمة من المستقبلات الحسية الموزعة في الجسم ومن القنوات الهلالية في الأذن وكذلك حفظ توازن الجسم وتنفيذ الحركات الإرادية لأعضاء الجسم المختلفة وتنسيق حركة هذه الأعضاء.

أما الحبل الشوكي وهو القسم الثاني من الجهاز العصبي المركزي فهو عبارة عن جسم أسطواني طويل يبدأ من جذع المخ ويبلغ معدل طوله في الإنسان 44 سم وقطره يزيد قليلا عن السنتيمتر أي بحجم الإصبع أما وزنه الكامل فهو 35 غرام تقريبا. وهو مغلف كذلك بنفس الأغشية الثلاث التي تغلف المخ ومحاط أيضا بنفس السائل الشوكي ولذلك تم اعتباره جزءا من الجهاز العصبي المركزي. ولقد تم حماية الحبل الشوكي بفقرات العمود الفقري بشكل بالغ الإتقان فهو موجود في داخل عظام متحركة وذلك على العكس من الدماغ المحمي بعظام الجمجمة الثابتة وهذا يتطلب تصميما فريدا ومتقنا لشكل فقرات العمود الفقري لكي لا تقطع أو تضغط عليه وعلى الأعصاب الخارجة منه عند تحرك هذه الفقرات. وإذا ما تفحصنا مقطع النخاع الشوكي نجد أنه يتكون من مادة رمادية على شكل حرف الهاء بالانكليزية محاطة بالمادة البيضاء مما يعني وجود عصبونات في المادة الرمادية ومحاور عصبونات في المادة البيضاء. إن المادة الرمادية لها قرنان ظهريان ترتبط بهما الأعصاب الشوكية الحسية وقرنان بطنيان ترتبط بهما الأعصاب الشوكية الحركية. والمادة البيضاء في النخاع الشوكي هي حزم الألياف العصبية التي تربط الدماغ مع بقية أعضاء الجسم وقد تم تقسيمها إلى ألياف صاعدة وألياف نازلة. وقد تمكن العلماء من رسم خرائط مفصلة لمقطع النخاع الشوكي تحدد أماكن الألياف العصبية التي تذهب إلى مختلف أجزاء الجسم.


شكل لمقطع عرضي للحبل الشوكي

ولكن بما أن أجزاء الجسم البعيدة لا يمكن إيصال النبضات العصبية إليها من خلال محور يمتد من الدماغ إلى تلك الأجزاء فإنه يلزم إعادة توليد النبضات الكهربائية بما يسمى المرحلات العصبية وهي خلايا عصبية تستلم النبضات من الدماغ وتعيد إرسالها من جديد. ولذلك نجد أن مساحة المادة الرمادية تكون قليلة في مناطق النخاع القريبة من الدماغ وتزداد تدريجيا كلما ابتعدت عن الدماغ وذلك على عكس المادة البيضاء. وإلى جانب المرحلات العصبية يوجد في النخاع الشوكي كما في الدماغ عصبونات مسؤولة عن رد الفعل المنعكس أو ما يسمى الأقواس الانعكاسية حيث تربط هذه العصبونات المستقبلات الحسية في الجلد وغيره من الأعضاء بالعصبونات المحركة في العضلات المختلفة وذلك بدون مرورها على الدماغ وذلك لتسريع رد الفعل لتجنيب الجسم مصادر الخطأ كتعرض الجلد للحرارة أو الأشياء الحادة وكإعادة توازن الجسم عند الإنزلاق أو غير ذلك. وإلى جانب العصبونات الموجودة في داخل النخاع الشوكي والبالغ عددها بليون عصبون يوجد عقد عصبية كثيرة تقع على السطح الخارجي لفقرات العمود الفقري وذلك لخدمة الجهاز العصبي المحيطي. وتتفرع حزم الألياف العصبية من الحبل الشوكي إلى أعضاء الجسم من بين الفقرات على شكل أزواج أحدهما يذهب إلى يمين الجسم والآخر إلى يساره حيث يوجد واحد وثلاثين زوجا من هذه الألياف كما سنبين تفصيل ذلك لاحقا.



شكل يوضح مسار السيالة العصبية من النخاع الشوكي إلى العضلة




شكل لمقطع عرضي لخلية عصبية فتبارك الله أحسن الخالقين

أما القسم الثاني من الجهاز العصبي فهو الجهاز العصبي المحيطي وهو كل ما يقع خارج الجمجمة والحبل الشوكي من مكونات عصبية وهي الألياف العصبية والعقد العصبية والمستقبلات الحسية. فالألياف العصبية أو الأعصاب تتكون في الغالب من عدد هائل من المحاور أو الزوائد الشجرية التي تخدم منطقة ما من الجسم يتم تجميعها على شكل حزم أو ظفائر ومن ثم يتم تغليفها بأنسجة ضامة ومن ثم يتم تغليف جميع هذه الحزم بنسيج ضام رئيسي وغالبا ما يحتوي الليف على شرايين وأوردة لتغذية المحاور والزوائد الشجرية بما تحتاجه من طاقة. وقد صنف العلماء الألياف من حيث قطرها وسرعة انتشار النبضات فيها إلى أربعة أنواع رئيسية فالنوع ألفا يتراوح قطره بين 13 و 20 ميكرومتر وسرعة الانتشار بين 80 و 120 متر في الثانية والنوع بيتا يتراوح قطره بين 6 و 12 ميكرومتر وسرعة الانتشار بين 30 و 80 متر في الثانية والنوع دلتا يتراوح قطره بين 1 و 5 ميكرومتر وسرعة الانتشار بين 5 و 30 متر في الثانية والنوع سي يتراوح قطره بين 0.2 و 1.5 ميكرومتر وسرعة الانتشار بين 0.5 و 2 متر في الثانية وهذا النوع الأخير غير معزول بعكس الأنواع الثلاثة الأولى المعزولة بطبقة المايلين الدهنية والتي تزيد من سرعة انتشار النبضات . وهناك نوعان رئيسيان من الألياف العصبية من حيث الوظيفة فالنوع الأول هي الألياف الحسية التي تنقل الإشارات العصبية التي تنتجها المستقبلات الحسية المختلفة الموجودة في الجسم إلى الجهاز العصبي المركزي أما النوع الثاني فهي الألياف الحركية والتي تنقل الإشارات العصبية من الجهاز العصبي المركزي إلى العضلات والغدد. وقد تم تقسيم الألياف العصبية من حيث مكان خروجها أيضا إلى قسمين فالقسم الأول يخرج من الجمجمة وهي ترتبط بالدماغ وعددها اثنا عشر زوجا وتسمى الأعصاب الجمجمية أو الدماغية ويذهب أغلبها إلى الحواس والعضلات الموجودة في الرأس والرقبة والقسم الثاني يخرج من الحبل الشوكي وعددها واحد وثلاثين زوجا وتسمى الأعصاب الشوكية وتذهب إلى بقية أعضاء الجسم. فالأعصاب الدماغية الأثنا عشر مكونة من عصبين حسيين وخمسة أعصاب حركية وأربعة أعصاب مختلطة فالعصبان الحسيان هما العصب الأول (الشمي) وهو المسؤول عن حاسة الشم والعصب الثاني (البصري) وهو المسؤول عن حاسة البصر ويتكون من مليون ومائتي ألف ليف وأما الأعصاب الحركية فهي العصب الثالث (محرك العين) وهو المسؤول عن حركة عضلات العين الداخلية والعضلة الرافعة للجفن العلوي وحدقة العين والغدد الدمعية ويتكون من ثلاثين ألف ليف والعصب الرابع (البكري) وهو المسؤول عن حركة العضلة المائلة العلوية لكرة العين ويتكون من ثلاثة آلاف ليف والعصب السادس)المبعد) وهو المسؤول عن عضلة العين الوحشية المستقيمة ويتكون من أربعة آلاف ليف والعصب الحادي عشر (العصب الشوكي) وهو المسؤول عن حركة بعض عضلات الرقبة والعصب الثاني عشر (تحت اللساني) وهو المسؤول عن حركة اللسان وأما الأعصاب المختلطة وهي العصب الخامس (ثلاثي التواؤم) وهو المسؤول عن حركة العضلات الماضغة والغشاء المخاطي للفم والأنف وفيه جذر حسي ينقل أحاسيس الوجه والأسنان ويتكون من ثمانية آلاف ليف والعصب السابع (العصب الوجهي) وهو المسؤول عن حركات عضلات الوجه وفروة جبهة الرأس والغدة اللعابية وفيه جذر حسي لحاسة التذوق في مقدمة اللسان ويتكون من عشرة آلاف ليف والعصب الثامن (السمعي) وهو المسؤول عن كل من حاستي السمع ونظام توازن الجسم والعصب التاسع (اللساني البلعومي) وهو المسؤول عن حركة إحدى عضلات البلعوم وحاسة التذوق في الثلث الأخير من اللسان والعصب العاشر (الحائر) وهو العصب الجمجمي الوحيد الذي يخدم منطقة تقع خارج الرأس والرقبة فهو يذهب إلى المعدة والرئتين والحنجرة.



شكل يظهر المراكز التي يتحكم بها الدماغ

أما الأعصاب الشوكية فيبلغ عددها 31 زوجاً وهي تتفرع من جهتي الحبل الشوكي عند مناطق مختلفة من العمود الفقري حيث يخرج من جانبي كل فقرة عصب يخدم منطقة الجسم القريبة منها وهي على النحو التالي: ثمانية أزواج عنقية واثنا عشر زوجا صدريا وخمسة أزواج قطنية وخمسة أزواج عجزية وزوج واحد عصعصي. وجميع الأعصاب الشوكية من النوع المختلط حيث يتفرع من الحبل الشوكي جذران أحدهما حسي وهو الجذر الظهري أي من جهة الظهر وآخر حركي وهو الجذر البطني ثم يتحدان ليكونا عصبا واحدا بعد خروجهما من بين فقرات العمود الفقري ثم يتفرقا عند وصولهما إلى العضو أو الأعضاء التي تخدمها. وتصنف الأعصاب الشوكية إلى نوعين فالنوع الأول هي الأعصاب الجسمية وهي مكونة من أعصاب حركية مسؤولة عن حركة العضلات الإرادية والتي تنتشر في عضلات هيكل الجسم ومن أعصاب حسية والتي تنتشر في جميع أنحاء الجلد أما النوع الثاني فهي الأعصاب الذاتية أو اللاإرادية وهي مسؤولة عن الحركات اللاإرادية في أعضاء الجسم الداخلية كالقلب والرئتين والحجاب الحاجز والمعدة والأمعاء والكبد والكلى والأوعية الدموية وغيرها. والأعصاب الذاتية تنقسم بدورها إلى نوعين وهي الأعصاب الودية وهي التي تستثير الأعضاء لتعمل بأقصى جهد ممكن عند مواجهة الأخطار كزيادة دقات القلب وزيادة إفراز السكر واتساع حدقة العين وأما النوع الثاني فهي الأعصاب غير الودية وهي تعمل على عكس النوع الأول حيث تعمل على تهدئة الأعضاء لتعود لتعمل بشكل طبيعي.



شكل يظهر النخاع الشوكي والأعصاب التي تتفرغ منه

أما المكون الثاني من مكونات الجهاز العصبي المحيطي فهي العقد العصبية وهي مراكز تقوم بمعالجة الإشارات العصبية كما هي المراكز الموجودة في الدماغ وقد تم توزيعها في أنحاء الجسم لسببين أولهما لتقليل حجم الدماغ وتخفيف العبء عليه وثانيها لتكون قريبة من الأعضاء التي تعالج معلوماتها فتصل الإشارات إليها بأسرع مما لو أنها كانت في الدماغ وكذلك لتقليل عدد الألياف الذاهبة إلى الدماغ. وهناك أنواعا مختلفة من العقد العصبية فالعقد الموجودة في الحواس الخمس تقوم باستلام الإشارات العصبية من المستقبلات الحسية وتقوم بمعالجتها معالجة مبدئية قبل إرسالها إلى الدماغ وذلك لتقليل عدد الألياف الذاهبة إلى الدماغ.

وتقع عقد حواس البصر والسمع والشم والذوق بالقرب من مستقبلاتها الحسية بينما تقع عقد حاسة اللمس على الجذور الظهرية للأعصاب الشوكية أي بجوار العمود الفقري. والعقد المستخدمة في حركة العضلات الإرادية تحتوي على برامج تحدد سلسلة حركة العضلات عند القيام بوظيفة معينة وكل ما تحتاجه من الدماغ إشارة البدء لتنفيذ المهمة. أما العقد الموجودة في الجهاز العصبي اللإرادي أو الذاتي فتحتوي على برامج تعمل بشكل مستقل ومتواصل دون الحاجة لأوامر من الدماغ وهي نوعان فالنوع اللاودي توجد عقده العصبية في جدار العضو المتحكم به أو قريبا منه أما النوع الودي فتوجد عقده على سطح الجدار الخارجي للعمود الفقري وهي على شكل انتفاخات في الحبلان العصبيان اللذان يمتدان على طول الحبل الشوكي حيث يوجد عقدتين على جانبي كل فقرة. إن اختيار هذا الموقع للعقد اللاودية لم يأتي اعتباطا فإلى جانب حمايتها بعظام الفقرات فإن الألياف الخارجة منها والداخلة إليها يتم دمجها داخل الأعصاب الشوكية وذلك لتقليل عدد الأعصاب الذاهبة والقادمة من أعضاء الجسم كما هو واضح في الشكل المرفق.

وأما المستقبلات الحسية فهي المكون الثالث للجهاز العصبي المحيطي وهي خلايا عصبية يوجد على زوائدها الشجرية مستقبلات تستجيب لمؤثرات مختلفة فهناك المستقبلات الضوئية المستخدمة في حاسة البصر والمستقبلات الميكانيكية المستخدمة في حاسة السمع ونظام حفظ توازن الجسم والمستقبلات الحرارية المستخدمة في تنظيم درجة حرارة الجسم والمستقبلات الكيمائية المستخدمة في حاستي الذوق والشم وفي تنظيم العمليات الحيوية في داخل الجسم. إن محاور خلايا المستقبلات الحسية لا تذهب مباشرة إلى الدماغ بل تمر على عقد عصبية تقوم بمعالجة الإشارات التي تصلها معالجة مبدئية وذلك لتقليل عدد الألياف العصبية الذاهبة إلى الدماغ وكذلك لتخفيف العبء عليه. ففي حاسة البصر يبلغ عدد الخلايا الحساسة للضوء في شبكية كل عين ما يقرب من 130 مليون خلية منها خمسة ملايين من المخاريط بأنواعها الثلاثة والحساسة للألوان الأساسية الثلاث والبقية من العصي الحساسة لشدة الضوء. وتجتمع الألياف الخارجة من الشبكية عند العقدة العصبية الشبكية والتي تحتوي على ما يقرب من مليون عصبون ومن ثم تنقل إلى القشرة البصرية في المخ والتي تحتوي على 550 مليون عصبون. وفي حاسة السمع يبلغ عدد الخلايا الشعرية الحساسة لحركة سائل القوقعة ما يقرب من 20 ألف تمر الألياف الخارجة منها والبالغ عددها 30 ألف ليف على عقدة عصبية تقع بجوار القوقعة وتحتوي على ما يقرب من 10 آلاف عصبون ومن ثم تنقل إلى القشرة السمعية في المخ والتي تحتوي على 100 مليون عصبون. وفي حاسة الشم يوجد عشرة ملايين خلية شم موزعة على رقعتين من النسيج الشمي موجودتين في سقف التجويف الأنفي والتي لا تتجاوز مساحة كل منهما سنتيمتر مربع واحد. ويوجد ما يقرب من ألف نوع من خلايا الشم الحساسة لمختلف أنواع المواد الكيميائية وهي قادرة على تمييز ما يزيد عن عشرة آلاف رائحة مختلفة.

وفي حاسة الذوق يوجد عشرة آلاف برعم تذوق غالبيتها موجودة على سطح اللسان والبقية في اللهاة وجوانب الفم ويوجد ما بين 50 و 150 مستقبل تذوق على كل برعم وهي مقسمة إلى أربعة أنواع تستجيب للحلاوة والملوحة والحموضة والمرارة. وفي حاسة اللمس يوجد ما يقرب من عشرين نوعا من الخلايا الحسية مدفونة على أعماق مختلفة من الجلد تستجيب لأنواع مختلفة من المؤثرات كالسخونة والبرودة والخشونة والنعومة والصلابة والطراوة والرطوبة والجفاف والضغط المتقطع والمتواصل ومعدل التغير في درجة الحرارة والضغط والألم. وقد قدر العلماء عدد المستقبلات الحسية في الجلد بخمسة ملايين ثلاثة أرباعها من حساسات الألم وهي ليست موزعة بشكل منتظم على سطح الجلد فهي عالية الكثافة في اليد والرجل والشفاه واللسان والوجه والرقبة وقليلة الكثافة في الظهر فقد لا تزيد المسافة بين حساسين متجاورين في رؤوس أصابع اليد عن ملليمترين اثنين بينما قد تصل لعدة سنتيمترات في الظهر. وإلى جانب المستقبلات الحسية الموجودة في الحواس الخمس يوجد في الجسم أنواع أخرى من الحساسات كالحساسات الكيميائية الموزعة في مختلف أجهزة الجسم تعمل على ثبات تركيز مختلف أنواع المواد الكيميائية ضمن حدود معينة وكالحساسات الميكانيكية الموجودة في المفاصل والعضلات التي تذهب إشاراتها إلى نظام حفظ توازن الجسم وغالبا ما تستخدم هذه الحساسات في تشغيل أنظمة التغذية الراجعة المستخدمة في كثير من أجهزة الجسم.


شكل يوضح أشكال الخلايا العصبية بحسب مهمتها

يحتوي دماغ الإنسان على نوعين رئيسين من الخلايا وهي الخلايا العصبية أو العصبونات وهي تشكل عشرة بالمائة من عدد خلايا الدماغ والخلايا الدبقية أو الصمغية وتشكل 90 بالمائة منه وهي تعمل كمادة داعمة للعصبونات وتقوم بتزويدها بالغذاء والأوكسجين وتخليصها من الفضلات. وعلى الرغم من أن عدد الخلايا الدبقية يبلغ عشرة أضعاف الخلايا العصبية إلا أنها تحتل نفس الحيز الذي تحتله الخلايا العصبية في الدماغ وذلك لأن حجمها يبلغ عشر حجم الأخرى تقريبا. ويقدر العلماء عدد العصبونات في الدماغ بمائة بليون (البليون يساوي ألف مليون). ويعتبر العصبون وحدة البناء الأساسية للدماغ وهو يناظر الترانزستور الذي هو وحدة البناء الأساسية للدوائر الإلكترونية المستخدمة في بناء أجهزة الحواسيب وغيرها من الأجهزة الإلكترونية. وتتكون الخلية العصبية بشكل عام من ثلاثة أجزاء رئيسية وهي جسم الخلية والذي يحتوي جميع المكونات التي تحتويها بقية خلايا الجسم أما الجزء الثاني فهو التفرعات الشجرية أو الزوائد العصبية وأما الجزء الثالث فهو المحور.


شكل لمقطع عرضي لخلية عصبية تظهر أقسامها الثلاثة

والتفرعات الشجرية هي زوائد تخرج من جسم الخلية ثم تتفرع إلى غصينات كثيرة قد تصل إلى عدة آلاف في بعض العصبونات وهي قصيرة الطول نسبيا لا تتجاوز عدة ملليمترات ويوجد على أطرافها مستقبلات للنواقل العصبية. أما المحور فلا يوجد منه إلا واحد في كل خلية عصبية ويتراوح طوله بين عدة ملليمترات وقد يزيد عن المتر وتخرج منه عند طرفه البعيد تفرعات معدودة تنتهي ببروزات على شكل أزرار تقوم بإفراز الناقلات العصبية عند إثارتها وتكون هذه الأزرار مع المستقبلات الموجودة على التفرعات الشجرية ما يسمى بالمشابك العصبية. وكما أن للدوائر الإلكترونية مداخل لاستقبال الإشارات ومخارج تسلم الإشارات لبقية الدوائر فإن للعصبونات مداخل ومخارج فمداخلها هي التفرعات الشجرية حيث تنقل الإشارات التي تبعثها المستقبلات بعد إثارتها من الخلايا الأخرى إلى جسم الخلية والتي تقوم بمعالجتها وإرسال الناتج من خلال المحور إلى المشابك والتي تقوم بنقلها إلى بقية الخلايا العصبية. والمشبك العصبي هو عبارة عن الجهاز الذي يقوم بنقل الإشارات العصبية من خلية عصبية إلى أخرى وهو يتكون من التقاء أحد أزرار محور خلية وأحد مستقبلات التفرعات الشجرية في خلية أخرى دون أن يتلامسا حيث يوجد بينهما فجوة لا يتجاوز عرضها ثلاثين نانومترات ومن خلالها تنتقل النواقل العصبية التي تفرزها الأزرار إلى المستقبلات الموجودة على التفرعات الشجرية. ويوجد أنواع مختلفة من العصبونات يتراوح قطرها ما بين عدة مايكرومترات ومائة مايكرومتر أما طولها فيتراوح ما بين عدة ميلليمترات وقد يتجاوز المتر. وعلى الرغم من أن عدد أنواع العصبونات المتخصصة قد يزيد عن عشرة آلاف نوع إلا أنه يمكن تقسيمها من حيث الوظيفة إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي العصبونات الحسية والعصبونات المحركة والعصبونات الرابطة أو الموصلة. فالعصبونات الحسية تقوم باستقبال الإشارات من خلايا المستقبلات الحسية في الجسم ومعالجتها ثم إرسال نتائج المعالجة إلى العصبونات الأخرى وهي في الغالب طويلة الزوائد الشجرية قصيرة المحور. أما العصبونات المحركة فتقوم بنقل الأوامر إلى أعضاء الاستجابة في الجسم كالعضلات والغدد وهي في الغالب طويلة المحور قصيرة الزوائد الشجرية. وأما العصبونات الرابطة أو اموصلة فتستخدم كوسيلة لربط مختلف أنواع العصبونات وغالبا ما تتركز في مراكز المعالجة في داخل الدماغ وفي العقد العصبية.

لقد تمكن العلماء إلى حد ما من فهم الطريقة التي تعمل من خلالها الخلية العصبية في نقل ومعالجة الإشارات العصبية. فعندما تثار الشجيرات العصبية لعصبون ما من قبل العصبونات المتصلة بها من جهة الشجيرات يقوم العصبون بمعالجة هذه الإشارات فضائيا وزمنيا لتنتج إشارة واحدة فقط لها شدة معينة. وإذا ما تجاوزت شدة هذه الإشارة عتبة محددة تحدد من قبل جهاز يقع عند نقطة التقاء المحور مع جسم الخلية يسمى عتبة المحور فإن الخلية تقوم بتوليد نبضة كهربائية ذات شدة محددة تسمى جهد الفعل. ويتم توليد جهد الفعل هذا من خلال فتح قنوات الصوديوم والبوتاسيوم الموجودة في غشاء المحور وهذه القنوات تفتح وتغلق تبعا لمقدار فرق الجهد الموجود بين سطحي الغشاء ولذلك سميت بالبوابات المحكومة بالجهد. ففي وضع السكون تكون هذه القنوات مغلقة ويكون فرق الجهد سالبا ومقداره في المتوسط -70 ملليفولت. وعند إثارة طرف المحور عند عتبته بمؤثر خارجي تنفتح قنوات الصوديوم إذا زاد فرق الجهد عن -40 ملليفولت وتبدأ أيونات الصوديوم بالدخول من خارج الخلية إلى داخلها فتزيد بذلك الأيونات الموجبة عن الأيونات السالبة في الداخل فيتحول فرق الجهد في ذلك الموضع من المحور من السالب إلى الموجب وبمقدار +50 ملليفولت. وعند هذا الجهد الموجب تنغلق قنوات الصوديوم وتنفتح قنوات البوتاسيوم فتبدأ أيونات البوتاسيوم الموجبة بالخروج من داخل الخلية إلى خارجها فتعيد فرق الجهد إلى وضعه الطبيعي. وعلى الفور تبدأ مضخات الصوديوم والبوتاسيوم بالعمل لإخراج ما دخل من أيونات الصوديوم إلى داخل الخلية وإدخال ما خرج من أيونات البوتاسيوم إليها لكي تحافظ على الفرق في تركيزهما بين داخل وخارج الخلية. إن هذا التغير الموضعي في فرق الجهد لن يتوقف عند هذا المكان بل سيبدأ بالانتشار ويقوم بفتح وإغلاق القنوات المجاورة ويسري التغيير في فرق الجهد على شكل نبضة أو موجة كهربائية في المحور بعيدا عن جسم الخلية. وتسمى الفترة الزمنية التي تعقب فترة توليد النبضة الكهربائية والتي يتم فيها إعادة تركيز الأيونات لوضعها الطبيعي بفترة الممانعة حيث تمتنع عتبة المحور عن توليد نبضة كهربائية جديدة مع وجود المؤثر عليها. إن وجود فترة الممانعة هذه ضرورية جدا لعمل العصبون فهي أولا تمنع النبضات الكهربائية من الانتشار باتجاه جسم العصبون بل تنتشر بعيدا عنه باتجاه نهاية المحور وثانيا فهي تحدد أعلى معدل ممكن لتوليد النبضات الكهربائية والذي يبلغ مائة نبضة في الثانية. مع العلم أن المعلومات المتبادلة بين العصبونات يتم تمثيلها بمقدار تردد النبضات وليس بشدتها وهذه الطريقة هي إحدى الطرق المستخدمة في تمثيل المعلومات في أنظمة الاتصالات الكهربائية والتي تسمى بتعديل أو تضمين التردد. إن سرعة انتشار النبضة الكهربائية في المحور غير المعزول لا تتجاوز عدة أمتار في الثانية وذلك تبعا لقطر المحور حيث تزيد السرعة مع زيادة القطر. وهذه السرعة قد تكون كافية لتبادل المعلومات بين الخلايا العصبية المتجاورة ولكنها غير كافية بين الخلايا المتباعدة والتي قد تصل المسافة بينها عشرات السنتيمترات. وهنا تتجلى قدرة الخالق سبحانه وتعالى في إبداع طريقة عجيبة تزيد من سرعة الانتشار لتصل إلى ما يزيد عن مائة متر في الثانية دون زيادة قطر المحور وهي من خلال تغليف المحور بعازل دهني يسمى المايلين أو النخاعين ولكن ليس بالكامل بل تترك مناطق ضيقة غير معزولة بين المناطق المعزولة تسمى عقد رانفير والتي تكثر فيها قنوات الصوديوم والبوتاسيوم. إن عزل المحور يمنع من دخول أيونات الصوديوم من خلال القنوات الواقعة تحت العازل وهي قليلة جدا وبذلك فإن جهد الفعل أو النبضة الكهربائية لن يتولد إلا عند عقد رانفير. وإذا ما تم توليد نبضة كهربائية عند عقدة ما فإن نبضة أخرى ستتولد عند العقدة المجاورة التي تليها بمجرد وصول أيونات الصوديوم من العقد السابقة وذلك من خلال ظاهرة الانتشار السريعة نسبيا. وبهذه الطريقة تنتشر النبضات العصبية على شكل قفزات بين العقد وهي بالطبع أسرع من انتشارها بشكل متواصل على المحاور غير المعزولة. ويتم عزل المحاور من قبل خلايا متخصصة تسمى خلايا شوان حيث تأخذ كل خلية موقعها على طول المحور وعلى مسافات منتظمة ثم تبدأ بإفراز المادة الدهنية العازلة وتقوم بلفها عدة لفات حول المحور شريطة أن تترك الخلايا المتجاورة على المحور منطقة بينهما غير معزولة وهي عقد رانفير وهذا من عجائب تقدير العزيز العليم سبحانه وتعالى.

يتم تبادل المعلومات بين الخلايا العصبية من خلال ما يسمى بالمشابك العصبية والمكونة كما ذكرنا سابقا من الأزرار الموجودة على نهاية محور الخلية المرسلة والمستقبلات الموجودة على الزوائد الشجرية للخلية المستقبلة حيث يفصل بينهما فجوة لا يتجاوز سمكها 30 نانومتر. فعند وصول النبضة الكهربائية إلى نهاية المحور حيث توجد الأزرار فإنها تعمل على فتح قنوات الكالسيوم الموجودة في غشائه والتي تدخل من خلالها أيونات الكالسيوم إلى داخل الزر والتي تقوم بدورها بفتح أكياس أو حويصلات مملوءة بالنواقل العصبية فتصبها في فجوة المشبك.


شكل يوضح المشبك الذي يصل بين الخلايا العصبية

ويتم التقاط هذه النواقل العصبية من قبل مستقبلات الخلية المستقبلة حيث يوجد أنواع مختلفة من المستقبلات التي يستجيب كل نوع منها إلى نوع محدد من النواقل العصبية فقط ولا تستجيب للبقية وهي أشبه ما تكون بالمفتاح والقفل فلكل قفل مفتاحه الخاص به. وعندما يستجيب أحد المستقبلات فإنه يقوم بفتح قنوات في غشاء الخلية المستقبلة لتدخل من خلالها الأيونات فتغير من فرق الجهد في ذلك الموضع والذي ينتشر تأثيره ليصل إلى عتبة المحور في تلك الخلية. ويوجد نوعان رئيسيان من المستقبلات من حيث التأثير على عتبة المحور أحدهما مثيرة والأخرى مثبطة فالمثيرة تقوم بفتح قنوات الصوديوم والتي تعمل على دفع العتبة لإطلاق النبضة العصبية بينما تقوم المثبطة بفتح قنوات البوتاسيوم أو الكلور والتي تعمل على منعها من فعل ذلك. وبما أن الخلية العصبية تحتوي على آلاف المستقبلات المثبتة على زوائدها الشجرية فإن الإشارات القادمة منها سيتم جمع تأثيراتها عند عتبة المحور وإذا ما تجاوزت المحصلة قيمة حدية معينة فإن عتبة المحور ستولد نبضة عصبية لها نفس الشدة بغض النظر عن قيمة المحصلة وهذا هو المبدأ الرئيسي التي تعمل على أساسه الشبكات العصبية. إن التأثير الذي يحدثه كل مستقبل على عتبة المحور يعتمد على نوع الناقل العصبي وبعد المستقبل عن جسم الخلية وعادة ما يتم تمثيل شدة التأثير بقيمة عددية تسمى الوزن وهذه الأوزان تكون موجبة في المستقبلات المثيرة وسالبة في المستقبلات المثبطة. وعندما يتم إثارة الخلية العصبية من قبل ما يرتبط بها من خلايا عصبية فإن محصلة التأثير عن عتبة المحور هو حاصل جمع جميع أوزان المستقبلات المثارة وإذا ما تجاوز الوزن المحصل قيمة حدية معينة فإنها ستقوم بإطلاق نبضة عصبية واحدة. وعلى العكس من الترانزستور الذي لا يمكنه إرسال إلا نوعين من الإشارات إلى الترانزستورات المرتبطة به وهي فصل أو وصل التيار الكهربائي فإن الخلية العصبية تستطيع إرسال أكثر من خمسين نوعا من الإشارات العصبية وذلك حسب نوع الناقل العصبي. وتتميز الخلية العصبية بإمكانية ربطها بعدد كبير جدا من الخلايا العصبية المجاورة قد يصل إلى عشرة آلاف خلية عصبية في مقابل عدة عشرات في حالة الترانزستورات. وعلى هذا فإن الخلية العصبية الواحدة تناظر في عملها المعالج الدقيق الذي يحتوي على ملايين الترانزستورات والذي يستخدم في كثير من الأجهزة الإلكترونية الحديثة حيث يتم برمجته للقيام بوظائف محددة. إن هذه الطريقة الفريدة في معالجة المعلومات من قبل الخلية العصبية هي التي مكنت الدماغ من القيام بهذه الوظائف المعقدة والتي عجزت أضخم الحواسيب الرقمية من القيام بأبسطها. ولذلك لجأ العلماء إلى استخدام نفس طريقة المعالجة المستخدمة في العصبون لبناء أجهزة ذكية أو ما سموه بالذكاء الاصطناعي. ويعتبر علم الشبكات أو الدوائر العصبية أحد العلوم الحديثة التي استخدمها علماء الحاسوب لزيادة قدرات الحواسيب بحيث تحاكي بعض قدرات الدماغ البشري كالتعرف على الأشياء واتخاذ القرارات السريعة.

وبعد هذا الشرح المبسط لتركيب الجهاز العصبي سنبين بعض أوجه الإعجاز في تركيب مكوناته وأعتقد أن القارئ الفطن قد تجلت له هذه المعجزات من خلال الشرح السابق ولكن لا بأس من التذكير ببعضها ونترك للقارئ التفكر في البقية. فكما ذكرنا آنفا يقدر العلماء عدد الخلايا العصبية في الدماغ بمائة بليون خلية موزعة على مراكز الدماغ المختلفة وترتبط كل خلية من هذه الخلايا بما يتراوح بين عشرة خلايا وعشرة آلاف خلية مجاورة وذلك لبناء الشبكات العصبية في مراكز الدماغ المختلفة. وإذا ما اعتبرنا أن متوسط عدد الوصلات مع الخلايا المجاورة هو ألف وصلة فإن العلماء قد قدروا عدد الوصلات بين الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ بمائة ألف بليون وصلة يبلغ مجموع أطوالها قريبا من مائتي ألف كيلومتر. أما عدد الألياف العصبية التي تربط مراكز الدماغ المختلفة ببعضها فتعد بآلاف الملايين فقد قدر العلماء عدد الألياف التي تربط نصفي المخ فقط بمائتين وخمسين مليون. أما عدد الأعصاب التي تربط الدماغ والحبل الشوكي بأعضاء الجسم المختلفة فتعد بعشرات الملايين فالعين الواحدة على سبيل المثال ترتبط بالدماغ بمليون ومائتي ألف ليف عصبي. ولا زال العلماء يضربون أخماسا بأسداس لفهم الطريقة التي تم من خلالها ربط هذا العدد الهائل من العصبونات بهذا الرقم الفلكي من الوصلات علما بأن خطأ بسيطا في بعض الوصلات قد يؤدي لفشل الدماغ في القيام بوظيفته. أما عملية مد الألياف العصبية لتربط مراكز الدماغ المختلفة ببعضها وربط هذه المراكز مع أعضاء الجسم المختلفة فهي معجزة أخرى من معجزات الجهاز العصبي. إن هذا اللغز الكبير قد أعيا العلماء وقد كان آخر تفسيراتهم أو قل تكهناتهم أنه عند خلق الإنسان يخصص لكل ليف عصبي شيفرة محددة تنتج بروتين محدد ويقوم هذا البروتين كمرشد لرأس الليف العصبي فيسير حيث سار البروتين إلى أن يصل إلى مكانه المحددة حيث يوجد بروتين مكمل له. وللقارئ أن يتخيل منظر هذه الملايين من الألياف العصبية وهي تنمو تدريجيا وتنتشر من الدماغ والحبل الشوكي إلى جميع خلايا الجسم فتصلها بدقة متناهية فخطأ بسيط كفيل بإصابة الإنسان بعاهة مستديمة في أحد أعضائه. ومن معجزات الدماغ أنه يحتاج لبرمجة كل خلية عصبية من خلاياه البالغ عددها مائة بليون حيث تتطلب البرمجة تحديد أوزان الزوائد الشجرية لكل خلية والتي قد يصل عددها إلى عشرة آلاف وزن في الخلية الواحدة. ويتم برمجة خلايا بعض المراكز العصبية بشكل دائم منذ خلق الإنسان كالمراكز المسؤولة عن وظائف الجسم الحيوية أما المراكز الأخرى فقد صممت بحيث يتم برمجة خلاياها من خلال التعلم كما في مراكز اللغة والذاكرة وغيرها. ومن معجزات الدماغ أنه على الرغم من أنه يفقد من خلاياه العصبية سنويا ما يزيد عن ثلاثين مليون عصبون وذلك ابتداء من سن العشرين إلا أن قدراته ووظائفه لا تتأثر بهذا الفقد كثيرا ويعود السبب في ذلك إلى الطريقة الفريدة التي تعمل من خلالها الدوائر العصبية والتي تختلف تماما عن طريقة عمل الدوائر الإلكترونية المستخدمة في الحواسيب فتعطل ترانزستور واحد في الحاسوب كفيل بتعطل الحاسوب أو تعطل بعض أجزائه.

يقوم الدماغ بوظائفه من خلال مراكز عصبية موزعة على أجزائه المختلفة ويعتمد عدد الخلايا العصبية الموجودة في كل مركز من هذه المراكز وطريقة توصيلها ببعضها البعض على طبيعة الوظيفة المنوطة بكل منها . ولقد تمكن العلماء من تحديد معظم الأماكن التي تحتلها هذه المراكز باستخدام طرق مختلفة كإجراء التجارب على الحيوانات أو على الأشخاص الذين أصيبوا بضرر في بعض أجزاء أدمغتهم أو من خلال مراقبة النشاط الكهربائي للدماغ بأجهزة تصوير مختلفة لأشخاص سليمين عند قيامهم بمهام مختلفة. وبما أن أكبر أجزاء الدماغ وهما المخ والمخيخ مكونان من نصفين متماثلين فقد وجد العلماء أن المراكز العصبية فيهما تتكرر في كل نصف وتحتل نفس المواقع وكل نصف من الدماغ مسؤول عن الإحساس أو التحكم في أعضاء نصف الجسم المعاكس له أي أن نصف الدماغ الأيمن يتحكم أو يحس بنصف أعضاء الجسم الأيسر والعكس للنصف الثاني باستثناء بعض الحالات. ولقد قسم العلماء الدماغ إلى قسمين من حيث طبيعة الوظيفة التي يقوم بها وهو الدماغ اللاوعي والذي يتكون من المخ البيني وجذع المخ والمخيخ والدماغ الواعي والذي يتكون من المخ فقط. وبما أن أحد أهم وظائف الدماغ اللاوعي هو تنظيم عمل أجهزة جسم الإنسان فقد وجد العلماء أن المراكز المسؤولة عن ذلك لا تختلف من حيث تركيبها ومن حيث الأماكن التي تحتلها عن تلك الموجودة في أدمغة بقية الحيوانات وخاصة الثدييات وذلك للتشابه الكبير في تركيب أجسامها مع تركيب جسم الإنسان. فهذا الجزء اللاواعي أو الغريزي من الدماغ مسؤول عن الحركات اللاإرادية وتنظيم العمليات الحيوية لمختلف أعضاء الجسم باستخدام أنظمة التغذية الراجعة من خلال ملايين الأعصاب التي ترتبط بمختلف أجزاء هذه الأعضاء. ولقد شرحنا آنفا المهام التي تقوم بها أقسام الدماغ اللاوعي عند شرح تركيب الدماغ ولكن على الرغم من كثرتها وتعقيدها فإن المراكز العصبية الخاصة بها موجودة في كتلة لا يتجاوز وزنها المائتي غرام. ويعود السبب في ذلك إلى أن البرامج المخزنة في الدماغ اللاوعي هي برامج مبيتة بلغة علماء الحاسوب أي أن التوصيلات بين الخلايا العصبية في كل مركز ثابتة لا تتغير وهي موجودة منذ ولادة الإنسان أي أنها تعمل كأنظمة تحكم فقط.


شكل يوضح مراكز الوظائف التي يتحكم بها الدماغ بحسب تموضعها على الدماغ

أما الوظائف التي يقوم بها الدماغ الواعي أي المخ فهي تنقسم إلى قسمين قسم يشترك بها الإنسان مع بقية الحيوانات وهي التي تتعلق بالحواس الخمس والحركات الإرادية والقسم الثاني هي التي يتميز بها الإنسان على بقية الحيوانات كالإحساس بالذات وقدرته على التفكير والتعلم والتكلم والتذكر والتخيل وكامتلاكه لمختلف أنواع العواطف والأحاسيس والمشاعر. وعلى الرغم من أن الحيوانات وخاصة الثدييات منها تمتلك حواسا خمسة كما في الإنسان إلا أن حواس الإنسان قد تم زيادة قدراتها بشكل كبير واحتلت مساحات في القشرة المخية أكبر من تلك التي للحيوانات باستثناء بعض الحالات. ففي حاسة البصر تم نقل العينين من جانبي الرأس إلى مقدمة الرأس بحيث يتم رؤية الأشياء بالعينين معا ومن ثم يقوم المخ ببناء صورة مجسمة للشيء المرئي من الصورتين المسطحتين اللتين تلتقطهما كل من العينين. أما عدد الخلايا الحساسة للضوء الموجودة في شبكية العين فقد تم زيادتها بشكل كبير جدا لكي تنتج صور عالية الوضوح ومتعددة الألوان للأشياء التي تراها العين. إن هذه التعديلات في تركيب عين الإنسان لا تكاد تذكر مع تعقيد البرمجيات الموجودة في دماغ الإنسان والتي تمكن الإنسان من الإحساس بصور الأشياء الموجودة في محيطه. وتحتل هذه البرمجيات البصرية أكبر مساحة من القشرة المخية حيث تغطي معظم مساحة الفص الخلفي ففي أقصى الفص توجد القشرة البصرية المرتبطة بشبكية العين من خلال العصب البصري أما بقية الفص فيحتوي على الذاكرة البصرية. أما حاسة السمع فلا تختلف من حيث التركيب العام عن تلك التي لبقية الحيوانات الرئيسية إلا أن البرمجيات المستخدمة في الدماغ البشري قادرة على تمييز طيف واسع من الترددات الصوتية ومزج تلك الترددات للإحساس بمختلف أنواع الأصوات الصادرة عن المحيط الخارجي لكي يستمتع الإنسان بسماع مختلف أنواع الأصوات الجميلة. وقد تم استخدام برمجيات في الدماغ لمزج الصوت القادم من الأذنين بحيث يمكن للمستمع تحديد الاتجاه القادم منه الصوت وكذلك تحديد بعد مصدر الصوت مما يساعد المستمع بالشعور بما يسمى التأثير المجسم للصوت. أما أكثر ما يميز النظام السمعي لدى الإنسان فهو قدرته على تمييز الكلام الصادر عن أجهزة الكلام في الإنسان والتي يمكنها إصدار عدد كبير من الأصوات التي تمثل الأحرف الهجائية والتي يتم دمجها للفظ الكلمات التي تحمل معاني مختلفة تم تدريب العقل البشري للتعرف عليها. وتقع القشرة السمعية في أعلى الفص الصدغي بينما توجد الذاكرة السمعية أسفل منها في نفس الفص ومن خلال هذه الذاكرة يمكن التعرف على آلاف الأصوات الخاصة بالأشخاص والحيوانات وغيرها.

وأما حاسة اللمس لدى الإنسان فقد تم تطويرها بشكل كبير بالمقارنة مع بقية الحيوانات وتعتبر من أكثر الحواس الخمس تعقيدا حيث يتوجب على هذه الحاسة إبلاغ الدماغ عن أي شيء يلامس جلد الإنسان وتحديد طبيعة هذا الشيء. وهذا يتطلب زرع حساسات مختلفة الأنواع على مسافات متقاربة على جميع أنحاء الجسم بحيث يمكن للإنسان تحديد الموضع الذي تمت عنده الملامسة بدقة عالية. وكما هو الحال مع حاستي السمع والبصر فإن التعقيد الموجود في ملايين الخلايا الحسية المزروعة في الجلد وملايين الأعصاب التي تنقل النبضات الحسية إلى الدماغ لا يكاد يذكر مع التعقيد الموجود في مراكز الإحساس والبرامج المخزنة فيها. ويستخدم الإنسان حاسة اللمس كغيره من الكائنات الحية للتعرف على درجة حرارة الجو المحيط بجسمه لكي يتخذ التدابير اللازمة لحماية جسمه من الحرارة أو البرودة الزائدة وكذلك التعرف على الأشياء التي تلامس أو تضغط على جسمه لكي يتخذ الإجراءات المناسبة. ويتميز الإنسان على بقية الكائنات الحية باستخدامه لحاسة اللمس للتعرف على خصائص الأجسام الملموسة كالصلابة والليونة والخشونة والنعومة والطراوة والقساوة والرطوبة والجفاف وخاصة من خلال خلايا الحس الموجودة في أصابع اليد. وتقع حاسة اللمس الابتدائية في مقدمة الفص الأوسط من المخ بينما تقع وحدات المعالجة الحسية خلفها على نفس الفص وتحتل أعصاب أصابع اليد والشفتان والوجه واللسان أكبر مساحة من المساحة الكلية لحاسة اللمس كما هو مبين في الشكل المرفق. أما حاسة الذوق عند الإنسان فيمكنها التفريق بين أربعة أنواع من الأحاسيس وهي الإحساس بالحلاوة والملوحة والحموضة والمرارة وذلك من خلال وجود ما يقرب من عشرة آلاف برعم تذوق على سطح اللسان ويحتوي كل من هذه البراعم على ما يزيد عن عشرة مستقبلات تذوق لها القدرة على قياس مستويات عديدة لكل واحدة من هذه الأحاسيس الأربعة. ويقوم الدماغ بمعالجة المعلومات التي ترسلها مستقبلات التذوق المختلفة عبر الأعصاب المتصلة بها ليعطي عدد لا يحصى من المذاقات والنكهات التي نتذوقها عند أكل وشرب مختلف أنواع الأطعمة والأشربة. ولهذا السبب نجد أن الإنسان يستطيع التفريق بين طعم آلاف الأنواع من الفواكه والخضراوات وبذور وزيوت النباتات ولحوم وألبان الحيوانات بل له القدرة على التميز بين طعم ثمار النوع الواحد من النباتات كما نرى عند تفريقنا بين طعم مئات الأنواع من التمور أو التين والعنب والتفاح والبرتقال وغيرها. وأما حاسة الشم عند الإنسان فقد لا تكون أكثر حساسية من تلك التي لبقية الحيوانات إلا أنه قد تم تعديلها بحيث يمكنها التمييز بين ما يزيد عن عشرة آلاف نوع من الروائح المختلفة وذلك من خلال وجود عشرة ملايين خلية شم مختلفة موزعة على رقعتين من النسيج الشمي موجودتين في سقف التجويف الأنفي والتي لا تتجاوز مساحة كل منهما سنتيمتر مربع واحد. وقد وجد العلماء أن هناك سبعة أنواع من مستقبلات الشم تستجيب لسبعة أنواع من الروائح الأولية ويمكن لحاسة الشم من خلال مزج هذه الروائح الإحساس بعدد كبير جدا من الروائح المختلفة كما هو الحال مع حاسة البصر التي يمكنها إدراك عدد هائل من الألوان من خلال مزج ثلاثة ألوان أساسية فقط. وبهذه القدرة الفائقة لحاسة الشم في التفريق بين مختلف أنواع الروائح تمكن الإنسان من الاستمتاع بمختلف أنواع الروائح العطرية التي تصدرها أزهار وثمار آلاف الأنواع من النباتات وكذلك الاستمتاع بأطايب الطعام من خلال تعاون حاستي الذوق والشم. وكذلك تساعد حاسة الشم الإنسان على تجنب مواقع المواد المتعفنة والتي تحتوي على أنواع كثيرة من الجراثيم الضارة بصحته وذلك من خلال إحساس الإنسان بروائح كريهة تنبعث من هذه المواقع. إن إحساس الإنسان برائحة محددة يتم من خلال تنفيذ برامج محددة مخزنة في مراكز الشم في الدماغ فالنبضات العصبية المنبعثة من مستقبلات الشم الموجودة في الأنف لا تختلف عن بعضها البعض من حيث الشكل ولكنها تثير عند وصولها لمراكز الشم الخاصة بها أحاسيس مختلفة في الدماغ.

أما بخصوص المراكز العصبية المتعلقة بالحركات الإرادية لدى الإنسان فهي تحتل مساحة أكبر بكثير في القشرة المخية من تلك التي لبقية الحيوانات. وقد جاءت هذه الزيادة لتلبي القدرات الحركية الهائلة لكل من يدي الإنسان ولسانه وشفتيه فاليدان هما آلة العمل والكتابة واللسان والشفتان هما آلة الكلام وهاتان القدرتان إلى جانب القدرة العقلية هي ما ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان على غيره من الكائنات الحية. وتقع المراكز العصبية المسؤولة عن الحركات الإرادية في الجزء الخلفي من فص المخ الأمامي وهي تغطي مساحة واسعة منه. ويتبين لنا من الشكل المرفق كيف أن اليد بأصابعها الخمس والشفتان واللسان يحتلان مساحة كبيرة من المساحة الكلية المخصصة للحركات الإرادية في الجسم. لقد سوى الله سبحانه وتعالى الإنسان وعدله فأصبح يعتمد على رجليه فقط في المشي وأصبحت يداه حرتان طليقتان لتقوم بمهام جديدة ساعدته على التفوق على غيره من الحيوانات. وقد تم تصميم الأجزاء المختلفة لليدين بحيث يمكنهما القيام بوظائف عديدة وقد تم ذلك الأمر من خلال عدة تعديلات أهمها تصميم مفاصل اليد بحيث أصبحت تتحرك بكل سهولة وحرية في الاتجاهات المختلفة فمفصل الرسغ يسمح بحركة قبضة اليد في مستويين متعامدين ومفصل الكوع يسمح بحركة ذراع اليد كذلك في مستويين متعامدين إلى جانب إمكانية تدويره ضمن زاوية تزيد عن تسعين درجة أما مفصل الكتف فيسمح بتحريك كامل اليد في مستويين متعامدين وبزاويتين كبيرتين تزيدان عن تسعين درجة. أما التعديل الأكثر أهمية فهو الذي تم إجراؤه على كف اليد بحيث أصبحت قادرة على القيام بمهام مختلفة تمكن الإنسان من خلالها استغلال كثير من خيرات هذه الأرض. ولو أن يد الإنسان بقيت على الهيئة التي هي عليها أيدي بقية الثدييات لما تمكن من تصنيع أي شيء مهما كانت قدراته العقلية. فاليد هي الآلة التي تقوم بتنفيذ الأفكار التي يولدها العقل فما الذي يمكن أن يعمله حمار له عقل إنسان؟! ومن أهم التعديلات التي أجريت على كف اليد هو زيادة مساحة باطنها وزيادة عد الأصابع فيها إلى خمسة أصابع وبثلاثة مفاصل في كل منها وقد تم وضع أربعة منها في مستوى واحد بينما وضع الإصبع الخامس وهو الإبهام في وضع مواجه لبقية الأصابع. ويتميز الإبهام على بقية أصابع اليد إلى جانب وجوده في مواجهتها بقدرته على الحركة في مستويين اثنين بينما تتحرك الأصابع الأخرى في مستوى واحد فقط مما أعطاه الحرية للوصول بكل سهولة إلى جميع أصابع اليد وجزء من باطنها. وبهذا التصميم البديع لليد تمكن الإنسان من إمساك والتقاط وتحريك مختلف الأشياء التي تتراوح في أحجامها من حبات الرمل وبذور النباتات إلى قطع الصخور وجذوع الأشجار. أما الاستخدامات التي تظهر البراعة العالية لليد فهي الكتابة والرسم حيث يمكن لليد الإمساك بالقلم في وضعية معينة وتحريك رأسه في مختلف الاتجاهات بدقة عالية لكي يتمكن من كتابة الأحرف والكلمات ومختلف أنواع الرسومات وصدق الله العظيم القائل "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" القلم.

ومن القدرات البالغة الأهمية لدماغ الإنسان تلك المتعلقة بقدرته على استخدام الكلام كوسيلة لتبادل مختلف أنواع المعلومات والمشاعر المخزنة في أدمغتهم. وعلى الرغم من أن مكونات آلة الكلام موجودة في كثير من الثدييات التي لها فم يحتوي على لسان وأسنان وشفتين إلا أنها لا تستطيع استخدامها في إصدار الأصوات اللازمة لإجراء عملية التكلم. ولكي يتمكن الإنسان من الكلام فقد تم ربط عضلات فكيه ولسانه وشفتيه بعدد كبير من الأعصاب المرتبطة بمركز الكلام في الدماغ مما أعطاها مزيدا من حرية الحركة كما نلاحظ ذلك عند تحريك اللسان ليلامس مواضع كثيرة في تجويف الفم وكذلك هو الحال عند تحريك الشفتان. ويفهم أكثر الناس الحركات الإرادية بشكل خاطئ فهم يعتقدون أن جميع خطوات عملية تحريك أيديهم وأرجلهم وألسنتهم تتم بشكل كامل تحت سيطرتهم وهي ليست كذلك حيث أن جميع الخطوات تتم بشكل غير إرادي ما عدا الخطوة الأولى وهي خطوة تحديد نوع الحركة ووقت ابتدائها. فعندما ينوي الإنسان تحريك يده أو لسانه أو شفتيه في وضعية ما فإن هنالك برنامجا ضخما مخزنا في مركز الحركة والمراكز المساعدة يتم تشغيله ليحدد سلسلة النبضات العصبية التي يجب أن ترسل لمختلف عضلات اليد أو الفم وبتزامن منقطع النظير. فعلى سيبل المثال فلو أن شخصا أراد أن يضع رأس سبابته على أرنبة أنفه أو أي جزء من جسمه وهو مغلق عينيه فما عليه إلا أن يعطى الأمر لدماغه بفعل ذلك ومن ثم تقوم المراكز المسؤولة بتنفيذ برامج معقدة لتنفيذ هذه الحركة التي تبدو بسيطة لمن لا يدرك أبعادها. فعلى الدماغ أولا أن يحدد وضعية اليد الابتدائية ويتم الحصول على هذه المعلومات من المخيخ والذي سبق له أن حصل عليها من المستقبلات الحسية الموجودة في اليد ومن ثم يحدد الوضعية النهائية لليد وهي أرنبة الأنف وعلى ضوء هذه المعلومات يقوم الدماغ بتحديد سلسلة النبضات العصبية المرسلة إلى مختلف عضلات اليد المختلفة لتحركها بتسلسل محدد لكي تصل إلى هدفها المحدد. إن حجم العمليات العصبية التي يجريها الدماغ لمثل هذه المهمة التي قد تبدو بسيطة لا يدرك تعقيدها إلا المهندسون الذين يعملون في برمجة الروبوتات أو الأطباء الذين يعالجون مرضى أصيبوا بعاهات في المراكز المسؤولة عن الحركة. وكذلك هو الحال عندما ينوي الشخص التلفظ بالحروف والكلمات والجمل فإن عملية التكلم تتم بشكل لاإرادي حيث تتولى برامج محددة مخزنة في مركز الكلام تحديد سلسلة النبضات العصبية التي ترسل بتزامن معين إلى مختلف مكونات آلة الكلام ابتداء من الحجاب الحاجز مرورا بالرئة والأوتار الصوتية واللسان والفكين وعضلات الوجه وانتهاء بالشفتين. وعلى العكس من حركة الأيدي والأرجل التي تتم وفق برامج جاهزة مخزنة في مراكز الحركة منذ ولادة الإنسان فإن حركة مكونات آلة الكلام تتم وفق برامج يتم تخزينها في مركز الكلام في الدماغ في وقت لاحق بعد ولادة الإنسان وذلك من خلال تدريب عضلات آلة الكلام على لفظ الأحرف والكلمات وصدق الله العظيم القائل "الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)" الرحمن.

أما الدماغ الواعي فهو المسؤول عن الوظائف التي لا توجد في أدمغة بقية الثدييات كوظائف الوعي والتفكير والحساب والمنطق والتعلم والتذكر والتعرف والكلام واتخاذ القرارات. إن بإمكان العلماء فهم الآليات التي تعمل على أساسها المراكز العصبية الموجودة في الدماغ اللاواعي المسؤول عن التحكم في أعضاء الجسم فهي من حيث المبدأ لا تختلف عن تلك المستخدمة في أنظمة التحكم الإلكترونية مع فارق التعقيد والأداء بينهما ولكن لا زال أمامهم شوطا طويلا لفهم الآليات التي يستخدمها الدماغ الواعي للقيام بوظائفه المختلفة. وقد وجد العلماء أن الفص الأمامي من المخ يحتوي على مراكز الدماغ المسوؤلة عن التفكير والمنطق والحساب واتخاذ القرارات وقد يكون دوره كدور وحدة المعالجة المركزية في الحاسوب ولذا فهو مرتبط بمعظم أقسام الدماغ حيث تجلب له المعلومات من المراكز المختلفة ليقوم بمعالجتها واتخاذ القرارات المناسبة. إن أكثر وظائف الدماغ إبهاما هي وظيفة الإدراك أو الوعي وهي إحساس الإنسان بوجوده وبوجود الأشياء من حوله ويمكن أن نستوعب أبعاد هذه المسألة لو تصورنا أن العلماء قد تمكنوا من تصنيع حاسوب عملاق قادر على القيام بكامل وظائف الدماغ البشري فهل يمكن لهذا الحاسوب أن يحس بنفس الأحاسيس التي يشعر بها الإنسان من خلال دماغه. ومن الوظائف المهمة التي تميز الإنسان بها على بقية الحيوانات هي قدرته على التعرف على الأشياء من حوله من خلال حاسة الإبصار فعندما تقع عين الإنسان على شيء ما فإنه يستطيع التعرف على هذا الشيء في لمح البصر بمجرد مشاهدته مرة أخرى. وبهذه الوظيفة المهمة يتمكن الإنسان من التعرف على مئات الآلاف من الأشياء التي يحتاجها لتسهيل سبل عيشه كالتعرف على وجوه الأشخاص وأشكال الثمار والحبوب والأدوات وأشكال التضاريس الأرضية والمباني والبيوت والشوارع وأشكال النباتات والحيوانات. ولقد حاول العلماء باستخدام الحواسيب الرقمية العملاقة تقليد الدماغ البشري للتعرف على الأشياء ففشلوا فشلا ذريعا حيث احتاج الحاسوب العملاق عدة ساعات للتعرف على شكل تفاحة من بين عدة أنواع من أشكال الثمار. ومن الوظائف المهمة للدماغ البشري هي التفكير حيث يقوم بناءا على مقدمات منطقية بالحصول على نتائج منطقية جديدة وبهذه القدرة العقلية تمكن الإنسان من كشف كثير من أسرار وقوانين موجودات الكون الذي يعيش فيه واستطاع كذلك أن يسخر كثير من قوى وموارد الطبيعية لصالحه. ويتميز دماغ الإنسان كذلك بامتلاكه لذاكرة قوية يخزن فيها الكلمات والجمل وأسماء الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة وصور الأشياء التي يراها والأصوات التي يسمعها وكذلك كم هائل من الأحداث والذكريات التي مر بها في ماضيه. ولا زال العلماء على جهل تام بالطريقة التي يستخدمها الدماغ في تخزين ما تراه العين وما تسمعه الأذن فمن الواضح أن الدماغ مهما بلغت سعة ذاكرته لا يمكنه أن يستوعب كل ما يصل إليه من معلومات سمعية ومرئية تلتقطها الأذن والعين. وفي هذا الحال لا بد أن الدماغ يستعمل آليات معقدة لاختيار المعلومات المهمة ويقوم بتخزينها في أماكن مختلفة من الدماغ كالذاكرة البصرية والذاكرة السمعية والذاكرة اللغوية وغيرها. فعلى سبيل المثال فعندما تقابل شخصا لأول مرة ولمدة محددة من الزمن فإن كم هائل من المعلومات سترسلها العين والأذن إلى الدماغ ولكن بعد إنتهاء المقابلة لا يبقى في الذاكرة إلا الأشياء المهمة كصورة وجهه وشكل جسمه ونوع ملابسه وبعض الجمل التي تلفظ بها. ومن ميزات الدماغ أن الإنسان يستطيع أن يستذكر المعلومات المخزنة في ذاكرته ويخرجها على شكل كلام من خلال الفم أو على شكل كتابة أو صور باستخدام اليد أو على شكل حركات عضلية تمكنه من إنجاز مختلف الأعمال التي تدرب عليها. ولا يمكن لأقوى الحواسيب العملاقة أن يقلد دماغ الإنسان في الطريقة التي يستخدمها لتأليف وإخراج الكلام فعندما يقوم شخص ما بالحديث عن موضوع معين فإنه بمجرد استحضاره لمعنى من المعاني يقوم الدماغ بشكل تلقائي بالبحث عن الكلمات المناسبة التي تؤلف الجمل المفيدة التي تعبر عن ذلك المعنى.

إن باستطاعة العلماء المهتمين بدراسة الدماغ أن يبرهنوا على أن الطرق التي يعمل بها الدماغ لأداء بعض وظائفه تقوم على أسس مادية يمكن استخدامها لبناء حواسيب تقوم بنفس الوظائف إذا ما توفرت التقنيات المناسبة لذلك ولكنهم لا أظنهم يتجرؤون فيقولوا أن مثل هذه الحواسيب قادرة على القيام بوظائف أخرى يقوم بها الدماغ البشري كالإحساس بوجوده والإحساس بالمشاعر والعواطف الإنسانية المختلفة كالحب والكره والفرح والحزن وإلى غير ذلك من المشاعر. إن القضية المتعلقة فيما إذا كانت المادة بشتى صورها قادرة على الإحساس بوجودها حيرت ولا زالت تحير الفلاسفة والعلماء ولم يتمكنوا حتى الآن من الوصول إلى إجابة شافية تستند إلى أسس علمية واضحة. ولهذا برزت فكرة وجود قوة عاقلة ذات طبيعة غير مادية تسكن في جسم الإنسان أطلقوا عليها اسم الروح وهي المسؤولة عن الوعي وحرية الإرادة والاختيار والمشاعر والعواطف الإنسانية المختلفة والتمييز بين الخير والشر وكبح جماح الغرائز الحيوانية. ومما زاد من يقين البشر بوجود هذه الروح هو قدرة بعض أفراد البشر بالقيام بأعمال لا يمكن للمادة أن تقوم بها كاستشراف الغيب من خلال التنبؤ بالأحداث المستقبلية على يد الأنبياء والرسل ومن خلال الأحلام الصادقة التي يراها البشر في مناماتهم وإلى غير ذلك من الظواهر الخارقة للعادة. ولطالما تساءل البشر عن طبيعة هذه الروح التي نقلت الإنسان من الحياة الحيوانية التي تحكمها الغرائز إلى الحياة الإنسانية التي يحكمها العقل والمثل العليا والتي تجعل هذا الإنسان يتصرف في كثير من الأحيان على عكس ما تمليه عليه غرائزه كما تفعل بقية الحيوانات. ولقد رد القرآن الكريم على الذين سألوا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن طبيعة الروح بجواب مفحم وذلك في قوله تعالى "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)" الإسراء 85. ولقد تبين للبشر في هذا العصر أبعاد هذا الرد القرآني فهاهم العلماء بما أوتوا من علم في مختلف التخصصات العلمية وبما توفر لهم من أجهزة ومعدات معقدة استخدموها في دراسة الدماغ البشري وحواسيب جبارة لتقليد طريقة عمل بعض وظائفه يقفون عاجزين عن كشف أسرار الجانب المادي للدماغ فأنى لهم معرفة طبيعة الروح التي تسكن جسم هذا الإنسان! إن من الجهل أن لا يعترف الإنسان العاقل بوجود أشياء لا يمكن لحواسه أن تدركها أو أن عقله لا يستطيع أن يستوعبها وخاصة في هذا العصر الذي تمكن البشر فيه من التعامل مع أشياء لا يدركونها بحواسهم ولا يمكن لعقولهم أن تتخيلها كما هو الحال مع الموجات الكهرومغناطيسية التي استخدموها لنقل مختلف أشكال المعلومات وصدق الله العظيم القائل "بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)" يونس 39.


المراجع

1- القرآن الكريم

2- مواقع متفرقة على الإنترنت

egyptian-lion
-الأذن-

لقد كشف هذا العصر للبشر حقيقة بالغة الأهمية وهي أنه لكي يتم تصنيع جهاز ما ليقوم بوظيفة معينة فإن على مصممه أن يكون على دراية بالقوانين التي تحكم عمل هذا الجهاز وإلا فإن الجهاز سيفشل في القيام بمهمته أو أن كفاءته ستكون متدنية. وإذا ما تفحصنا الأجهزة المختلفة التي يتكون منها جسم الإنسان فإننا نجد أنها تقوم بوظائفها على أكمل وجه ولفترات زمنية طويلة مما يدل دلالة بينة على أن الذي قام بتصميمها وتصنيعها محيط إحاطة تامة بكل القوانين والآليات التي تحكم عملها. ولقد تمكن العلماء في مختلف التخصصات العلمية والهندسية من كشف بعض القوانين والآليات التي تعمل على أساسها أجهزة الجسم المختلفة وأثبتوا بما لا يدع مجالا للشك بأنها فعلاً قد صممت على أكمل وجه واعتماداً على أسس علمية واضحة مما يؤكد أنها لم تخلق بالصدفة كما يدعي الملحدون.

ومما يميز الجهاز السمعي والبصري على غيرها من أجهزة الجسم أنها تتعامل مع ظواهر فيزيائية غير محسوسة وهي الموجات الصوتية والموجات الضوئية ولذلك يتطلب تصميم العين والأذن معرفة القوانين التي تحكم هذه الظواهر فبدون ذلك فإنه لا سبيل لتصميمها بطريق التجربة والخطأ خاصة أنها أجهزة بالغة التعقيد. وفي هذه المقالة سنبين أن تصميم الأذن قد تم بناءاً على دراية تامة بقوانين فيزيائية مختلفة وباستخدام تقنيات هندسية متقدمة كانتشار الموجات الصوتية في الهواء وفي الماء وكيفية انتقالها من وسط إلى وسط وطريقة جمعها بأكبر قدر ممكن وطبيعة الأجسام القابلة للإهتزاز وتقنيات الحساسات للضغط وغير ذلك الكثير.

وسنبين أن حساسية الأذن ومدى الترددات التي تلتقطها وقدرتها على تمييز هذه الترددات وكذلك مداها الديناميكي لا يضاهيها أي جهاز من الأجهزة الحديثة المستخدمة في التقاط الموجات الكهرومغناطيسية والموجات الصوتية وصدق الله العظيم القائل "وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) " الفرقان.

إن من يقوم بتصميم جهاز لالتقاط الموجات الضوئية (الكهرومغناطيسية) كالعين أو الموجات الصوتية كالأذن لا بد وأن يكون عنده علم مسبق بوجود مثل هذه الأمواج وعلى هذا فإنه من الجهل بمكان أن يدعي مدعي أن العين والأذن قد صنعت بالصدفة فالبشر بما أوتوا من عقول لم يتمكنوا من كشف وجود مثل هذه الموجات إلا بعد جهد جهيد.

ولكي يتمكن الصانع من صنع مثل هذه الأجهزة فإنه يلزمه معرفة خصائص هذه الموجات فمن غير الممكن أن تصمم مكونات هذه الأجهزة دون معرفة الطريقة التي تتفاعل بها هذه المكونات مع طبيعة هذه الموجات. لقد ذكرنا في مقالة تركيب العين أن الموجات الكهرومغناطيسية تمتد على مدى واسع جداً من الترددات فهل يمكن لعاقل أن يتقبل فكرة أن الصدفة قد اهتدت لنطاق الترددات التي تبثها الشمس فقامت بتصميم العين بحيث تلتقط هذا النطاق الضيق من الترددات المسماة بالضوء.

وكذلك هو الحال مع الأذن فإنه يلزم مصممها معرفة نطاق الترددات التي ستلتقطها وذلك من خلال معرفة المصادر التي تطلق الموجات الصوتية وكذلك معرفة طبيعة هذه الموجات لكي يتسنى له تصميم المكونات التي ستستجيب لها. لقد صممت الأذن البشرية بحيث تلتقط الموجات الصوتية التي تمتد تردداتها من 20 هيرتز إلى 20 ألف هيرتز وقد وجد العلماء أن هذا المدى يغطي معظم الأصوات التي تنطلق من مكونات المحيط الذي يعيش فيه الإنسان كالأصوات الصادرة من الجمادات والحيوانات والإنسان نفسه.

فالأصوات كما هو معروف تصدر نتيجة للاهتزازات التي تحدثها الأجسام المتحركة في ضغط الهواء فتنطلق هذه الاهتزازات في الهواء على شكل موجات صوتية بسرعة 345 متر في الثانية تقريباً وتتناسب ترددات هذه الموجات مع أبعاد الأجسام المتحركة التي تطلقها. إن أعجب ما في نظام السمع أن الأذن قد صممت بحيث تستجيب بأكفأ ما يمكن للترددات التي يتكون منها صوت الإنسان مما يعني أن الذي صمم الحنجرة والفم كآلات لتوليد الكلام لا بد أن يكون هو نفسه الذي صمم الأذن كآلة للسمع فمثل هذا التوافق بين جهاز الإرسال وجهاز الاستقبال يستحيل أن يتم بالصدفة كما يدرك ذلك تماماً المهندسون الذين يقومون بتصميم أجهزة الاتصالات.

ولو سلمنا جدلاً بحصول مثل هذا التوافق في أحد الكائنات الحية كالإنسان مثلاً فإن حصوله بالصدفة لملايين الأنواع من الكائنات لا يمكن أن يتقبله إنسان عاقل. فالوطواط يصدر أصواتاً تصل تردداتها إلى 40 كيلوهيرتز وهو قادر على سماعها بينما لا يسمعها الإنسان وكذلك الحال مع بقية الحيوانات.

تتكون الأذن من ثلاث أقسام رئيسية وهي الأذن الخارجية والأذن الوسطى والأذن الداخلية وكل من هذه الأقسام يتكون بدوره من مكونات عديدة. فالأذن الخارجية تتكون من جزئيين وهما الصيوان والقناة السمعية حيث يقوم الصيوان بجمع الموجات الصوتية من الهواء وتوجيها نحو القناة السمعية والتي تقوم بدورها بنقل الموجات الصوتية الملتقطة إلى طبلة الأذن.

لقد قام علماء الصوتيات بدراسات مستفيضة لفهم الطريقة التي يعمل من خلالها صيوان الأذن والقناة السمعية لجمع أكبر قدر ممكن من الموجات الصوتية وتسليطها على الطبلة ووجدوا أنه قد تم تصميمها على أسس علمية بالغة الدقة تعتمد على قيم الترددات التي يمكن للأذن أن تسمعها. إن أول المتطلبات لزيادة كفاءة صيوان الأذن هو المادة التي يصنع منها والتي يجب أن تعكس الموجات بأكبر قدر ممكن ومن المعروف أنه كلما زادت صلابة المادة كلما زادت قدرتها على عكس الموجات.

ومن حكمة الخالق سبحانه وتعالى أنه لم يصنع الصيوان من مادة عظمية تفاديا لتعرضه للكسر بسبب بروزه عن جسم الرأس بل استبدله بمادة غضروفية مرنة لها نفس القدرة على عكس الموجات.

ومما يؤكد على أن هذا الصيوان قد تم تصميمه من قبل مصمم لا حدود لعلمه وقدرته سبحانه، وأن الجلد الذي يغطيه من الداخل قد تم اختياره بحيث يكون رقيقاً جداً وملتصقاً تمام الالتصاق بالمادة الغضروفية لكي لا يقوم بامتصاص الموجات الصوتية وللقارئ أن يتأكد بنفسه من ذلك وذلك من خلال مقارنة سماكة جلد الصيوان من الداخل والخارج.

أما شكل الصيوان ففيه من الأسرار العجيبة التي لا زال العلماء يعملون جاهدين على كشف الوظائف التي تقوم بها هذه التلافيف والتعرجات الموجودة عليه فلقد كان من الأسهل لو كان المصمم لهذه الأذن أحد غير الله أن يكون شكل الصيوان كما في بقية الحيوانات كبير الحجم ويمكن تحريكه في الاتجاهات المختلفة. لكن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان فجعل حجم أذنه متناسقاً مع حجم رأسه وثابتة لا تتحرك وخالية من الشعر ولذلك اقتضى الأمر أن تضاف هذه التعرجات لتزيد من كفاءة الصيوان على جمع الموجات الصوتية من الإتجاهات المختلفة رغم صغر مساحة سطحه مقارنة ببقية الحيوانات.

ولقد تبين لعلماء الصوتيات أن صيوان الأذن لا تقتصر وظيفته على جمع الموجات الصوتية بغض النظر عن قيم تردداتها بل إن أبعاده قد تم اختيارها بشكل دقيق ليعمل كمرشح يقوم بتمرير نطاق الترددات التي يتألف منها صوت الإنسان بقوة أكبر من بقية الترددات حيث يحدث تردد الرنين الرئيسي له عند 2600 هيرتز.

أما القناة السمعية فقد تم اختيار قطرها وكذلك طولها وفق المعادلات التي تحكم انتشار الموجات الصوتية داخل البنى المحصورة وبما أن قطر القناة يبلغ في المتوسط 7.5 ملم فإنها أيضاً تعمل كمرشح للترددات التي تمر من خلالها. أما طول القناة والتي يتراوح ما بين 23 و 30 ملم فقد وجد العلماء أنه يساوي تقريباً ربع طول موجة الترددات التي تقع حول تردد الرنين الرئيسي للصيوان.

وفي هذا سر هندسي عظيم حيث أن الموجة الصوتية تكون عند دخولها القناة واصطدامها بالطبلة ما يسمى بالموجة الساكنة والتي يكون شدة ضغطها أعلى ما يكون عند الطبلة وبهذا فإن هذه القناة تعمل كفجوة رنين تضخم شدة الصوت بعشرة أضعاف شدته في الخارج كما بينت دراسات العلماء.

أما الأذن الوسطى فإن فيها من براعة التصميم ما يدل على مدى علم المصمم بكل حيثية من حيثيات نظام السمع فالبشر بما وهبهم الله من عقول لم يتمكنوا من معرفة الأسس والقوانين التي صممت على أساسها مكوناتها إلا في هذا العصر. إن الطبلة هي أهم مكونات الأذن الوسطى وهي عبارة عن غشاء لحمي رقيق مرن ذات شكل دائري يزيد قطرها قليلاً عن ثمانية ملليمترات وسمكها 60 ميكرومتر وهي مثبتة بشكل مائل عند نهاية القناة السمعية وتسدها تماماً وهي تهتز ميكانيكياً بنفس ترددات الموجات الصوتية التي تصلها من خلال هذه القناة.

إن للطبلة تركيباً عجيباً ومعقداً حير ولا زال يحير العلماء فالشكل الذي كان يتوقعه العلماء للطبلة هو أن يكون مسطحاً لا تعقيد فيه كما هو الحال مع الأغشية المستخدمة في السماعات والميكرفونات. فغشاء الطبلة له شكل مخروطي محدب باتجاه تجويف الأذن الداخلية وتتخلله ألياف تمتد من مركز الطبلة بشكل شعاعي وفيها بروزات تقسم الغشاء إلى عدة مناطق أطلق العلماء عليها أسماء مختلفة.

وبما أن العلماء موقنون بأن الأذن تعمل بكفاءة لا تضاهيها كفاءة أي جهاز صنعه البشر لالتقاط الموجات فهم بالتالي متأكدون من أن شكل الطبلة هذا لا بد وأن يكون هو الشكل الأمثل. ولذلك فقد قام العلماء بإجراء دراسات لا حصر لها لكشف أسرار هذا الشكل ولقد ساعدت الحواسيب العملاقة على إجراء محاكاة لعمل هذه الطبلة وبدأت تتكشف لهم بعض أسرارها.

ومن الأسرار التي اكتشفها العلماء حديثاً أن الشكل المخروطي يتفوق على الشكل المسطح من حيث تكبير الإهتزازات خاصة أنه محمل بوزن عظمة المطرقة والتي قد تعيق عملية اهتزاز الطبلة. أما الإكتشاف الأكثر إثارة فهو أن وجود عدة مناطق لغشاء الطبلة يزيد من مدى الترددات التي تستجيب لها حيث يوجد عدة ترددات رنينية لها وذلك على عكس الغشاء البسيط الذي يوجد له تردد رنين واحد فقط. إن قطر الطبلة هو الذي يحدد أعلى تردد للموجة الصوتية التي يمكن لها أن تستجيب لها فتهتز تبعاً لاهتزازاتها فكل الموجات التي يزيد نصف طول موجتها عن قطر الطبلة يمكن أن تلتقط من قبلها وعلى هذا فإن أعلى تردد هو 20 كيلوهيرتز تقريباً. ويتم نقل هذه الاهتزازات الميكانيكية من خلال ثلاثة عظمات صغيرة موجودة في تجويف هوائي يقع خلف الطبلة إلى غشاء آخر يغطي فتحة موجودة على جدار القوقعة تسمى النافذة البيضاوية.

إن الاهتزازات الميكانيكية في الغشاء الموجود على النافذة البيضاوية تتحول إلى اهتزازات في السائل الموجود في القوقعة. إن من يجهل قوانين الفيزياء لا بد وأن يستهجن وجود العظمات الثلاث التي تنقل الاهتزازات بين الغشائيين وقد يقترح بسبب جهله أن يتم دمج الغشائيين في غشاء واحد يقوم بتحويل الإهتزازات في الهواء إلى إهتزازات في السائل مباشرة وبذلك يستغنى عن هذه العظمات ويصبح تصميم الأذن أقل تعقيداً. ولكن هذا الجاهل سيكتشف إذا ما تم بناء مكونات الأذن حسب اقتراحه أنها لن تسمع إلا الأصوات البالغة الشدة أي أنها أقرب للصمم منها إلى السمع.

ويعود السبب في ذلك إلى الإختلاف الكبير بين معاوقة الهواء ومعاوقة السائل للموجات الصوتية حيث تبلغ في الهواء 412 كغمم2 ثانية وفي الماء مليون ونصف وهذا يعني أن شدة الصوت الذي ينفذ إلى السائل يقل عن شدة الصوت الساقط على الطبلة بألفي مرة بسبب إنعكاس معظم الموجة الساقطة على الطبلة. ولهذا السبب لا بد من وجود جهاز موائمة يقوم بتحويل الإهتزازات في الهواء إلى إهتزازات في السائل الذي في داخل القوقعة بأعلى كفاءة ممكنه. وهذا الجهاز الذي أبدعه الخالق سبحانه وتعالى هو هذه الأذن الوسطى والتي تتكون من غشاء الطبلة ثم تجويف هوائي يحتوي العظمات الثلاث ثم الغشاء البيضاوي على القوقعة.

إن وجود التجويف الهوائي خلف الطبلة ضروري جداً لها لكي تتمكن الطبلة والعظمات الثلاث من الإهتزاز بكل حرية شريطة أن يكون ضغط الهواء في التجويف نفس ضغط الهواء خارج الطبلة فاختلاف بسيط بينهما يؤدي إلى تقوس الطبلة باتجاه الضغط المنخفض ويمنعها من الإهتزاز. وبما أن ضغط الهواء الخارجي دائم التغير بسبب اعتماده على ارتفاع مكان الشخص عن سطح البحر ودرجة حرارة الجو فمن الضروري أن يتغير ضغط الهواء في التجويف بنفس المقدار.

ويأتي الحل لهذه المشكلة ليؤكد على أن الصانع لو كان غير الله سبحانه وتعالى لما انتبه أبداً إلى هذه المشكلة ناهيك على أن يوجد لها حلاً. فلقد تم حل هذه المشكلة من خلال ما يسمى بقناة أستاكيوس وهي قناة هوائية بقطر عدة ملليمترات وبطول أربعة سنتيمترات تصل بين التجويف الحلقي وتجويف الأذن الوسطى وعادة ما تكون هذه القناة مغلقة ولكنها تفتح عند البلع والتثاؤب فيدخل منها الهواء أو يخرج لكي يتم موازنة ضغط الهواء في الأذن الوسطى مع الضغط الجوي الخارجي.

أما العظمات الثلاث وهي المطرقة والسندان والركاب فإنه قد تم تصميم أشكالها وأبعادها وأوزانها بشكل يبعث على الدهشة لكي تقوم بالمهمة التي صممت من أجلها على أكمل وجه.

إن المهمة الرئيسية لهذه العظمات الثلاث هو نقل الاهتزازات الميكانيكية التي تحدثها الطبلة إلى غشاء النافذة البيضاوية الذي يهتز تبعاً لذلك فيحول الإهتزازات الميكانيكية إلى إهتزازات صوتية في السائل الموجود في القوقعة.

ولو ترك الأمر للبشر لتصميم ناقل لهذه الاهتزازات الميكانيكية بين الغشائيين لاكتفوا في بادئ الأمر بعظمة واحدة يتم تثبيت طرفيها على سطحي الغشائيين ولكنهم سيكتشفون أن هذا الحل سيكون فاشلاً لأنه لا يقوم على أساس علمي. ولقد ذكرنا آنفاً أن هذه العظمات مع الغشائيين قد صممت بحيث تعمل كجهاز موائمة يحول الموجات الصوتية المحمولة بالهواء إلى موجات صوتية تحمل بالسائل بأقل إنعكاس ممكن وذلك بسبب الفرق الكبير بين معاوقتي الوسطين.

ولقد أثبت دراسات العلماء أن جهاز الموائمة هذا لم يقتصر دوره على تقليل إنعكاس الموجات الساقطة على الطبلة بل قام بتضخيم شدة الموجات الصوتية في داخل القوقعة إلى أربعة وأربعين ضعفاً عن شدته في الهواء وذلك عندما تكون قيمة التردد ألف هيرتز. ولقد تم الحصول على هذا التضخيم من خلال آليتين أحدهما تقليل مساحة سطح غشاء النافذة البيضاوية بالنسبة لمساحة غشاء الطبلة إذ يبلغ في الأولى ثلاثة ملليمترات مربعة وفي الثانية 55 ملليمتر مربع.

أما الآلية الثانية فهي من خلال نظام العتلات حيث يعمل السندان كعتلة مضخمة للقوة بين المطرقة المرتبطة بغشاء الطبلة والركاب المرتبط بغشاء النافذة البيضاوية.

ورغم الدراسات الكثيرة التي أجراها العلماء على العظمات الثلاثة لكشف طريقة عملها العجيبة إلا أنهم لا زالوا يجهلون كثيراً من أسرارها وإن آخر ما اكتشفوه عنها أن النموذج الميكانيكي فقط لا يمكن له أن يفسر طريقة عملها عند الترددات المختلفة واكتشفوا أن التجويف التي هي فيه يعمل كدائرة رنين تساعد على حركة العظمات بالشكل المطلوب عند الترددات المختلفة.

ومن الأسرار العجيبة لهذه العظمات أن العضلات التي ترتكز عليها تنقبض عند الأصوات العالية فتقلل من شدة الصوت الذي يصل إلى سائل القوقعة مما يزيد من المدى الديناميكي للأذن. إن العجب من تركيب هذه العظمات وطريقة عملها يتضاءل عندما يفكر الإنسان في طريقة خلقها فمن أي جزء من الجسم قد نمت وهي معلقة في الهواء بين غشاء الطبلة وغشاء النافذة البيضاوية!

أما الأذن الداخلية فتتكون بشكل رئيسي من القوقعة التي هي عضو السمع الرئيسي حيث تقوم بتحويل الموجات الصوتية إلى إشارات عصبية تنقل إلى مكان معالجة الصوت في الدماغ.

وتتكون القوقعة والتي لا يتجاوز حجمها حجم حبة الفاصوليا من أنبوب عظمي مجوف يبلغ طوله 35 ملليمتر وقطره الخارجي يصل لعدة ميللمترات وقد تم لفه بشكل حلزوني بمقدار لفتين ونصف وذلك لأسباب عدة تمكن العلماء من كشف بعضها ولا زالوا يحاولون كشف بقيتها. ومن الميزات الواضحة للشكل الحلزوني هو لكي تحتل القوقعة أقل حيز ممكن داخل الجدار العظمي للجمجمة ولقد اكتشف العلماء حديثاً خاصية عجيبة لهذا الشكل فهو يعمل على تضخيم الأصوات الضعيفة بينما يقوم بتضعيف الأصوات القوية مما أعطى الأذن هذا المدى الديناميكي الهائل.

ويوجد في داخل الأنبوب العظمي للقوقعة والذي يضيق تدريجياً كلما ابتعد عن قاعدته ثلاث قنوات تقع فوق بعضها البعض وتمتد على طول الأنبوب ويفصل بينها أغشية رقيقة ومرنة. وتتصل القناتين العليا والسفلى ببعضهما عند نهاية الأنبوب ولا يوجد في هاتين القناتين سوى سائل ليمفاوي كثيف.

أما القناة الوسطى الأصغر قطراً فتحتوي على سائل ليمفاوي يختلف في تركيبه عن سائل القناتين الأخريين وكذلك تحتوي على أهم مكونات الأذن وهو الجهاز المسؤول عن تحويل الموجات الصوتية المنتقلة عبر السائل إلى إشارات عصبية تنقل إلى الدماغ وهو جهاز كورتي. ويوجد على سطح القوقعة من جهة الأذن الوسطى فتحتان فتحة بيضاوية تبلغ مساحتها 3.2 ملليمتر مربع وهي مغطاة بغشاء رقيق ومرن وهو يغلق القناة العليا وفتحة دائرية تقع تحت الأولى مباشرة وتبلغ مساحتها 2.5 ملليمتر مربع وهي مغطاة أيضا بغشاء رقيق ومرن وهو يغلق القناة السفلى.

ويثبت على الغشاء البيضاوي عظمة الركاب حيث يهتز هذا الغشاء باهتزاز الركاب وبذلك يحول الاهتزازات الميكانيكية للعظمات الثلاث إلى اهتزازات في السائل الليمفاوي في القناتين العليا والسفلى. وهنا يتجلى إبداع الخالق سبحانه وتعالى في وجود غشاء الفتحة الدائرية حيث أنه في حالة غيابها لا يمكن لغشاء الفتحة البيضاوية أن يهتز بحرية بسبب أن السوائل غير قابلة للانضغاط وبوجودها فإنه يهتز بكل سهولة فعندما يتحرك الغشاء البيضاوي إلى داخل القوقعة يتحرك الغشاء الدائري إلى خارجها ويتحرك السائل بكامله على طول القناتين العليا والسفلى والعكس بالعكس.

ولهذا نجد أن الأشخاص الذين يولدون بدون هذه الفتحة مصابون بالصمم ويحدث هذا أيضاً في حالة أن القناتين العليا والسفلى غير مفتوحتين على بعضهما عند نهاية القوقعة. إن أعقد ما في القوقعة هو الجهاز الذي يقوم بتحويل الموجات الصوتية إلى إشارات كهربائية تنقل عبر الألياف السمعية إلى الدماغ فيقوم بمعالجتها.

وعلى الرغم من أن العلماء قد تمكنوا من معرفة تركيب هذا الجهاز إلا أنهم لا زالوا يجهلون كثيراً من تفصيلات الطريقة التي يعمل من خلالها. فجهاز كورتي يقع في القناة الوسطى للقوقعة والمسماة بقناة القوقعة وتصل اهتزازات الموجات الصوتية إليه بطريقة غير مباشرة فعندما يهتز السائل في القناتين العليا والسفلى بسبب اهتزاز الغشاء البيضاوي يبدأ السائل المحيط بجهاز كورتي بالاهتزاز نتيجة لاهتزاز الأغشية الفاصلة بين القنوات الثلاث. ويتكون جهاز كورتي من شريط لحمي يمتد على طول أنبوب القوقعة وهو مغطى بنوعين من الخلايا الشعرية وهي الخلايا الداخلية والخلايا الخارجية فالخلايا الداخلية تتكون من صف واحد فقط يمتد على طول الشريط ويبلغ عددها 3200 خلية وهي المسؤولة عن التقاط الموجات الصوتية وتحويلها إلى نبضات كهربائية. أما الخلايا الخارجية فتتكون من ثلاثة صفوف تمتد على طول الشريط ويتراوح عددها بين 15 ألف و 20 ألف خلية وهي على العكس من الخلايا الداخلية فإنها لا تلتقط الموجات الصوتية بل تستلم إشارات من الدماغ فتفرز مواد كيميائية تعمل على انقباض أو انبساط الشعيرات فتخفف أو تزيد من الضغط الواقع على الشعيرات الداخلية وذلك لأسباب متعددة تمكن العلماء من معرفة بعضها والتي أوضحها حماية الشعيرات الداخلية العالية الحساسية من التلف في حالة الأصوات العالية وفي هذا يكمن سر المدى الديناميكي الهائل للأذن.

إن نظام التغذية الراجعة التي تستخدمه الأذن هو ما نستخدمه اليوم في المستقبلات الإلكترونية في أنظمة الاتصالات لكي تتمكن من التعامل مع مدى واسع من قيم الإشارات المستقبلة.

ويغطي الخلايا الشعرية شريط بالغ الرقة والمرونة يمتد على طول القوقعة هو ضيق عند بدايته ويتسع تدريجياً كلما تقدم إلى نهايته حتى يصبح عرضه عند النهاية عشرة أضعاف عرضه عند البداية. إن أحد جانبي الشريط مثبت على طوله بجدار القوقعة بينما يترك الجانب الآخر ليتحرك بكل حرية مع الإهتزازات التي تحدثها الموجات الصوتية فيحفز بحركته الخلايا الشعرية الداخلية.

إن أبعاد هذا الشريط هي المفتاح الذي أدى إلى فهم الطريقة التي يعمل بها جهاز كورتي فالأغشية المرنة تهتز بأكبر ما يكون عندما تكون أبعادها مقاربة لطول الموجات الساقطة عليها. فهذا الشريط أضيق ما يكون عند بدايته ولذا فهو يهتز فقط عند الترددات العالية القريبة من 20 كيلوهيرتز وكلما زاد عرضه كلما اهتز عند الترددات الأقل ثم الأقل حتى يصل إلى أكبر عرض له عند نهايته فيهتز عند الترددات المنخفضة جداً القريبة من 20 هيرتز.

وعلى هذا فإن كل خلية شعرية داخلية تقع تحت هذا الشريط ستستجيب لنطاق محدد من الترددات المسموعة والتي تمتد من 20 هيرتز إلى 20 كيلوهيرتز. إن نسبة أعلى تردد إلى أقل تردد يمكن أن تلتقطه الأذن يساوي ألف ضعف ومثل هذه النسبة لا يمكن الحصول عليها في الأجهزة الصناعية المستخدمة في التقاط الموجات المختلفة.

ومما تتفرد به الأذن على غيرها من الأجهزة الحديثة هي قدرتها على التمييز بين الترددات المختلفة حيث تصل إلى 3 هيرتز في نطاقها العالي الحساسية. إن كل ما شرحناه من تعقيد في تركيب مكونات الأذن في أقسامها المختلفة لا يكاد يذكر مع التعقيد الموجود في الخلايا الشعرية والطريقة التي تعمل من خلالها لتحويل الاهتزازات الميكانيكية إلى نبضات كهربائية ترسل من خلال الألياف السمعية إلى الدماغ.

ولقد تمكن العلماء من كشف كثير من أسرار التفاعلات الكيميائية التي تجري في داخل هذه الخلايا الشعرية ولا سبيل لشرحها إلا من قبل مختص في هذا المجال. إن كل خلية شعرية داخلية محاطة بما يقرب من عشرة ألياف عصبية فعندما تتحرك شعرة الخلية تقوم الخلية بإفراز مواد كيميائية تنتقل إلى هذه الألياف العصبية والتي تقوم بتوليد نبضات كهربائية تنقلها إلى الدماغ.

وتخرج هذه الألياف العصبية المرتبطة بالخلايا الشعرية الداخلية وكذلك الخارجية من القوقعة لتلتف مع بعضها لتكون جديلة العصب السمعي والتي تمتد حتى تصل إلى منطقة الدماغ التي يتم فيها معالجة الإشارات العصبية الحاملة للأصوات.

ويتضح لنا هنا ميزة أخرى للشكل الحلزوني للقوقعة حيث لو أنها بقيت على شكل أنبوب لاحتلت الألياف العصبية حيزاً كبيراً في الجمجمة قبل أن يتم لفها في ضفيرة واحدة. إن الأذن بما فيها من مكونات بالغة التعقيد ما هي إلا جهاز طرفي يقوم بتحويل الموجات الصوتية المنتشرة في الهواء إلى إشارات عصبية محمولة بالألياف العصبية تحدد الترددات المختلفة التي يحتويها الصوت وكذلك شدة كل تردد منها. أما المهمة الأصعب في نظام السمع والذي لا زال العلماء يجهلون كثيراً من أسرارها فهي في الكيفية التي تعمل بها الخلايا العصبية في الدماغ على هذه الإشارات لتعطي الإنسان نعمة الإحساس بالصوت والتي قل من الناس من يشكر من أبدعها سبحانه وتعالى لقوله عز من قائل: "وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ " [المؤمنون : 78] .

إن أقل شدة ضغط للموجات الصوتية يمكن أن تلتقطها الأذن السليمة والتي تسمى بحساسية الأذن تبلغ 20 ميكروباسكال والباسكال هو وحدة الضغط الأساسية وهو الضغط الناتج عن تسليط قوة مقدارها نيوتن واحد على مساحة مقدارها متر مربع. أما أشد ضغط يمكن أن تتحمله الأذن دون أن يصيبها خلل فهو 20 باسكال أي بما يزيد عن مليون مرة عن أقل ضغط وهذه نسبة بالغة العلو لا يمكن أن يحصل عليها لولا أن الذي صممها هو الذي أحاط علمه بكل شيء سبحانه وتعالى.

فبهذا المدى الديناميكي البالغ العلو يمكن للأذن أن تسمع أصوات بالغة الخفوت كحفيف الأوراق وطنين الحشرات وأصوات بالغة الضجيج كدوي المدافع وهدير الطائرات دون أن تتأذى. ويعود الفضل في هذه الحساسية العالية للأذن إلى الحساسية العالية للخلايا الشعرية الداخلية فهي قادرة على إلتقاط الأصوات الخافتة رغم أنها مدفونة داخل طبقات متعددة من الأغشية ولا يصلها الصوت إلا بعد مروره على عدد كبير من المكونات كطبلة الأذن والعظمات الثلاثة والغشاء البيضاوي والأغشية الفاصلة بين قنوات القوقعة.

وبسبب الحساسية العالية للخلايا الشعرية فإنها معرضة للموت إذا ما تعرضت لأصوات تزيد شدتها عن 20 باسكال أو لأصوات أقل شدة ولكن لفترات طويلة ولذا فعلى الإنسان أن يتجنب التعرض لهذه الأصوات حيث أن الخلية التي تموت لا يمكن أن تستبدل مع العلم أن عددها يزيد قليلا عن ثلاثة آلاف خلية.

ويوجد في الأذن الداخلية إلى جانب القوقعة جهاز آخر بالغ الأهمية يقوم بوظيفة أساسية ومهمة في نظام حفظ اتزان جسم الإنسان وتحديد اتجاه وسرعة حركته فبدونه لا يمكن للإنسان أن يحافظ على اتزان جسمه سواء أكان جالساً أو واقفاً أو ماشياً أو راكضاً أو غير ذلك من الأوضاع التي يتخذها الجسم. وكذلك يقوم بوظيفة أخرى بالغة الأهمية وهي إبقاء العينين موجهتان نحو ما تنظران إليه وعدم تشويش الصور الملتقطة في حالة تحرك الرأس.

وعلى الرغم من أن جهاز الإتزان هذا لا علاقة له بالسمع إلا أن وجوده بجانب القوقعة يدل على مدى علم من وضعه بجانبه سبحانه وتعالى. فمبدأ عمل جهاز الإتزان هو نفس مبدأ عمل القوقعة تماماً ويستخدم نفس الآليات التي تستخدمها وخاصة الخلايا الشعرية الحساسة لأي حركة في السائل المغموسة فيه.

يتركب الجهاز من ثلاث قنوات عظمية مجوفة لها شكل شبه دائري ولذلك يطلق عليها القنوات شبه الدائرية أو القنوات الهلالية ومن تجويفين متجاورين بينهما فتحة وأحدهما أكبر قليلاً من الأخر.

إن القنوات الثلاث والتجويفين مفتوحة على بعضها البعض وهي مفتوحة أيضاً على القناة الوسطى في القوقعة وهي مملوءة بسائل ليمفاوي. ويوجد في هذا الجهاز خمسة حساسات للحركة ثلاثة منها موجودة في القنوات الهلالية مثبتة عند أطرافها والآخران موجودان في التجويفان.

فحساسات القنوات الهلالية مسؤولة عن الإحساس بالحركة الدورانية حول المحاور الثلاث للفضاء ولذلك نجد أن هذه القنوات موضوعة في ثلاث مستويات متعامدة على بعضها البعض تقريباً. فعندما يحرك الإنسان رأسه حول المحور الرأسي فإن السائل الذي في القناة الأفقية سيتحرك فقط ويضغط على الحساس الذي في نهايتها فيرسل إشاراته إلى الدماغ وهكذا الحال عند تحريك الرأس حول بقية المحاور.

أما الحساسان الموجودان في التجاويف فهي مسؤولة عن الإحساس بالحركة الخطية للرأس والجسم وقد تم تثبيت الحساسين بحيث يكون أحدهما في المستوى الأفقي تقريباً والآخر في المستوى الرأسي وذلك لتحديد اتجاه الحركة في مختلف الإتجاهات. ويتكون حساس الحركة الدورانية من طبقة من الخلايا الشعرية مغطاة بطبقة من مادة جلاتينية على شكل حلمة رضاعة الأطفال.

وعندما يتحرك السائل في القنوات الهلالية نتيجة لحركة الرأس الدورانية فإنه يحرك الحلمة فيستثير الخلايا الشهرية فيرسل إشارات كهربائية يعتمد ترددها على سرعة الدوران في الاتجاه المعني. أما حساس الحركة الخطية فيتكون من طبقة من الخلايا الشعرية مغطاة بطبقة من مادة جلاتينية يكسوها طبقة من بلورات كربونات الكالسيوم الصلبة.

وعندما يتحرك الرأس بشكل خطي في أي اتجاه فإن الطبقة البلورية الثقيلة نسبياً تقاوم الحركة بسبب تثاقلها أو ما يسمى بقصورها الذاتي فتضغط على الطبقة الجلاتينية فتستثير الخلايا الشعرية وترسل بإشاراتها إلى الدماغ.

وكما هو واضح من الصور فإن الخلايا الشعرية لكل حساس من الحساسات الخمسة ترتبط بألياف عصبية تجتمع مع بعضها في ضفيرة واحدة تذهب إلى منطقة الدماغ المسؤولة عن الإتزان لتعالج هذه الإشارات مع بقية الإشارات القادمة من مختلف أنحاء جسم الإنسان ومن ثم تقوم بإرسال إشارات إلى مختلف عضلات جسم الإنسان لتحفظ للجسم توازنه في جميع أوضاعه.

المراجع

1- القرآن الكريم

2- مواقع متفرقة على الإنترنت

Yousry Salem



والله يا يحيى الموضوع جميل جدا
وشيق جدا
وأظننى أحتاج لوقت طويل لأكماله وسأفعل باذن الله
ولكن الشكر واجب على مجهودك ومثابرتك على نشر المواضيع الجميلة والهادفة
جزاك الله خيرا وجعله فى ميزان حسناتك
اللهم آمين




egyptian-lion
إقتباس(Yousry Salem @ Oct 14 2009, 11:42 ) *



والله يا يحيى الموضوع جميل جدا
وشيق جدا
وأظننى أحتاج لوقت طويل لأكماله وسأفعل باذن الله
ولكن الشكر واجب على مجهودك ومثابرتك على نشر المواضيع الجميلة والهادفة
جزاك الله خيرا وجعله فى ميزان حسناتك
اللهم آمين





شكرا يا استاذ يسرى وكلام حضرتك هعتبره وسام على صدرى وشهاده تقدير وان شاء الله تكون فعلا الموضوعات اللى بيتم طرحها مفيده وشكرا لحضرتك مره تانية
.
Invision Power Board © 2001-2010 Invision Power Services, Inc.